Menu

مصر: بين"كامب ديفيد" والدور العروبي المفقود

خالد المصري

نُشر هذا المقال في العدد 19 من مجلة الهدف الرقمية

مر هذا العام خمسة عقود؛ أي نصف قرن بالتمام والكمال، على اعتلاء "أنور السادات" "عرش" مصر، في أعقاب رحيل الرئيس "جمال عبد الناصر" في شهر سبتمبر 1970. وكان عبد الناصر" قد اختاره نائباً له، قبل فترةٍ وجيزةٍ من وفاته، وفي ظروفٍ ولدواعٍ غير تامة الوضوح حتى الآن، الأمر الذى سمح له بالانفراد الكامل بالسلطة، نظراً للصلاحيات المُطلقة التي كان، ولازال، يتمتع بها حاكم مصر، وقد تسنَّي لـ "السادات"،وخاصةً بعد وقائع يوم 15 مايو 1971، التى تقدَّم فيهاكل أركان السلطة، من خصومه، والذين كانوا يُسيطرون ـ عملياً ـ على كل "مفاصل"الدولة (السيادية) وركائز المجتمع: الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي)، والقوات المسلحة،والمخابرات،والأمنالعام، والإعلام... إلخ، باستقالةٍ (ساذجةٍ)، مُتخلين له، طواعيةً، عن كافة الأسلحة التي بحوزتهم، وموفرين له الفرصة السهلة لاعتقالهم جميعاً دون أدني مقاومة، بتهمة الانقلاب على النظام، وقد قال "السادات" بعدها، وفي أكثر من مناسبة، أنه اعتقلهم، لا لأنهم دبَّروا ضده مؤامرة لقلب نظام الحكم، (فلم يكن هناك في واقع الحال شبهة فعليةلهذا الأمر)، وإنما لفرط سذاجتهم (وهو تعبير مُهذب للوصف الذى أطلقه على سلوكهم، الغريب حقاً، في ذلك اليوم)!

وقد تدَّعمت سُلطة السادات المُطلقة بعد حرب أكتوبر 1973، إذ أصبح "بطل الحرب المُنتصر"، فانطلق بغير ضابط،  لكي يُطيح بكل ماتم إنجازه في "العهد الناصري"، علي المستويات كافة:

فأولاً: علي المستوى الاقتصادي والاجتماعي،بادر في أبريل 1974، بإصدار أول حزمة من قوانين "الانفتاح الاقتصادي"، والتي قضت بفتح المجال، بلا ضوابط، لرأس المال المحلي، ولاستثمارات رأس المال العربي والأجنبي، فكانت أول ضربة معول استهدفت تقويض الإجراءات والتنظيمات التي أصدرها "عبد الناصر"، لإصلاح الأوضاع المُتردية في الريف (قوانين الإصلاح الزراعي) بتوزيع أراضي الإقطاع علي المُعدمين من الفلاحين، وانتصاراً للعُمَّال (بالتأميمات وقوانين يوليو الاشتراكية)، التي أممت ومصَّرت الشركات الاحتكارية والأجنبية، ومنحت العمال الحق في المشاركة في إدارة الوحدات الإنتاجية، وتقاضي الأرباح، والتمتُّع بالتأمينات الصحيّة والاجتماعية، وغيرها.

وقد كان الهدف الأساسي من طرح "السادات" لسياسة "الانفتاح"،الذي واكبها إطلاق يد بيروقراطية النظام الفاسدة في بيع ملكيات الشعب والدولة وأصولها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في الداخل والخارج؛العمل على بلورة نخبة اجتماعية واقتصادية (جديدة) موالية، وداعمة له في كل الإجراءات الخطيرة التالية، والتي مثَّلت انقضاضاً مُباشراً وضارياً، علي كل مقومات الدولة الناصرية، وكذلك "مغازلة" الولايات المتحدة الأمريكية، بإعلان تبنّي النهج الرأسمالي، وإعلان العداء السافر للاشتراكية الناصرية، وللاتحاد السوفييتي، بـطرد الخبراء السوفييت، وحملة التشهير بمساعدات الاتحاد السوفييتي التي لا تُنكر لمصر، في السلم والحرب، وبالذات في عملية البناء الاقتصادي، ثمبإعادة بناء الجيش المصري، من تحت الصفر، في أعقاب كارثة 5 يونيو 1967.

