Menu

مسارات التطبيع ومخاطرة على الأمة العربية

د. محمد السويدي

نُشر هذا المقال في العدد 19من مجلة الهدف الرقمية

(مادة مستلة من ورقة عمل مقدمة لندوة علمية في جامعة اقرأ للعلوم والتكنولوجيا، بعنوان: التطبيع ومخاطره على الأمة وقضاياها المصيرية)
د. محمد السويدي
أستاذ العلوم السياسية في جامعة اقرأ للعلوم والتكنولوجيا/ اليمن
مقدمة
تسارعت وتيرة تطبيع العلاقات بين بعض الأنظمة الرسمية العربية ودولة الكيان الصهيوني، وتعددت خطواته بين لقاءات وزيارات، وفتح سفارات، ونشر مقالات في صحف إسرائيلية، وفتح الأجواء، ومكاتب التجارة، ورحلات الطيران وغيرها.
ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2019، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بأول زيارة علنية إلى سلطنة عُمان، ثم تلاها لقاءين مع رئيس المجلس السيادي في السودان، عبد الفتاح البرهان، في أوغندا في شباط/ فبراير 2020، وفي 12 حزيران/ يونيو 2020، في الوقت ذاته، كان يجري الترتيب لتوقيع كل من الإمارات والبحرين، لاتفاق تطبيعي مع الكيان الصهيوني الغاصب جرى بتاريخ 15 سبتمبر2020، في البيت الأبيض؛ يتضمن تطبيع العلاقات، وتبادل السفارات والتعاون في مختلف المجالات.  
وقبل ذلك كان عددًا من الدول العربية قد عقد ما سمي باتفاقيات (سلام)، وطبَعت مع دولة الكيان الصهيوني، من خلال اتفاقيات استسلاميه عبثية لم تحقق للعرب أدنى متطلبات السلام، حيث يعود البعض استخدام هذا المصطلح (التطبيع) إلى تاريخ توقيع اتفاقيات -كامب ديفيد- المشؤومة التي وقعت عام 1979 بين مصر والكيان الصهيوني، مروراً باتفاق أوسلو 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية، واتفاقية وادي عربة مع الأردن في 1994، حيث وردت عبارة علاقات عادية أو طبيعية.. والمقصود إنهاء حال المقاطعة التي كانت قائمة بين دول المنطقة، وذاك الكيان الغاصب.
المحور الأول: مسارات التطبيع وتحقيق الحلم الصهيوني
مر مسار التطبيع  بين العرب والكيان الصهيوني بعدد من المحطات الهامة الذي أثرت في مساره وحولته من صراع وجود إلى صراع حدود، نتيجة الخروج على الثوابت التي حكمت مساره، فبعد أن كانت الأقطار العربية قد أجمعت في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الخرطوم المنعقد في أواخر العام 1967، عقب العدوان الإسرائيلي عدد من الدول العربية في ما يسمي بالنكسة واحتلال أراضي عربية جديدة في ثلاث دول عربية، والذي اتفقوا فيه على اللاءات الثلاث، - لا صلح لا تفاوض لا اعتراف – والذي اعتبره العرب أحد أبرز المؤتمرات الناجحة للقمم العربية التي كثر عددها وقلت فوائدها.
لكن كان منذ أعوام 1978 – 1979، حصل الاختراق والانقلاب الكبر على هذه اللاءات، وفق ما سنعرض لذلك:   
أولاً: اتفاقية كامب ديفيد 1979
لن نخوض في تفاصيل تلك الاتفاقية من حيث بنودها، ولا الطريقة التي تمت بين الطرفين للوصول إليها، ولكننا سنشير فقط الى أثرها في مسار التطبيع بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني، إذ يؤرخ كثير من الكتاب والباحثين لها، باعتبارها الخطوة الأولى في مسار التطبيع، بعد أن استطاعت الإدارة الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني منذ نشأته في أواخر الأربعينيات، من إقناع المسؤولين المصريين، بإنهاء حالة الحرب والدخول في عملية تفاوض مباشرة، لأول مرة منذ بداية الصراع،
والتي تم بموجبها عقد "اتفاقية سلام" منفرد بين أكبر دولة عربية والكيان الصهيوني بتاريخ 26/3/1979، تعتبر الأهم والأخطر في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وذلك لعدة أسباب منها.
