Menu

نظرة إلى المستقبل

قلم.jpeg

بقلم / عطا حسن أبو رزق

"ألفين توفلر" المفكر الأمريكي وعالم الاجتماع المتميز الذي ولد في 4/12/1928م وتوفي في 27/6/2016م، أحد مؤسسي "علم المستقبل"، أبهر وأذهل صناع القرارات السياسية والاقتصادية وراسمين الخطط الاستراتيجية لدول العالم المتقدم، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية بتنبؤاته المستقبلية، حيث أوقعت أثراً كبيراً في مجمل قراراتهم ورسم خططهم المستقبلية.

عمل "ألفين توفلر" محاضراً في جامعات أمريكا وقد درس العديد من رؤساء العالم من ضمنهم ميخائيل غورباتشوف آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي، والرئيس الهندي "أبو بكر زين العابدين" ورئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد. وصفته مؤسسة أكسنتور للاستشارات الإدارية بأنه ثالث أهم شخص بين رواد الإدارة في أمريكا بعد بيل غيتس وبيتر دراكر، كذلك أطلق عليه في الجريدة البريطانية فاينانشال تايمز بانه "أشهر عالم دراسات مستقبل في العالم"، كما صنفته صحيفة الشعب اليومية الصينية بين خمسين أجنبي الذين ساهموا في صياغة الصين الحديثة. وجاء في الصحيفة الصينية بالنص: "على مر تاريخ الصين الطويل، فإن العصر الذي بدأ من عام 1840 تميز بأكبر وأسرع وأشرس وأعقد تغيير في تاريخ الصين، وقد كان هناك الكثير من الأجانب الذي كان يمكن أن يؤثروا في تلك الفترة بالذات، لكن بشكل عام فهناك خمسون منهم بلا شك قد قدموا أفضل وأكبر تأثير برهن على الميزات التاريخية التي تصادمت بها الصين مع العالم".

لقد تنبأ "ألفين توفلر" في كتابه "حضارة الموجه الثالثة" الذي تم نشر الطبعة الأولى منه في العام 1990م، بدخول العالم في الثورة التقنية الهائلة التي تجسدت، أكثر ما تجسدت، في ثورة الاتصالات والإنترنت والثورة الرقمية، وتنبأ بتأثيراتها الاجتماعية التي بدأت في الظهور في المجتمع الأمريكي والغربي عموماً منذ وقت مبكر، من ضمنها العزلة الاجتماعية، وانهيار دور الأسرة البيولوجية، وتغيير القيم الاجتماعية والأخلاقية السائدة. وبدأت نتائج هذه التأثيرات تبرز بشكل أكثر وضوحاً وجلاء في مجتمعاتنا العربية مؤخراً مع اجتياح جائحة كورونا (كوفيد 19)، إذ ألزمت عمليات الحجر المنزلي، والتباعد الاجتماعي العديد من المؤسسات الخدماتية والتعليمية وشركات الإنتاج الصناعي على العمل عن بعد باستخدام التقنية العالية لشبكات الاتصالات والانترنت.

لم يبنِ "توفلر" تنبؤاته بطريقة المنجمين وقارئي الكف والطالع الذين نشاهدهم في نهاية كل عام على شاشات الفضائيات يوزعون عل العالم تنبئاتهم، بل بناها حسب رؤيا تحليلية علمية للواقع المعاش في زمنه، وإلى مجمل التطورات التي حدثت في المجالات الحياتية بمختلف جوانبها العلمية والتقنية والاقتصادية والسياسية ودراسة أثرها الاجتماعي على المجتمع في الحقب السابقة، وقد أورد في كتابه المذكور وفي الفصل السادس عشر وتحت عنوان جانبي "الكوخ الالكتروني" جانب من رؤيته التحليلة يقول فيها: "قبل ثلاثمائة عام عندما كانت جماهير الفلاحين تمارس الزراعة، لم يتوقع أحد أن يأتي وقت وتهجر فيه الحقول من أصحابها الذين زحفوا إلى مصانع المدينة لكسب العيش. واليوم يحتاج المرء أن يستجمع شجاعته ليقول: ستصبح أكبر مصانعنا وشركاتنا نصف فارغة في السنوات القادمة، ولن تصلح إلا مستودعات شجية أو تتحول إلى أماكن إقامة. هذا هو منظور نظام الإنتاج الجديد الذي يجعل عودة الإنتاج في الكوخ أو المنزل ممكنة، ولكنها ستكون مقامة على أسس وقواعد الكترونية متقدمة، وبالتالي فهناك تأكيد جديد على أن البيت هو مركز المجتمع، إلا أن الإيحاء بأن معظم الناس سيمضون سحابة وقتهم في بيوتهم بدلاً من الذهاب للمصنع أو المكتب يثير عاصفة من الاعتراضات. فهناك العديد من الأسباب المنطقية التي تثير ارتياب المرتابين: إن الناس لا يرغبون بالعمل في بيوتهم حتى لو استطاعوا لذلك سبيلا...". ويضرب "توفلر" مثلاً عن نضال النساء للخروج إلى العمل فيقول: "أنظر إلى المرأة كيف تكافح لتخرج من البيت إلى الوظيفة! كيف ستؤدي عملاً والأطفال يلهون من حولك". ويضيف: "لن يكون عند الناس حافزاً للعمل ما لم يشعروا بوجود رئيس عمل يشرف عليهم، والناس يحتاجون إلى احتكاك مباشر مع بعضهم لتطوير الثقة والثقة بالنفس الضروريين للعمل الجماعي؛ إن الهندسة المعمارية للبيت ليست مناسبة لذلك، ولكن ماذا تعني بالعمل في المنزل – وهو الموقد الانفجاري في كل أساس؟ ستقتل النقابات هذه الفكرة. ماذا عن جابي الضرائب؟ وتبقى العقبة الرئيسية للجميع ماذا؟ أتريدني أن الزم البيت طوال اليوم مع زوجتي؟! حتى كارل ماركس كان ليكشر معترضاً". إذ قال: إن العمل في البيت كان شكلاً رجعياً من أشكال الإنتاج لأن ((التكتل)) في مُحترف واحد كان "شرطاً ضرورياً لتقسيم العمل في المجتمع". وباختصار، كانت هناك، وما تزال، الكثير من الأسباب (والمبررات الزائفة) التي تعتبر أن الفكرة جملة وتفصيلاً سخيفة وغير معقولة.

