Menu

"التنمّر" الأمريكي على السودان

نهلة الشهال

"التنمّر" هو التعبير الذي استخدمه يوناتان توفال، كبير المحللين بـ"المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية" في مقال نشره في صحيفة هآرتس، لوصف المسلك الأمريكي الضاغط على السودان من أجل إعلان موافقته على تطبيع علاقاته مع إسرائيل.

الإسرائيليون أنفسهم باتوا يخشون من النتائج العكسية لهذه الضغوط العلنية، المتعجلة والفجة، والتي من فرط إلحاحها لا تهتم بمراعاة حتى الشكليات الدبلوماسية. وهي بالطبع لا تكترث أبداً بالنتائج المترتبة عليها داخل الاجتماع السوداني من جهة، الذي ما زال منتفضاً يطالب بتحقيق ثمار ثورته، وبما يخص الصراع الصامت بين الجناحين العسكري - المجلس العسكري الذي استلم السلطة بعد عزل البشير - والمدني المتمثل بـ"قوى إعلان الحرية والتغيير". وهما يُسيّران بمشقّة دفة "المرحلة الانتقالية" التي بدأت في تموز / يوليو 2019، وتستمر لثلاث سنوات ونصف. 

مضى على وجود السودان على لوائح الدول الراعية للإرهاب 27 عاماً، تسببت بتعظيم إفقار هذا البلد المتنوع بشكل مدهش وعلى كل الصعد، بالغ الثراء والإمكانات، مترامي الأطراف، ومحدود عدد السكان.. أي الذي يمتلك كل الميزات التي كان يُفترض أن تجعل أهله ميسورين ومحققين لذواتهم الفردية والوطنية. لكن التأجيج المقصود على الأغلب للصراعات العرقية والدينية والجهوية، كوسيلة بائسة في إدارة الحكم وفي التحكم (وصولاً لانشطار البلد واستقلال جنوبه)، استنزف البلد الجميل، ونمّى ميليشيات نهّابة وإجرامية، ما زالت تُرهب الناس بعد الذي ارتكبته من مجازرَ بحقهم، وما زالت تَغرف الخيرات، وتصادرها لصالح "بارونات" أو مكونات معلومة. وهناك بالطبع، وعلى ذلك من أسباب الافقار، سوء الإدارة وضيق الأفق وعدم الاكتراث بالمصلحة العامة.

واشنطن كانت قد وعدت الرئيس المخلوع برفع اسم السودان عن لوائح الإرهاب تلك، وماطلت ولم تفعل، ثم طالبها الحكم الجديد بتنفيذ تعهداتها فلم تفعل، إلى أن بدأت بالمجاهرة بشرطها الغريب: التطبيع مع إسرائيل. وحرّكت لهذه الغاية كل خدمها: أوغندا، حيث جرى لقاء البرهان بنتياهو في عنتيبي، ثم الإمارات التي تمتلك مع الجناح العسكري في الحكم السوداني علاقاتٍ مميزة منسوجة من شبكات تهريب الذهب المنهوب من كل السودان، وبالاخص من شمال دارفور، وكذلك سواه من "التجارات"، مما يجعلها تتفوق على علاقات هؤلاء العسكر ب السعودية مثلاً، التي "تشجع" الخرطوم هي الأخرى على التطبيع مع اسرائيل، بينما تحجم عن الهرولة إلى تل أبيب كما فعلت أبو ظبي.

لقد تم تجويع الشعب السوداني بشكل متعمد وواعٍ ومقصود، واليوم تقوم واشنطن بابتزازه بشكل علني بالطعام مقابل التطبيع، بينما تطغى الصعوبات الحياتية المستمرة بل المتفاقمة، وتنتشر المظاهرات منددة بتقاعس السلطة، وخائبة مما أُنجز.

وكل ذلك يفطر القلب. 

ولكن وبغض النظر عن هذا الجانب، فهناك أمران يبرزان من خلال هذا المشهد المأساوي: الدور الذي تضطلع به إدارة ترامب - بومبيو في خدمة الرغبات الإسرائيلية كما يصوغها نتنياهو، بعدما انتهت أوهام "التسوية التاريخية" وأوسلو وحل الدولتين. ولا يكفي لتفسير السياسة الامريكية الاعتدادُ بالانتماء الى تيار إنجيلي "خَلاصي" لترامب وبالمعتقدات الخرافية لهؤلاء. فكيف يتاح للإدارة الأمريكية أن تُبتذل إلى حد توظيف مكانتها "العظمى" في هذا الشق الضيق؟ لطالما كانت الإدارات الأمريكية منحازة بشكل صارخ لإسرائيل، ولكن الأمر هنا يكتسي طبيعة أخرى تتجاوز الانحياز. وما صلة هذا المسلك بمجمل خاصيات السلطة الأمريكية الحالية، المطبوعة بالابتذال والكذب والتهريج، والتي يرى باحثون أنها صارت "سمة العصر"... وهي على أية حال وبالتأكيد تغيّر تعريف السياسة والعلاقات الدولية.

... والدور الذي تضطلع به الإمارات العربية المتحدة، التي تقلّدُ هؤلاء الأمريكان في الصفاقة والرغبة بالإدهاش وإحداث الصدمة. والإمارات بالطبع لم تكن لتُذكر لولا الانهيار التام القائم في المنطقة، والذي شطب بلداناً ك مصر والعراق وسوريا، وأوقع السعودية بكل ثقلها والدهاء الموصوف لملوكها وشخصياتها، بين يدي شاب أحمق يُقال إن محمد بن زايد الإماراتي يسيّره كما يشتهي. الإمارات تحلم بأن تكون إمبرطورية. لا يهم أن لا مساحتها ولا ديموغرافيتها يؤهلانها لذلك وأنها لا تملك بشكل فعلي لا نفطاً ولا غازاً ولا ثروات.

الإمارات تستثمر في عدوانيتها وفي تحالفها الوثيق مع اسرائيل. وهي تمدد نفوذها في اليمن، وتستولي على جزيرة سقطرى بعد عدن، وتقيم قواعد عسكرية ومشاريع في بلدان القرن الإفريقي، وتتدخل في ليبيا ... ولكي تفعل، فهي تعقد شراكة استراتيجية مع إسرائيل، وهذا "طبيعي" بل إجباري، ولولاه لما تمكنت. كما تحتاجه وبالقدر نفسه اسرائيل التي تصف نفسها بانها "شركة مبادرات" (startup)، استعمارية وعسكرية.
 ها أن مراجع التحليل السياسي والسوسيولوجي المعتاد لم تعد نافعة، وصار لزاماً ابتداع علم جديد، وحده الله يعلم ما سيكون اسمه، ولكن من المؤكد أنه يتطلب معرفة وثيقة بالأمراض النفسية، وبسجلات المصحات العقلية.

 مسكينٌ السودان!