عام مضى على نضال شاق لانتفاضة وطنية شعبية؛ زلزلت قاعدة النظام السياسي – الطائفي، وعشرون عاماً ونصف العام مضت على تحرير الوطن من رجس المحتل الصهيوني، لكن كل هذا التاريخ المشًرف من النضال والصمود والمقاومة لا يجعلنا نقول أن الشعب والوطن بخير، بل يجعلنا نعترف بأننا في أرذل المراحل التاريخية وأخطرها؛ فالطبقة الحاكمة المتسيدة على عرش النظام منذ اتفاق الطائف عام 1989 ما زالت تغني مواويل خارجية، وتسبح في عمق سياساتها واستهدافاتها لموقع لبنان ودوره الوطني وفق صيغة محاصصاتها الطبقية والطائفية؛ لا تؤمن بالمتغيرات، ولا تمارس إلا طقوسها الطائفية. هذه الطبقة البرجوازية التابعة حاضرة لتغيير جلدها ولونها مراعاة لإمتيازاتها ومصالحها والبقاء على نظامها دون تعديل أو تبديل، هي تطوشنا بأنها ضد مشروع الشرق الأوسط الجديد، لكن كل أدائها يصب في مصلحته، وهي صرعتنا بالسيادة والحرية والاستقلال، لكنها لم تترك تدخلاً خارجياً إلا واستدعته لتدعيم حكمها، هي ضد بالخطابات؛ ضد الفساد، لكنها لا تعرف مهنة لها سوى الفساد.
هذا النموذج من "فيداليات الثعالب الطائفية" نجح إلى حد، وخلال قرن من عمر لبنان الكبير في الحفاظ على النظام، وحيث أن "الطائفية" شكلت صمام الأمان للإقطاعية ثم للبرجوازية التي استطاعت أن تبقى متسيدة على طوائفها بلغات وأيديولوجيات متنوعة ومتناقضة، كل طرف له ارتباطاته الخارجية، وله مداخيله ومغاراته الداعمة لحكمه، أما سلاح التفرقة والتجييش الطائفي والصراعات والحروب فهو السلاح الأمضى للتغلب على انتصار المقاومة والتحرير، وعلى نضال الطبقة العاملة والحركة النقابية والشعبية، وعلى الانتفاضة الشعبية، وكل مقتضيات التغيير الديمقراطي.
اليوم، الوطن والشعب والمقاومة في مأزق خطير جداً، حيث الخيارات المتاحة اليوم ضيقة جداً: بين اللادولة، واقتصاد نيوليبرالي فالت، وفساد غير مسبوق، وتدخلات خارجية من كل حدب وصوب، وحياة اجتماعية معدمة، وكورونا منتشرة مع إصابة الآلاف يومياً، وتقديمات خدماتية غير موجودة، وغلاء فاحش، وليرة لم تعد ذات قيمة شرائية بعد أن خسرت 80% من قيمتها.. تأتي مفاوضات "الإطار" غير المباشرة، والتي حطت على عجل مع العدو الصهيوني؛ من أجل ترسيم الحدود البحرية بين لبنان و فلسطين المحتلة، تحت الرعاية الأميركية، في سياق البحث عن النفط والغاز وأنابيبه الاستراتيجية بين ضفتي البحر المتوسط، والتي لا يمكن وصلها إلا بمفاوضات أو باتفاقات أو بتطبيع مع هذا الكيان الغاصب، حسب ظروف كل بلد مستهدف في المنطقة لتوفير الأمن والاستقرار للعدو الصهيوني. أما فذلكات السلام في المنطقة، فيتكفل العرّاب الاميركي بتلميعها عند الضرورة، ولحاجاته الاستراتيجية، كما في إستخدامها ضمن لعبة الانتخابات الرئاسية، فيما تتكفل الأطراف المفاوضة أو المطبعة مع العدو الصهيوني بالمخرجات التبريرية لهكذا منعطفات تاريخية.
