Menu

"الطهارة العرقيّة للشعب اليهوديّ" والعنصريّة الصهيو - داخليّة في المُجتمع الاحتلاليّ

زهير أندراوس

نُشر هذا المقال في العدد 19 من مجلة الهدف الرقمية

لا يختلِف عاقِلان بأنّ الحركة الصهيونيّة هي حركة عنصريّة بامتياز، وأنّ مطامعها لا تتوقّف عند حدود فلسطين التاريخيّة، بل تمتّد كالإخطبوط إلى الوطن العربيّ من المُحيط إلى الخليج، عُلاوةً على ذلك، فإننّا نرفض رفضًا قاطِعًا الطرح الانتهازيّ والانبطاحيّ للبعض الكثير من الــ"عرب الجُدُد" (!)، الذّين يُقّرون بدون خجلٍ أوْ وجلٍ بأنّ الحركة الصهيونيّة تضُم أيضًا "اليسار الإسرائيليّ"، علمًا أنّه وفق اعتقادنا المُتواضِع، واستنادًا لما كتبه ونشره أقطاب هذه الحركة الاستعماريّة، نجزِم بأنّ اليسار بمفهومه الكلاسيكيّ والعصريّ على حدٍّ سواء لا يُمكِنه أنْ يسير سويةً مع هذه الحركة، ذلك أنّ الصهيونيّة واليسار يتواجدان على طرفيْ نقيضٍ.

في هذا المقال لن نتناوَل عنصريّة الحركة تجّاه كلّ مَنْ ينطُق بالضاد، من مُنطلق عدم الحاجة لتأكيد المؤكَّد، بل سنُحاوِل تسليط الضوء على العنصريّة المُستشريّة داخل المُجتمع الإسرائيليّ (اليهوديّ)، حيثُ جاء وباء (كورونا) المُستجّد ليُسقِط القناع عن القناعٍ ويُثبت للقاصي والداني أنّ الكره الأعمى داخل الفئات التي تُكوِّن المجتمع الصهيونيّ في دولة الاحتلال، فاق التصورّات، رغم أنّ الواقع لا يتفوّق على الخيال إلّا لمامًا: اليهود من أصولٍ غربيّةٍ (الاشكناز)، يكرهون اليهود الذين استُجلِبوا إلى فلسطين من الدول العربيّة، وبشكلٍ خاصٍّ من دول المغرب العربيّ (تونس، الجزائر، المغرب)، المتدّينون على خلافٍ حادٍّ مع العلمانيين، وحتى داخل الفئات المتدّينة هناك تباينات جوهريّة، مثلاً حول تعريف مَنْ هو اليهوديّ، وأيضًا هل مِنَ المسموح الخدمة في جيش الاحتلال أم لا؟ قد تبدو الخلافات بينهم لأوّل وهلةٍ عاديّةٍ كما في كلّ مجتمعٍ آخر، ولكن، هنا يجب التشديد على أنّه بعد 72 عامًا من النكبة الفلسطينيّة، وإقامة دولة الاحتلال على أنقاض الشعب العربيّ-الفلسطينيّ الذي هُجِّر في أفظع جريمةٍ ارتُكِبَت على مدار التاريخ، فشِلت الصهيونيّة في تحقيق "رؤية" دافيد بن غوريون القاضية بإنشاء الأمّة الإسرائيليّة، وبقيْ المُجتمع مُبتذلاً، ربّما تتفِق جميع شرائحه على رفض الآخر، العربيّ، المُختلِف من الناحية العرقيّة، وبالتالي لا تستغرّبن أحدٌ انتقال المجتمع الصهيونيّ في دولة الاحتلال من مرحلة العنصريّة إلى حقبة الفاشيّة، لأنّ هذا الانتقال هو تحصيل حاصل، ونِتاج طبيعيّ لحملة غسيل الأدمغة التي عكفت الصهيونيّة وموبقاتها على نشرها بكثافةٍ منذ ما قبل اغتصاب فلسطين، مع ذلك أخفقت الصهيونيّة في منع "رعاياها" من كره الآخر-اليهوديّ. وَجَب التنويه إلى أنّ التعميم ليس صحّيًا، وبالتالي عندما نذكر هذه الفئة أوْ تلك من المُجتمع الإسرائيليّ، فإننّا لا نقصدهم كلّهم.

