Menu

المثقف والتجديد الدائم

وليد عبد الرحيم

نُشر هذا المقال في العدد 19 من مجلة الهدف الرقمية

قد يكون أهم توصيف لـ " الثقافة" هو المرجعية اللغوية العربية التي تشتق هذا المصطلح من ثقَّف ثقافةً فهو مثقف، وثقف الرمح تعني شذبه وأزال شوائبه لكي يصبح حاداً مصقول الرأس!

لكن الغريب في المرحلة الراهنة هو أن العرب هم أكثر من يخلطون بين مفهوم الثقافة culture والفن art والنخبة   Intelligentsiaوالحضارة civilization والعلم "Science"، علماً بأن هذا الخلط لا يقتصر على الـ" العامة" فحسب، بل ينتشر في صفوف المثقفين، وأنصافهم والدارسين المبتدئين بشكل واسع النطاق.

لا تحتاج مسألة التعريف– وببساطة شديدة- سوى العودة إلى الاشتقاق اللغوي العربي، فالمثقف هو ببساطة من شذب وصقل شخصيته المعرفية من خلال هضم المعلومات ومكتسبات التجربة التعلُّمية، فصاغها بمنهجية ورؤية ذاتية تفرُّدية، مستفيداً من استخلاصاته المعرفية، وهذا لا يعني الثبات، بل هو يشترط التحول الدائم أساساً لتحقيق وإنجاز الشخصية المثقفة، لكن هذا التحول ذاته لا يتوقف؛ إلا عند الأسس "القاعدة" المعرفية، وهنا ليست بالضرورة هي الأسس الإيديولوجية، وإن كانت هي ذاتها "الإيديولوجيا" قابلةً للإقلاع الكلي أو الجزئي عنها!

هذا أيضاً لا يعني خيانة المبادئ، وإنما يتضمن الشرط الأساسي لتحقيق التجديد الدائم، الذي هو بمثابة شرط أول للكينونة الثقافية، مع إدراك فشله في حال كان مفتعلاً غير نابع من التجربة الذاتية ذاتها، سواء أكان بفعل مصلحية مالية نفعية أو تحت ضغط سلطة أو مجتمع أو...، ففي هذه الحالة يحدث ما يمكن تسميته بخيانة المثقف لذاته- قناعاته، وهو ما يفقده صفة المثقف التي تشترط حرية ذهنية شبه مطلقة في صياغة الرؤى والمواقف والمفردات.

شرط التجدد الدائم هذا يتطلب ما يمكن تسميته بالديمومة المعرفية، أي المتابعة النظرية المتواصلة وصهرها بالتجربة، وكأن المثقف في ذلك يعمل كمِرجلٍ دائم الحركة ينتج خلاصة كلية باستمرار ويشذب ما لا يكترث لفحواه حتى يصل في كل مرة لرؤية متجددة، قد تتقاطع أو تتنافر مع رؤيتهالسابقة ذاتها؛ هل يعني هذا مثلاً الخروج على "الثوابت الأخلاقية والسياسية"؟ بالتأكيد لا، لكنه يعني إعادة تقييمها أو لنقل صياغتها ومحو شوائبها، لهذا فشرط الثقافة ليس معرفياً بحتاً، بل هو نتاج ومُحصِّل هذه المعرفية واستخلاصاتها.

ومن المعروف بأن مستوى الإدراك المعرفي يتغير مع تغير الاستخلاص وتعمق التجربة، ومن الطبيعي بالتالي أن تتغير المقولة الثقافية ومفرداتها، بل وشخصية المثقف ذاته، وهنا تكمن خطورة القناعة أو الاقتناع بالوصول إلى سُدَّة وهم الكمال المعرفي، ففي هذه الحال يتوقف الإنتاج العقلي ويختفي الإبداع وتنتشر السكونية، لهذا نلاحظ أن المثقفين والمبدعين الذين يتوهمون اكتمال شخصيتهم يسقطون في حالة التراجع التدريجي، بسبب توقف الدافع والرغبة في تعلم ما هو جديد، ومن هنا فإن استمرارية التطور ثقافياً تشترط ضرورةً القناعةَ بأن المثقف يبقى مقتنعاً بكونه تلميذاً في مدرسة الحياة ومصادرها، سواء كانت تثقيفية قرائية ذاتية أو أكاديمية أو بتطور تجربة المثقف ذاته كمحصلة، ومن هنا أيضاً تعني حالة التوقف عن الاكتساب المعرفي الموتَ ذاته.