وفي وقت وصلت الديون إلى 100 مليار دولار في بلد معًطل وغير منتج، وأمواله مهًربة، لا أحد يلمس نية لدى مؤسساته التشريعية والتنفيذية في وضع أو تنفيذ خطة انقاذية، ولا نية عندهم لتشكيل حكومة وطنية، وإن وجدت النية، فعود على بدء بتسمية رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي أسقطته الانتفاضة الشعبية بعد 12 يوماً على انطلاقتها في 17 تشرين الأول 2019. والجدير ذكره أن لا خلافات جوهرية بين أرباب النظام السياسي– فمعظم خلافاتهم تتمحور حول الحصة- وليس على تحصين وتدعيم وإنقاذ الوطن والشعب، فكل حزب طائفي في السلطة ضعيف وقوي في آن، وكل حصة للطائفة لا يمكن التنازل عنها ولو كلفت ما كلفت؛ من دمار وجوع وبطالة وتفجير وتهجير وهجرة، فالأولويات عندهم، لا يمكن تغييرها حتى لا يفوتهم شيء من أثمان الفساد والنهب. إنها خيارات التيئيس والإحباط والتجويع والإذلال، يحاولون فرضها على الناس، بعد أن أضاءت الانتفاضة شعلة الأمل نحو التغيير الديمقراطي؛ فأيديولوجية المنظومة الحاكمة ومعها الطغمة المالية لا يناسبها انتفاضة شعبية، ولا حراك وطني احتجاجي، لذلك رجموها بالخيانة، ثم بالتبعية للخارج، ثم محاولة إخفاء وجهها الطبقي الاجتماعي، ثم عمدوا إلى تزييف الوقائع والحقائق واللجوء إلى التخويف والترهيب والتوقيف والضرب والمحاكمات.. لشل حركتها وحركة نضالها الميداني اليومي التي اتسمت بها الانتفاضة، لغاية استغلال السلطة انتشار الكورونا للانقضاض على المنتفضين.
لبنان تحت المجهر، والأميركي يتربص به، وبمقاومته، فما أن أعلن رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب عن فشله في وقف الانهيار الاقتصادي والمالي، وجد الأميركي الفرصة متاحة أمامه لزيادة ضغوطاته وتدخلاته لتأمين تحقيق أهدافه؛ من خلال إصدار العقوبات والتهديدات واشتراط ربط المساعدات الدولية بترسيم الحدود البحرية وحقول الغاز مع العدو الصهيوني، وتوسيع مهام قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل" لتشمل الحدود البرية الشرقية، بهدف عزل لبنان وإحكام السيطرة على الطرقات والمعابر اللبنانية مع سوريا، في وقت يتم فيه تطبيق قانون قيصر على سوريا وتداعياته على لبنان، حيث تزامنت هذه الضغوطات الأميركية مع دعوة البطريرك بشارة الراعي إلى حياد لبنان لتصب في الوقت الحرج مع هذا الاتجاه. أما المفصل الكارثي فقد حصل في 4 آب الماضي مع انفجار مرفأ بيروت الذي حصد مئات الشهداء وآلاف الجرحى وتدمير آلاف المنازل، ما أدى إلى تهجير 300 ألف مواطنة ومواطن من منازلهم، وتدمير أكثر من نصف أحياء العاصمة بيروت وخسارة مليارات الدولارات. هذا الانفجار شكل مادة إضافية للتجاذب السياسي الطائفي بين أطراف السلطة، بعضها يريد تحميل حكومة دياب المستقيلة وحدها وزر المسؤولية، وبعضها ذهب إلى استدراج التدخل الخارجي عبر لجنة تحقيق دولية؛ مستقوية بحشد البوارج العسكرية الأميركية والفرنسية والبريطانية الراسية في المرفأ وحواليه. ووسط هذا المناخ الداخلي، كان الطباخ الأميركي يعمل على إطلاق عملية التطبيع الخليجي مع العدو الصهيوني كتكملة لمهمة "صفقة القرن" ومشروع تصفية القضية الفلسطينية، حيث وقعت كل من الإمارات و البحرين وثيقة استسلام مع العدو الصهيوني برعاية أميركية على أبواب معركة ترامب الرئاسية.