مُضافًا إلى ما ذُكر أعلاه، تمكّنت الصهيونيّة من خلق دولةٍ، أسمتها إسرائيل، ونجحت في تسويق روايتها المزعومة في الغرب بأنّ "فلسطين هي أرضٌ بلا شعبٍ لشعبٍ بلا أرضٍ"، والاستعمار، كما علّمنا التاريخ، قادرٌ في ظروفٍ جيو-سياسيّةٍ مُعينةٍ على خلق الكيانات والدول من الناحية الجغرافيّة، ولكنّه أوهن من خلق شعبٍ ومُجتمعٍ يتساوق في السّراء والضّراء، لأنّ الجغرافيا قابِلة للتطويع، ولكنّ المُجتمعات الإنسانيّة "ترفض" التصّنع والاصطناع والابتذال، ولا ضير في هذه العُجالة من توجيه السؤال الجوهريّ: ما الذي يجمع بين اليهوديّ (وللتنويه لا مشكلة لدينا مع اليهود بتاتًا، بلْ مُعضلتنا مع الصهيونيّة)، ما الذي يجمع بين اليهوديّ المُستجلَب من المغرِب، واليهوديّ المُستقدَم من روسيا، واليهوديّ الذي يسكن في حيّ بروكلين في نيويورك؟ فالمغربيّ، وهو بالمُناسبة يتبّوأ المكان الأخير في إسرائيل من الناحية الاجتماعيّة-الاقتصاديّة، ما زال يتكلّم اللغة العبريّة-العربيّة، أمّا المُستقدَم من الاتحاد السوفييتيّ سابِقًا، فإنّه يُواصِل التحدّث باللغة الروسيّة والتقوقع في مناطقه الجغرافيّة، فيما لا يعرِف اليهوديّ في بروكلين، ولا يُريد أنْ يعرِف اللغة العبريّة بالمرّة ويتكلّم لغةً غربيةً، تُسّمى في إسرائيل (إيديش)، وهي مزيج من الألمانيّة والآراميّة (1)، أيْ أنّ القاسِم المُشترك الوحيد بينهم هو الانتماء للدّين اليهوديّ، فيما تختفي باقي مُقوّمات الشعب أوْ الأمّة مثل التاريخ المُشترك، الحضارة واللغة. وبطبيعة الحال، وَجَبَ التوضيح أنّ هذا الطرح ليس عنصريًا بالمرّة، ذلك أننّا كبشرٍ ننتمي أولاً وقبل كلّ شيءٍ للإنسانيّة، ونُفضِّل هذا الانتماء على أيّ انتماءٍ آخر، لإيماننا القاطِع بأنّ الانتماء أولاً وأخيرًا للإنسانيّة يؤهّلنا لأنْ نكون بشرًا.

ومِنَ المُفيد جدًا التذكير بأنّه جاء في كتابٍ جديدٍ أصدره الباحث الإسرائيليّ في جامعة تل أبيب، إيتان بلوم (2)، حول تاريخ مَنْ يُطلَق عليه في الحركة الصهيونيّة، الأب الروحي للاستيطان، أرتور روفين، (1867-1943)، أنّه آمن بالنظرية العنصريّة، والتي تماهت مع الحركة النازيّة في ألمانيا، لا بلْ أكثر من ذلك، فإنّ الباحث يؤكّد أنّ كتابات روفين ساعدت النازية في تطوير نظريتها، ومنحت النازيين شرعيّةً لتطويرها، على حدّ قوله. ووفقًا لكتاب الباحث فإنّ روفين رأى بالزعيم النازيّ هتلر، سياسيًا "مُنعشًا"، مع أنّه لم يجزم فيما إذا قام هتلر بالاطلاع على منشورات القائد الصهيونيّ، مُشيرًا في الوقت عينه إلى أنّه من الصعب تجاهل الحقيقة بأنّ منشورات روفين منحت شرعيّةً للمزاعم التي آمن بها أقطاب النازيّة في ألمانيا، في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.

واعتبر المؤرّخ توم سيغف، الذي أجرى مُراجعةً للكتاب نشرها في صحيفة (هآرتس) العبريّة، اعتبر الكتاب استفزازيًا وفيه العديد من الثقوب، ولذا ينصح القرّاء بالتعامل مع الكتاب لدى قراءته بشكلٍ حذرٍ، مُوضِحًا أنّ المقارنة بين النازيّة والصهيونيّة ليست أمرًا جديدًا، ولكن اعتمادها على كتاباتٍ ومنشوراتٍ لأحد أقطاب الحركة الصهيونيّة، تدفع الإنسان لتوجيه سؤاليْن اثنيْن: الأوّل، هل ما كتبه بلوم كان صحيحًا؟ وإذا كان الجواب إيجابيًا فإلى أيّ مدى كان صحيحًا؟ والسؤال الثاني، هل هذا الأمر مُهّمًا وإلى أيّ حدٍّ؟ ويُجيب سيغف على السؤاليْن بنفسه إذْ يقول إنّه لَمِنَ المُعيب أنّ الإجابة، على ما يبدو إيجابيّة، على السؤاليْن، ولكنّها أقّل أهميةً ممّا يدّعيه المؤلّف.