التجديد إذن شرط حصري للاستمرارية في مسيرة المثقف، وإلا كيف سيقوم  بمهامه- الاجتماعية والثقافية والسياسية- المتغيرة أو أن يكون "عضوياً" ما لم يتجدد باستمرار؟!

الحالة الثقافية الفلسطينية:

ربما لم يحدث في المرحلة التحررية الفلسطينية الفرزالضروري للمفاهيم والاختصاصات، فبات متفشياً ذلك الخلط العجيب القائم بالذات في أروقة المؤسسة الرسمية والفصائل، وهو محو الفارق بين المثقف والمبدع من جهة، والكادر الحزبي أو الموظف من جهة أخرى، أو المتسلق حتى، وتم الخلط بالتالي بين المثقف والكادر السياسي، بين الإمكانية الذاتية والموقع الوظيفي، وهو ما أدى مع التراكم إلى تراجع ملحوظ، بل وفاضح في سويَّة الكتلة الثقافية الفلسطينية التي كان يقال بأنها الأهم عربياً، بل وصلت صورة المثقف والثقافة في فترة ما إلى العالمية من خلال أصوات فردية وحالات جمعية عدة وعلى كافة المستويات.

كان ذلك مترافقاً مع فترة نضوج ثوري، شجَّع المنتوجَ الفكري والثقافي ، بل ورعاه رعاية متميزة من خلال مؤسسات منظمة التحرير والفصائل المتنوعة، لكن ذلك خلق بدوره وفي الوقت ذاته نموذج المثقف الوهمي، من خلال الخلط بين المرتبة الحزبية والإمكانية - كما أسلفنا-  ولذلك فإنه كلما اشتد التراجع السياسي تراجعت الكتلة الثقافية الحقيقية وهيمنت الوهمية، فقد تساوى المميز بالعادي، كما وصلت مفاعيل الإحباط واستشرت داخل سيكولوجيا المثقف ذاته، الذي إما صمت وتوقف في مكانه"موت" أو زيَّفَ فحواه وقناعاته ليستمر في العيش ضمن المؤسسات المختلفة، وربما تحول إلى مثقف يشبه مثقفي الأنظمة العربية ذاتها التي تشترط السكونية والتوقف عن حالة الإبداع، كي تستمر في توظيف المثقفين والمبدعين والفنانين، لا رعايتهم!

فقد المثقف إذن – عموماً- دينامو التجديد، الذي هو كما أسلفنا شرط من شروط الاستمرارية، وتحول النموذج المتماسك إلى نموذج للاضطراب، بسبب لقمة العيش والارتهان للسياسي ومؤسسته وأطره ورغباته؛ بإمكاننا قول عبارة سوداوية، وهي أن نموذج "المثقف المرتزق" يسود الآن فلسطينياً، فلمجرد الانتقال من مؤسسة إلى أخرى- لنفترض من تنظيم يساري إلى ديني- فجأة تُقلب القناعات السابقة والمفردات والمعاني، ويختلف النهج والمقولة، وهذه خطورة الخلط بين المثقف العضوي وأنصاف المثقفين والدخلاء.

عربياً:

على الرغم من تفاوت مستوى القمع لدى الأنظمة العربية وتباينها؛ إلاأن أسلوبية تركيع المواطن عامة والمثقف خاصةً، بقيت في غاية التشابه،مع اختلاف في الصيغةوالأدوات والأساليب، وقد فعلت الدكتاتورية فعلها في تدجين الحالة الثقافية العامة، بحيث ارتهنت لقمة العيش اليومي بمدى تناسب المقولة المعرفية ذاتها مع رغبة السلطة من خلال المؤسسة المهيمنة، بخاصة وأن المثقف والمبدع العربي لا يمتلك غالباً استقلالية اقتصادية، بل يعتاش على الوظيفة أو الاستكتاب في الصحف والمجلات وخوض الفضائيات ومختلف المؤسسات التي تهيمن عليها الدول وتفرعاتها، من هنا نجد مثلاً هذه الأيام أصواتاً وأسماءَ مهمة لا تكترث لرفض أو مواجهة حمى التطبيع مع العدو النازي الصهيوني؛ بسبب الخوف من الطرد والتنحية والجري خلف الرغيف أو الاعتقال والتنكيل في كثير من الحالات، وهو ما يسود الآن في العديد من دول الخليج العربي، تماماً كما نرى صمتاً، بل ودفاعاً وتجميلاً أحياناً تجاه تطبيع لبنان من خلال تسمية مواربة هي "ترسيم الحدود" الذي هو عادة آخر مراحل مسيرة التطبيع وأخطرها، لا بل نجد أيضاً مثقفين فلسطينيينيصمتون عن ذلك ويزيفون المعنى، وهو ما يفقدهم صفة الثوري أوالمثقف أو الفنان أو المبدع.