في ظل هذا الوضع الداخلي المتفجر، جاء الرئيس الفرنسي "ماكرون" إلى لبنان بتغطية أميركية، لإنقاذ وتعويم المنظومة السياسية الطائفية الفاسدة وتعويم نفسه في آن؛ برز كمشرف على عملية إنقاذ لبنان، وجمع الأطراف السياسية الحاكمة في قصر الصنوبر وحاضر بهم وأعطاهم معادلة الفرض الواجب الالتزام به: إما إجراء الإصلاحات كما يريدها صندوق النقد الدولي ومؤتمر "سيدر" أو الغرق في دوامة الانهيار الاقتصادي والعقوبات وعزل لبنان، دون أن ينسى إعطاء مهلة أسبوعين لتنفيذ الفرض، لكن حسابات الوصاية الفرنسية الجديدة المسماة "مبادرة ماكرون سرعان ما تم تطييرها وفق حسابات البعض الداخلي والإقليمي بالذهاب للتفاوض مع الأصيل الاميركي في المنطقة، وليس الوكيل الفرنسي، وأولى بوادر تطيير المبادرة عرقلة مهمة مرشح ماكرون لرئاسة الحكومة مصطفى أديب، في تأليف الحكومة؛ من خلال التمسك بالمواقع الوزارية (ولا سيما المالية) والحصص الطائفية، الأمر الذي أدركه (أديب) جيداً، وعلى أساس ذلك، قدم استقالته وغادر لبنان مباشرة إلى المانيا لاستعادة وظيفته كسفير.
ليس جديداً على أرباب النظام السياسي الطائفي تعريض لبنان للخطر، وليس جديدأ تشريع أبوابه لكل أنواع التدخلات والوصايات الخارجية التي لطالما قوّضت مفهوم الدولة تاريخياً وسلبت اللبنانيين ثرواتهم وقوّة عملهم، وأدّت إلى تهجيرهم في أصقاع الأرض بحثاً عن فرصة للحياة، وها هي المنظومة السياسية نفسها الآن، وبالرغم من كل خلافاتها تتناغم فيما بينها بحثاً عن صيغ جديدة لإنقاذ نظامها وتقاسم محاصصاتها، والتفتيش بعد كل عملية نهب وسرقة وفساد لموازنات مؤتمرات الدعم والقروض والديون من باريس 1 إلى باريس3، والهبات والمساعدات والودائع وغيرها، وعن مصادر تمويلية جديدة كديون إضافية على كاهل المواطن اللبناني، ولو أدى ذلك إلى إفقار كل الشعب اللبناني وسرقة ودائعه وتهجير شبابه، وبيع كل قطاعاته العامة؛ وجل همهم اليوم يتجلى في كيفية الاستحصال على 21 مليار دولار(11 مليار دولار من مؤتمر سيدر و 10 مليار دولار من صندوق النقد الدولي)، خصوصاً، بعد إفلاس البلد وانهيار الاقتصاد وإعلان المصرف المركزي عن تبخر الاحتياطات المالية بالدولار.
لا حلول سحرية قريبة في لبنان، إلا إذا استوت تسوية دولية وإقليمية شاملة في المنطقة، وهذه ستكون مكلفة جداً على الوطن والشعب والمقاومة، أما انتظار الانقاذ من هذا النظام والحكومة الجديدة (أكانت مع سعد الحريري أو غيره)، فإن هذا الوهم كمن يضرب في الميت، بل إن مهمة الحكومة المقبلة ستكون تنفيذ أجندة الخارج وصندوق النقد الدولي؛ عبر تحرير سعر صرف الدولار، ورفع الدعم عن السلع الأساسية: مثل القمح والمحروقات والأدوية، وزيادة الضرائب والقيمة المضافة، وتقليص أموال الصناديق الاجتماعية والصحية الضامنة.. أما استرداد الأموال والأملاك المنهوبة والمهربة، وفرض الضريبة التصاعدية على أصحاب الريوع والأرباح والثروات الكبيرة المسروقة أو حماية حق العمل والسكن والأجور وتوفير الرعاية الصحية والأدوية والتعليم النوعي المجاني والنقل العام وضمان الشيخوخة.. وغيرها من الحقوق الإنسانية فهذه الحقوق غير موجودة في قاموس الحكومات المتعاقبة لهذا النظام السياسي الطائفي.
إن الإنقاذ الوطني والطبقي له طريق واحد، هو طريق النضال والمقاومة الوطنية؛ فتجربة المقاومة والنضال الديمقراطي والانتفاضة الشعبية، وبالرغم من الصعوبات والعراقيل أمامها؛ إلا أنها تشكل الخيار الوحيد أمام شعبنا وقواه اليسارية والوطنية والديمقراطية للاستمرار في رفع راية المقاومة الوطنية ضد العدو الصهيوني وضد مشروع الشرق الأوسط الإمبريالي الاستعماري، وفي رفع راية المشروع الوطني من أجل التغيير الديمقراطي.