1- خلق حالة صراع حاد بين الأقطار العربية، حيث انقسم العرب فيما بينهم، وبهذا حقق المشروع الصهيوني أحد أهدافه، خصوصاً بعد أن تم طرد مصر من الجامعة العربية، ونقل مقرها من القاهرة إلى تونس.
2- إحداث خلل في موازين القوى العسكرية مع الكيان الصهيوني نتيجة إخراج مصر من دائرة الصراع معه.
3- شجعت عدد من الأنظمة العربية التي كانت تتهيب من مثل هذه الخطوة في الإقدام على خطوات مشابهة سراً وعلناً ومهدت الطريق للاتفاقيات الثنائية لعدد من أطراف الصراع مع الكيان الصهيوني، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية والأردن، وتالياً الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وقد تلحقها دول أخرى. وبهذا تعتبر هذه الاتفاقية بمثابة الكارثة التي أصابت مصر والشعب الفلسطيني والأمة العربية، حسب وصف وزير الخارجية المصري الأسبق محمد ابراهيم كامل، الذي شارك في مفاوضات كامب ديفيد، واستقال من منصبه احتجاجاً عليها.
4- أصبح الوجود الإسرائيلي في فلسطين أمرأ مقبولاً في نظر كثير من الأنظمة، بل وأمراً هيناً في بعد أن قبلت به مصر (الشقيقة الكبرى)، والدولة القائدة لعملية الصراع إلى فترات غير بعيدة.
5- فتحت شهية الكيان الصهيوني للتوسع واستعراض قوته العسكرية في المنطقة العربية، مستفيداً من حالة الانقسام في الصف العربي، مثل العدوان على لبنان واجتياح قواته للجنوب اللبناني وصولاً للعاصمة بيروت عام 1982م، ومحاولة القضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية المتواجدة في لبنان، تدمير المفاعل النووي العراقي بواسطة سلاح الجو الإسرائيلي، وغيرها من الأعمال التي مست الأمن القومي العربيً.   
والمتأمل لهذه النقاط، يرى مدى الخطورة التي مثلتها تلك الاتفاقية، وكيف اعتبرها الكيان الصهيوني خطوة أساسية، لتحقيق الحلم الصهيوني للسيطرة على المنطقة من خلال اتفاقيات التطبيع.
ثانياً: مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو: 1991-1993
شاركت بعض الأنظمة العربية ومنها منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمر مدريد في اكتوبر 1991م  في ظل توازنات دولية وإقليمية مختلة لغير صالحهم، فعلى المستوى الدولي انفردت الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي لإسرائيل بإدارة النظام الدولي والتربع على عرشه كنظام وحيد، بعد انهيار القطب الموازن لها المتمثل بالاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية، وفي ظل وضع عربي متأزم ومنهار بصورة لم يسبق لها مثيل وصلت إلى حد الحرب الأهلية العربية جراء الأوضاع التي أوجدتها معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني كما سبقت الإشارة أعلى وكذا ما أحدثه التواجد العسكري الأمريكي للمنطقة العربية، وحرب تحرير الكويت عقب غزوها من قبل العراق؛ من انقسام  حاد في السياسات العربية.
كان مؤتمر مدريد الذي رعته أمريكا وروسيا شكلياً، يهدف إلى استلهام المعاهدة بين مصر والكيان الصهيوني؛ من خلال تشجيع البلدان العربية الأخرى على توقيع اتفاقيات سلام وتطبيع العلاقات معه لإخضاع الشعوب ومحاولة إجبارها على قبول الكيان الاستيطاني، كدولة طبيعية في المنطقة.
أسس مؤتمر مدريد لما سمي مبدأ الأرض مقابل السلام، ليشكّل اتفاق أوسلو الذي عقد سراً في أوسلو في (النرويج) ونشرته بعض وسائل الإعلام قبل الإعلان عنه وتوقيعه رسمياً في واشنطن يوم 13 سبتمبر/أيلول1993، أول اتفاقية رسمية مباشرة منظمة التحرير الفلسطينية؛ نص اتفاق أوسلو على انسحاب القوات الإسرائيلية على مراحل من الضفة الغربية وغزة وإنشاء "سلطة حكم ذاتي فلسطينية مؤقتة" لمرحلة انتقالية، تستغرق خمس سنوات على أن تُتوج بتسوية دائمة، وهذا هو الوهم الذي لا وجود له على أرض الواقع حتى اليوم، بعد مرور ثلاثة عقود، ولا يمكن له أن يتحقق عبر اتفاقيات التطبيع. وما تحقق من خلال ذلك الاتفاق يصب في مصلحة الكيان الصهيوني، كما يتضح من خلال الآتي:
1- الاعتراف الصريح فلسطينياً بشرعية وجود إسرائيل كدولة، ونبذ ما يسمى بالإرهاب، والقبول بحل النزاع (بدلاً عن الصراع) بالوسائل السلمية، فالاعتراف الفلسطيني لم يقابله التزام إسرائيلي بما ستؤول إليه الحالة الفلسطينية في نهاية المرحلتين التفاوضيتين خلال المرحلة الانتقالية.