إن ما ذكر يفيد بأن الأيام القادمة حبلى بالمتغيرات الدراماتيكية، التي علينا الاستعداد لها، وأن ما كان يصلح قبل عام لم يعد يصلح الأن ولن يكون صالحاً بالمطلق غداً، لذا يتوجب علينا التفكير  في حاضرنا ومستقبلنا بطريقة مختلفة عن الطريقة التي نفكر بها، أخذين بعين الاعتبار أنه ليس هناك ثبات للأشياء، وأن كل شيء متحرك ومتغير؛ فإذا المصنع التقليدي لم يعد له وجود كما ذكر "توفلر"، وأصحاب الياقات الزرقاء صاروا من أصحاب الياقات البيضاء، وأن مجمل الأعمال ستدار من البيت أو كما سماه من الكوخ الالكتروني، وإذا ما العلاقات الاجتماعية التي بنيت على زمن المصنع القديم تحطمت وانتهت ولم تعد قائمة؟ وإذا ما كان الجنود الذين سيواجهون المحتجين على قضية ما والذين يخوضون الحروب هم من الربوتات التي تم تصنيعها وبرمجتها والتحكم بها عن بعد، وتفتقد إلى المشاعر الإنسانية، كيف ستكون مواجهتها؟ وإذا ما شكل الأسرة النووية (أسرة الموجة الثانية من الحضارة) أخذت في التحول إلى أنماط أخرى وفقدت خصائصها التي تميزت بها؟ أمام كل هذا وأكثر من ذلك ألا يجدر بنا التساؤل كيف سنبني مستقبلنا؟ ومتى سنلحق بركب هذا العالم الذي يقفز قفزات هائلة في مجالات التكنولوجيا وعالم الاتصالات؟ وكيف ستواجه شعوبنا التي ما زالت تعيش في عقلية وأسلوب وأدوات الموجة الأولى التي عرفها "توفلر" على أنها حقبة الزراعة بما تشمله من علاقات وقيم ومفاهيم اجتماعية؛ صدمة المتغيرات الهائلة في كافة المجالات، والتي تحدث عنها بإسهاب "ألفين توفلر" في كتابه السابق لهذا الكتاب، والذي تم نشرة في بداية سبعينيات القرن الماضي باسم "صدمة المستقبل"؟

شعبنا الفلسطيني على مدى أكثر من قرن وهو يقاوم الاستعمار البريطاني أولاً ومن ثم الاحتلال الصهيوني، وما زال يرواح في نفس المكان، إن لم يكن يتراجع في كل مرحلة عن المرحلة التي سبقتها، رغم تبدل أشكال وأنماط قيادة الثورة والمقاومة الفلسطينية في مختلف مراحلها، منذ ثورة البراق 1929م- 1932م مروراً بثورة 1935-1939 بقيادة عز الدين القسام، ومن ثم الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية المعاصرة وبروز فصائل العمل الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية حتى يومنا الحاضر. 

كان واضحاً لكل باحث ومتابع بأن الأخطاء التي اُرتكبت في الماضي هي ذات الأخطاء التي توالت عبر كل المراحل وحتى يومنا الخاضر، ورغم معرفة وإدراك غالبية قياداته ومفكريه ذلك، إلا أنهم لم يجرؤوا حتى اللحظة على الإقدام بكل جرأة لتغيير نمط تفكيرهم تجاه وسائلهم وأدواتهم التي يستخدموها منذ بدء الصراع مع الغزاة والمحتلين لأرضنا، والتي لم تحدث أي تغير إيجابي يمكن البناء عليه والتمسك به وخلق المبررات له. وأمام حالة النفور التي بدأت تظهر على قطاعات واسعة من شعبنا وخصوصاً في أوساط الشباب تجاه واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وانسداد كل أفق مستقبلي أمامها، والإحباط وخيبة الأمل لديها من صناع القرار، من المؤكد بأنه سيبرز من بين هؤلاء الشباب من يكون قادراً على الإمساك بدفة القرار، وإحداث تغيّرات تلبي حاجاتهم وحاجات شعبهم وطموحاتهم التي عجزت عن تلبيتها قيادتهم السابق، لكن يبقى السؤال متى؟ وكيف؟ قائماً.