في مختلف أنحاء الوطن العربي تستمر الأنظمة الحاكمة بتسيير الرموز المثقفة، بما يتناسب مع سياساتها وتحجب ثقافة التجديد والإبداع، ومع الزمن تحول المثقف المسترزق إلى مجرد موظف مقيَّد في أروقة المؤسسة.

عالمياً:

يدرك كل من تابع أو من التقىمثقفين ونخباً في مختلف أنحاء العالم أن هؤلاء عامةً يدركون الحقيقة في مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية، لكن سيادة وهيمنة الثقافة الإمبريالية المتوحشة مباشرة، خنقت هؤلاء، بحيث اختفت أصواتهم المناوئة للقتل والإرهاب ومنها جرائم الصهيونية، هنا سوف تلحظ، بل تُدرك مسألة جدُّ مهمة، وهي أن المعطيات والحقائق التي يعارضون النازية الألمانية الهتلرية هي ذاتها المعطيات التي يؤيدون النازية الصهيونيةبناءً عليها، بل ويتم تزييف وعيهم ذاته وبرغبة شخصية منهم، بفعل حاجة الصمود في وجه متطلبات الحياة وجلب الأرزاق من خلال عنكبوت المؤسسات السلطوية المهيمنة التي تحجب بحرفية عالية كل أشكال الدعم عن المثقف المختلف – المتجدد الرؤية، ولذلك يصلك انطباع عام عن اختلاف في حالة ومستوى التعبير وحريته في الدول الغربية مع تطابق نهج الخضوع بين حالنا وحالهم؛ في " الهولوكوست- Holocaust" مثل فاضح على ذلك، فالآراء التي تتجه لمجرد مناقشة أعداد الضحايا - الأعداد فقط لا غير- تعتبر " منكرة للهولوكوست ومعادية للسامية وقد تَحاكم، بل إن تلك الأصوات التي تتعاطف مع الضحية العربية والفلسطينية تتهم بذات التهمة، ولذلك نستشعر ذلك التناقض الكلي الانفصاميوالدائم بين المفردات الإنسانية المنطوقة من ناحية والدفاع عن جرائم النازية الصهيونية من أخرى، بين مدح العنصرية الصهيونية كمقولة "الدولة اليهودية" مثلاً والحديث عن التعايش الديمقراطي والحرية والليبرالية وحقوق الإنسان، وهو ما يكرس فقد العدالة وانحدار الأخلاق، ليس فقط في السياسة، بل في التصنيف القانوني حتى، لتصبح مثلاً جريمة قتل صحفي وتقطيعه بمنشار داخل سفارة بلاده جريمة موصوفة،ثم تنقلب تسميتها فجأة بعد تقديم مليارات للإمبريالية المهيمنة، أو تصنيف دولة أو منظمة على أنها إرهابية إن تمسكت بمبادئها، ورفع صفة الإرهاب خلال دقائق دون تغير أي شيء في حال أقامت علاقات وتطبيع مع كيان الإرهاب الصهيوني!

المشكلة هنا في الواقع لا تكمن في السياسة وهيمنة القوة العالمية، بل في صمت أو مشاركة الأغلبية من مثقفي الغرب والعالم بذلك.

خلاصة:

تشترط اصطلاحية المثقف والثقافة على شجاعة الموقف وتجدده، واللا صمت تجاه القضايا الإنسانية والاجتماعية والسياسية، واللا خضوع لمؤسسة أو دولة أو كتلة اقتصادية، فليس هناك في الواقع العميق للتصنيف مثقف عضوي ومثقف لا عضوي، ذلك أن المرء المثقف؛ إما أن يكون عضوياً أو لا يكون مثقفاً أصلاً، لأن ذلك يصنع خللاًديالكتيكياً، ولأن السكونية تنفي فحواه، والتجديد والتجدد هو بمثابة شرط أساس لوجوده، ولأن المهيمن يحاول تكريس السكونية والتكلس.