وثانياً: بالإفراج عن مسجوني الجماعات الإرهابية والتكفيرية وقيادات وكوادر جماعة "الإخوان"، وإطلاق يدهم في الجامعة والمجتمع للتصدي للمعارضة اليسارية بالقوة والعنف، في ظل حماية أجهزة الحكم ومؤسسات الدولة ورعايتها، بهدف الإجهاز علي المقومات الفكرية والثقافية لحقبة النضال الوطني والتوجُّهات القومية والتحررية، واستخدام مخزون كراهية هذه الجماعاتلـ "عبد الناصر" وعهده، في تدعيم صورة "السادات" الذهنية المُصطنعة والمُدَّعاة، كرئيس "مؤمن" لدولة "العلم والإيمان"، وبادعاء مُناقض أن "عبد الناصر" كان رئيساً "كافراً" للدولة"الملحدة" البائدة! وهو خطاب كان موجَّهاً لاسترضاء الرجعيات العربية وبالذات المملكة السعودية، وكذلك لخدمة المصالح والسياسات الأمريكية، بتشويه وتخريب الدور التحرري المصري في عهد الرئيس "عبد الناصر"، وهو التوجُّه الذى امتد، فيما بعد، إلي مستوى أخطر، بدعم "السادات" لأمراء الحرب والسلاح والمخدرات"، في أفغانستان، بزعم رفع راية "الجهاد"، والدفاع عن حوزة الدين، ضد الغزو السوفييتي الإلحادي لدولة مُسلمة!

وثالثاً: بالخطوة (المنطقية لهذا السياق)، التى توَّجت ما سبق، بالإقدام علي(المبادرة) الانتحارية التى تمثَّلت في زيارة القدس المحتلة، وإبرام اتفاقية "الصلح" مع العدو التاريخي للوطن والأمة، ضارباً عرض الحائط بكل الدماء الطاهرة، التي سالت في الحرب ضد العدوان، وفي الصراع الدامي ضد الحركة الصهيونية المغتصبة، وبالشهداء الأبرار ودمائهم الطاهرة التى روت الأرض المصريةوالفلسطينية والعربية. لقد كانت خطوة السادات هذه ذروة تصعيد درامي في الوقائع والأحداث التي قادته إلي الاغتيال في واقعة "المنصَّة"، يوم الاحتفال بذكري حرب 6 أكتوبر، ووسط "أولاده" من جنود القوات المسلحة.

بدأ هذا التصعيد بانفجار انتفاضة شعبية تلقائية، في 18 و19 يناير 1977، اعتراضاً على مسارات سياسة الانفتاح الاقتصادي، التي مورست بغير قواعد أو أسس حاكمة، لخدمة المحاسيب ولصوص المال العام، ما دعا الكاتب الكبير الراحل، "أحمد بهاء الدين"، لوصفه بـ "انفتاح السداح مداح"، تعبيراً عن حالة الانفلات والفوضي في التصرُّف في الملكيات العامة من مصانع ومؤسسات وأراضٍ ومشروعات، لصالح نخبة فاسدة، وبلا تاريخ أو رؤية، ممن أُطلق عليهم "القطط السُمان"، اجتمعت فقط علي انتهاز الفرصة التى أُتيحت أمامها لنهب ثروة الأمة.

وقد واجه "السادات"هذه الانتفاضة،التى حمَّلَ الشيوعيين واليساريين ومَن أسماهم بـ "لابسي قميص عبد الناصر" مسؤليتها،والتي كاد أن يهرب خارج البلاد خوفاً من نتائجها، بموجةٍ من البطش والعصف بكل أشكال العمل السياسي والحريات العامة، كان ذروتهااعتقال أكثر من ألف وخمسمائة من كافة رموز العمل الوطني والعام والديني، والزج بهم في السجون والمُعتقلات!

كانت هذه اللحظة هي لحظة الذروة في دفع "السادات" إلي السلوك الانتحاري بالذهاب إلي القدس المحتلة والارتماء في أحضان العدو؛ فقد تصوَّرَ، واهماً، أن منجاته من عُمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المُحتدمة في البلاد، ومن غضب الجماهير الثائرة التي عانت أشد المعاناة من نتائج السياسات الاقتصادية المُطبَّقة، والتي ستُطارده ونظامه، إلي حتفهما حتماً،هو أن تمد له الولايات المتحدة يد العون، وأن تنتشله من مصيره المؤكد، وهي الخطوة التي لم تنقذه من هذا المصير، بل علي العكس من توقعاته، كانت إحدي الدوافع الأساسية، علي الأقل المُعلنة، لإطلاق الرصاصات التى أردته قتيلاً!