وبما أننّا أتينا على ذكر العنصريّة الصهيو-داخليّة، فنؤكِّد أنّه وفقًا لسيغف، فإنّ روفين لاحَظَ خلال مسيرته؛ التردّي المُقلق في الطهارة العرقيّة للشعب اليهوديّ، لأنّ العديد من الفئات اليهوديّة اختلطت بالأعراق الساميّة، الأمر الذي حوّلهم إلى "شخصياتٍ بدويّةٍ"، حتى وصل الأمر إلى الشكّ في انتمائهم للشعب اليهوديّ، وهؤلاء تحوّلوا فيما بعد إلى اليهود في الدول العربيّة، لافتًا إلى أنّ روفين آمن بأنّ هؤلاء اليهود أصبحوا متخلّفين، كما قال.

ويكشف الكتاب النقاب عن أنّ روفين، وافق على استجلاب يهودٍ من اليمن، الذي رأى أنّ بشرتهم سمراء أكثر من اللازم، ومع ذلك، آثر أنْ يعملوا هم في الأراضي الفلسطينيّة، على أنْ تستخدِم الصهيونيّة العمّال العرب، مُضيفًا أنّه بعد استجلابهم إلى فلسطين، تمّت معاملتهم بشكل مُخزٍ ومُخجلٍ ومُشينٍ، طبقًا لأقواله. كما أنّ روفين، بحسب الكتاب الجديد ومُراجعته من قبل المؤرِّخ سيغيف، اعتقد دائمًا أنّه يجِب القيام بعملية ترحيلٍ جماعيٍّ للعرب (ترانسفير)، وأكثر من ذلك، ذات مرّةٍ قال روفين إنّ الرجال العرب يرغبون ويهوون النساء اليهوديّات! والمقولة الأخيرة حول هوى الرجال العرب، تحمِل في طيّاتها المزيج من العُنصريّة والشوفينيّة، والنظرة الاستعلائيّة-الفوقيّة للصهيونيّة في كلّ ما يتعلّق بالناطقين بالضاد (3). سيغيف خلُص إلى القول في مُراجعته للكتاب إنّه كحدٍّ أقصى في العام 1937، ربط دافيد بن غوريون، أوّل رئيس وزراء إسرائيليّ، ربط نفسه بشكلٍ علنيٍّ بنظرية ترحيل العرب (ترانسفير) ونزع ملكيتهم للأراضي في فلسطين.

خلاصة الكلام: الشعب العربيّ-الفلسطينيّ، وحتى الأمّة العربيّة، أوْ ممّا تبقى منها، لم يضَعوا حتى يومنا هذا إستراتيجيّةً جامِعةً لُمواجهة الحركة الصهيونيّة فكريًا، والقصد هنا ليس التصدّي العسكريّ، كما أنّ الأنظمة الشعوب العربيّة لم ترتقِ إلى مُستوى الحدث، إذا جاز التعبير، في استثمار الخلافات الجوهريّة داخل المُجتمع الصهيونيّ في دولة الاحتلال، من أجل النهوض، في إطار مرحلة التحرّر الوطنيّ، نحو تحقيق المشروع العربيّ-الفلسطينيّ، وللأسف، حدث ما كُنّا نتوقعّه منذ زمنٍ طويلٍ: فعِوضًا عن التصدّي للتحدّيات الجسام بات التطبيع العربيّ الرسميّ وأيضًا الفلسطينيّ، (اتفاق أوسلو المنكود وتداعياته الكارثيّة)، شعار المرحلة الراهِنة، والأخطر من ذلك، أنّ الآتي أعظم: إذْ أننّا أمام (سايكس-بيكو) جديد، تقوده إسرائيل، فيما تلعب الأنظمة العربيّة الرجعيّة والمتواطئة دور الكومبارس في المسرحيّة العبثيّة-الهزليّة التي نعيش فصولها في هذه الأيّام، لنقول جازمين إنّ (كورونا) التطبيع أشّد ضراوةً على الأمّة العربيّة من الفيروس التاجيّ الذي يفتِك بالبشر دون الالتفات لعرقهم، دينهم ومكان سُكناهم.

مراجِع:

1. اللغة الييدية وتسمى باليديشية هي وحسبما جاء في الموسوعة العربية العالمية لغة يهود أوروبا وقد نمت خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين من لغات عدة منها الآرامية والألمانية والإيطالية والفرنسية والعبرية. يتحدثها ما يقارب 1.5 ملايين شخص حول العالم، أغلبهم يهود أشكناز.

2. صحيفة (هآرتس) الإسرائيليّة الـ15 من أيلول (سبتمبر) 2020.

3. http://alistenhadh.com/news/941304