مصير حتمي لبرجوازية مُنبطحة:

هذه المُقدمة، وإن طالت، كانت ضرورية لإدراك أن البرجوازية المصرية التي حكمت مصر، منذ رحيل الرئيس "عبد الناصر" وترسَّخت هيمنتها على مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، حتي الآن، بنظم سلطوية قمعية، كان مُحتماً لها الارتماء في الحضن الأمريكي ـ الصهيوني ـ الرجعي، لأسباب موضوعية حاكمة. فهي بسياساتها الاقتصادية التابعة لا تملك أن تحل مشكلات مجتمع يزيد تعداده الآن عن مائة مليون نسمة، وتبلغ مُعدل الزيادة السنوية لسكانه 2.65%، وتسارعت وتيرة تراجع مستوى معيشة الأغلبية العظمي من مواطنيه، في ظل احتكار السلطة والهيمنة علي الاقتصاد، طوال الخمسين عاماً الماضية، إلي درجات غير مسبوقة، بعد أن تخلَّت الدولة عن دورها الاجتماعي، وسلَّمته ـ متواطئةً ـ لشراذم "رجال الأعمال" من نتاج "رأسمالية المحاسيب"، ومحترفي نهب المال العام، ثمللجماعات الإسلامية والتكفيرية، لكي تملأ الفراغ الناشئ عن انسحابها من وظائفها الاجتماعية الرئيسة قبل ثورة 25 يناير 2011،إضافةً إلي انسحابها من دور مصر التاريخي في الوطن العربي والإقليمي، والقارة الأفريقية و"العالم الثالث"، علي النحو المعلوم!

وهذا التوجّه (الاستراتيجي!) الذي فرضته الإمبريالية الأمريكية علي السياسة المصرية الخارجية، منذ عهد "السادات"، لإدراكها أن فصل مصر عن امتدادها العربي العضوى، وتكبيل حركتها الخارجية، وتنصُّل الحكم عن الدور المصري التاريخي، يُعَرِّضها للذبول، بل ولمخاطر حيوية خطيرة، علي غرار تهديدات سد أثيوبيا لوجود وحياة مصر والمصريين، وتحديات الإرهاب، وغيرهما، لا زال قائماً حتى الآن، وهو الذي يفسر استمرار "الدور العروبي المفقود لمصر"، واستمرار الخضوع لشروط "كامب ديفيد"، وملحقاتها، علي امتداد نحو أربعة عقود متواصلة؛ رغم ما أصاب مصر والمنطقة من ويلات، وقد عبَّرَ عن هذا التوجُّه الانعزالي "سامح شكري"، وزير الخارجية المصري، بقوله: "ليس من أهدافنا أن تكون مصر رائدة، فمصر ليست رائدة، ولكن لها قدرات بحكم موقعها الذي لا يُنافسها فيه أحد!"، (جريدة "الوطن" المصرية، 10 مايو 2016)!

فتقزيم دور مصر السياسي والثقافي والحضاري الموضوعي، تراجع إلياعتبارها مجرد موقع جغرافي متميز، لا أكثر ولا أقل، في حين تُركت دولة الإرهاب الصهيوني، و تركيا ، وإيران، والمملكة السعودية، كلٌ بمشاريعه واستراتيجياته،المُعلنة والخفية، للتمدُّد وتحقيق المكاسب اليومية، علي حساب المصالح الاستراتيجية لمصر والدول العربية الأخرى.

ولم يتغير الموقف بعد الانفجارات العاصفة التي وقعت منذ عشرة سنوات وزلزلت الأرض المصرية والعربية، قبل التحولات التي طالتها وأجهضت محاولاتها للتغيير باتجاه المستقبل، بل وتطورت الأمور في اتجاهات مُعاكسة، وخاصةً بعد أن تم إزاحة ثورة 25 يناير من المشهد بضراوة، والتعامل مع انتفاضة الملايين من المصريين، باعتبارها "عملية مُخابراتية أمريكية الصنع"، ومع رموزها باعتبارهم "عملاء وخونة"، وتجاهل الدوافعالحقيقية والأسباب الموضوعية التي دفعت لانفجارها، بل وتجاهل تواطؤ أجهزة ومؤسسات الدولة في إيصال جماعة "الإخوان" وحلفائها إلي السلطة، بتوجيهات أمريكية صريحة، لقطع الطريق علي تجذُّر الانتفاضة المصرية وتحولها إلي ثورة راديكالية تغير مصر والمنطقة والعالم، علي نحو ما حدث بعد ثورة يوليو 1952، لا لموقع مصر الجغرافي وحسب، ولكن لوجود قيادة سياسية ثورية، أدركت عبقرية هذا الموقع، وتماهت مع إرادة شعبه، وسعت للاستقلال وتحرير الإرادة الوطنية من أغلال الاستعمار، وحملت أعباءها تجاه وطنها العربي وقارتها الأفريقية والعالم الثالث، فكان في موقفها هذا في مصلحة مصر ومصلحة الجميع معاً.

وللأسف الشديد فقد أضيف للمشهد الراهن، مشاهد الحرب ضد جماعات الإرهاب، التي كانت قد تغولت في فترة شهر العسل الممتد، بينها وبين "السادات"، والذي استمر منذ تحالفه معها في أوائل السبعينيات، وحتي اغتياله في أكتوبر 1981، ولم يتغير الوضع كثيراً في ظل حكم "مبارك" الذى أرخي لهم العنان للسيطرة علي جوانب عديدة من الاقتصاد المصري، وعلى اتحاد الطلاب في الجامعة، وعلي النقابات المهنية، وتساهل معهم حتي اخترقوا جهاز الدولة والمجتمع، فيما استمرت ملاحقات الأجهزة الأمنية للقوى والتظيمات المدنية اليسارية والتقدمية، حتي الإنهاك، ثم  بدأت "الجماعة" في تدريب كوادرها عسكرياً استعداداً لـ "يوم الحسم"، وتمادت في التحدي، فأبرزت قدرتها العسكرية في استعراضات علنية مصورة ومبثوثة، حينها انتبهت أجهزة الأمن، وأدركت أن خطة "التمكين" الإخوانية تُهدد وجود الحكم بقوة، وحاولت المواجهة، لكن بعد فوات الأوان.. وفي سنة حكم الإخوان استفحلت "الظاهرة الإرهابية"، مدعومة بـ "الإخوان" في الحكم، والقوى المضادة لمصر والعرب، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، من الخارج، فاستفحل الخطر الإرهابي في سيناء، وتدفقت إليها، من كل صوب وحدب، جحافل "الجهاديين" الداعشيين والأجانب.

وفي مواجهة الإرهاب المحلي والخارجي، لجأت السلطة العسكرية في مصر إلي المواجهة العنيفة لجماعات الإرهاب المُسَلَّح، التي تمركزت في سيناء، مدعومةبأجهزة مُخابرات، ومراكز قوى، ودول لها مصالح في هدم الدولة المصرية، انتقاماً من إزاحة حكم "الإخوان"، ك قطر ، وكتركياالأردوغانيةالتي لن تغفر أبداً تبدد حلمها بإعادة تأسيس الإمبراطورية العثمانية الجديدة، انطلاقاً من استيلاء جماعات الإسلام السياسي والتطرف علي جوهرة الخلافة المُستعادة، البائدة: "مصر".

وقد اقتضي قيام النظام المصري بهذا الدور، الذي يتطلب مساحة حركة وحرية أكبر للقوات المسلحة المصرية في سيناء ـ بالطبع ـ تنسيقاً أمنياً مع العدو الإسرائيلي، مما صب في تدعيم التزام النظام باتفاقية "كامب ديفيد" وبنودها وتوافقاتها، والتخلّي عن أية محاولة للتحرر من الالتزام بها، أو حتي الضغط من أجل تعديل بنودها، وتحسين شروطها!

وضاعف من أسباب تقييد دور مصر، انزلاقها إلي مُستنقع الديون المشروطة، وخاصةً من "صندوق النقد الدولي"، و"البنك الدولي"، ومن الدول النفطية العربية وبالذات المملكة السعودية ودولة الإمارات، حتي وصلت إلي رقم غير مسبوق يقترب من 120 مليار دولار، تستنزف نسبة كبيرة من موارد الدولة، قدَّرها الدكتور "مصطفي مدبولي"، رئيس الوزراء، في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة المصرية، بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 2020، بما يوازي تريليون و300 مليار جنيه، حيث يذهب منها 550 ملياراً، (بنسبة تساوى 42%) إلي سداد الفوائد والقروض، فضلاً عن الديون الداخلية المتعاظمة.ثم أضافت جائحة "كورونا المُستجدة"، وما خلَّفته من تأثيرات سلبية عديدة، على مصادر الدخل القومي: السياحة وعائدات القناة، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج، والإنتاج الداخلي، وغيرها، أسباباً إضافية عديدة لتعظيم الارتباط الرسمي المصري بالموقف الأمريكي، وبالتالي المزيد من الارتباط بالسياسات الأمريكية وتوجهاتها الرئيسة في منطقتنا والعالم.

ضوء يسطع وسط الظلام:

ورغم كل ما يثيره هذا الوضع من إشارات سلبية، إلا أن ما يمنح الأمل ويطرح أسباباً للتفاؤل، هو استمرار الموقف الشعبي المصري وموقف الجماعة الثقافية والسياسية المصرية،الصامد في مواجهة كل الضغوط والإغراءات، طوال العقود الأربعة المنصرمة، المعادي للصهيونية، والكيان الصهيوني، وللتطبيع بمختلف أشكاله، والداعم للقضية الفلسطينية، رغم المحاولات المُستميتة من أطراف عديدة لإثنائه عن هذا الموقف، أو حتي للتخفيف من حدته؛فعلي سبيل المثال: لا زال الموقف الرسمي لجميع النقابات المهنية (الصحفيين، والمحامين، والمهندسين، والعلميين، والأطباء، والفنانين... إلخ)، والنقابات العمالية، وكثير من الهيئات الثقافية الرسمية، كمؤتمرات مثقفي العاصمة والأقاليم، على حالها الرافض، جملةً وتفصيلاً، للتطبيع مع العدو الصهيوني، منذ اتُخذت في أعقاب توقيع اتفاقية "كامب ديفيد"، عام 1979، وحتي الآن.

وعلي سبيل المثال أيضاً، فقد أصدر القضاء المصرى، في 26 سبتمبر الماضي، حكماً تاريخياً بعدم الاعتداد بإجراءات السلطة بالاعتراف بمولد "أبو حصيرة" اليهودي، وأيدت "المحكمة الإدارية العليا"، حكماً قضائياً سابقاً يمنع الاحتفال بمولد هذا الحاخام، الذي كان يُقام سنوياً بمحافظة البحيرة بدلتا مصر، وأمرت بشطب ضريحه المدفون فيه من قائمة الآثار الإسلامية والقبطية، ورفضت طلباً بنقل رفاته إلي "إسرائيل"، كما رفضت الطعن الذي تقدمت به الحكومة المصرية، ليصبح الحُكم باتاً، ولا يجوز الطعن عليه.ومثال ثالث أيضاً: يخص مُسلسل "رأفت الهجَّان" التلفزيوني الشهير، الذي يحكي ملحمة أسطورية للمخابرات المصرية، استطاع بطلها، واسمه الحقيقي "رفعت الجمّاَل"، القيام بدورٍغير مسبوق في اختراق المجتمع الصهيوني، والتغلغل في أوساطه العسكرية والسياسية والاقتصادية العليا، وقد نال هذا المسلسل نجاحاً هائلاً منذ عرض أجزائه الثلاثةلأول مرة، وأُعيد عرض حلقاته منذ إنتاجه مئات المرات، حتي أنه،يُعرض الآن علي مدار العام، وعلى مدار ساعات اليوم، وعلى عدة قنوات فضائية ومحلية مصرية في آن واحد، ويحظي بمتابعة جماهيرية كبيرة، رغم مرور 33 عاماً علي إنتاج أولى حلقاته عام 1987.

ويبقي أنه رغم كون مصر أول دولة مارس نظامها الحاكم عملية "التطبيع" مع العدو الصهيوني، رغماًعن إرادة شعبها، فلا زالت هذه العملية حبيسة دائرة ضيقة للغاية من رجال الأعمال وأصحاب المشاريع السياحية، الذين يبذلون قصاري جهدهم في ممارسة هذا الفعل الشائن، في السر، والتكتُّم علي تفاصيله كما يتكتَّم المجرم علة جريمته، ويخفي دلائل إدانته.

ويعترف كافة سفراء العدو الصهيوني في مصر، بشعورهم بالاختناق والحصار والعزلة عن المجتمع المصري الذي يضج بالحيوية والصخب، وقد كتب العديدون منهم، ومنهم "موشيه ساسون"، مذكراتهم عن فترة خدمتهم بالقاهرة، مُعبرين عن هذا الإحساس،  حيث لم يكن بإمكانهم التحرك إلَّا وسط حراسة مُشددة، وفي نطاق التحركات الضرورية، خشية التعرض للخطر!

وعودة إلى ما ذكرناه في السابق،فالبرجوازية المصرية التي حكمت مصر، منذ رحيل الرئيس "عبد الناصر" وترسَّخت هيمنتها على مواقع صنع القرار السياسي والاقتصادي في البلاد، حتي الآن، بنظم سلطوية قمعية، كان مُحتماً لها الارتماء في الحضن الأمريكي ـ الصهيوني ـ الرجعي، لأسباب موضوعية حاكمة، ومن ثم فهي مُجبرة علي الالتزام بمعاهداتها واتفاقياتها، وهي لا تملك القدرة علي التحرّر من إسارها، وفقط حال توفر بديل شعبي حقيقي، يستطيع استعادة الإرادة المرتهنة، يمكن لمصر أن تعود لذاتها، ولدورها المفقود في المحيط الحيوى لها.