2- الاتفاق لم يضمن فقط اعتراف المنظمة بإسرائيل، بل التزام بضمان أمنها أيضاً، بينما لم يتضمن أية إشارة الى أمن الفلسطينيين في الضفة والقطاع القابعين تحت الاحتلال.  
3- ان الاتفاق مهد لتطبيع الوجود الإسرائيلي في المحيط العربي، باعتبار قبول أصحاب الشأن بإسرائيل والتفاوض معه على مصير الأرض المحتلة، وبالتالي لم يعد هناك أمور تحول دون تطبيع الأطراف العربية الأخرى مع إسرائيل، على الأقل من وجهة نظر الراغبين في ذلك الفعل.
هذه هي نتائج اتفاقيات التطبيع الفلسطيني الإسرائيلي، مزيد من الضياع ومزيد من الإذلال.
ثالثاً: اتفاقية وادي عربة 1994
في العام نفسه، بدأ المسار التفاوضي الفلسطيني الأردني الإسرائيلي وتوج بعقد الاتفاقية الموقّعة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1994 بين المملكة الأردنية الهاشمية والكيان الصهيوني، شملت عدة مواد أهم ما فيها أنها ترسي مبادئ عامة من الاعتراف والاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي وتبين الحدود وترتيبات أمنية ضد اختراق الحدود، والإرهاب، والمياه، وإقامة علاقات طبيعية، وأحالت قضية اللاجئين إلى اللجنة متعددة الأطراف، واعترفت للأردن بدور رمزي شكلي في رعاية الأماكن المقدسة في القدس ، رغم أن الجانب الفلسطيني لم يكن طرفاً في هذه الاتفاقية، إلا أنها أثّرت بشكل واضح على المسار التفاوضي بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وعزّزت الأوراق "الإسرائيلية" على طاولة المفاوضات.
من الملاحظ أن هذه الاتفاقية تركز بالدرجة الأساسية على إقامة علاقات طبيعية، ترسخ سيطرة الكيان الإسرائيلي على الأراضي والمياه العربية، ولم تلزم ذاك الكيان بشيء من الحقوق التي يجب أن يقوم بها تجاه الطرف العربي.
رابعاً: اتفاق أبراهام (التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني)
تناولت وسائل الإعلام العربية والدولية خبر الترويج لاتفاق (سلام) بين الإمارات العربية المتحدة والكيان الصهيوني يتضمن الاعتراف الكامل وتطبيع العلاقات بين الطرفين وتبادل السفراء وإقامة علاقات تعاون اقتصادي وسياسي وأمني وتبادل الزيارات واللقاءات بين المسؤولين في البلدين، وتم التوقيع على الاتفاق رسمياً في ساحة البيت الأبيض في واشنطن في 15/9/2030، في صورة باهتة ومذلة للأطراف العربية.
فماذا يعني توقيع مثل هذا الاتفاق للبلدين؟ وماهي التداعيات والمخاطر المحتملة جراء توقيعه على القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية؟ وما هي مخاطر هذا الاتفاق على دولة الإمارات نفسها؟ وما هدف الكيان الصهيوني من هذا الاتفاق؟
وللإجابة على هذه التساؤلات نقول وباختصار، إن رفع علم الكيان الصهيوني في سماء الإمارات، ليس إلا خطوة في طريق التجسيد العملي لحلم (إسرائيل الكبرى)، وهذه الخطوة ستتبعها بالتأكيد خطوات مماثلة من دول أخرى قريباً.
المحور الثاني: مخاطر التطبيع على الأمة العربية
مما لا شك فيه أن اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني تحت تأثير الضغوط الأمريكية، تشكل مخاطر غاية في الخطورة وأثار بالغة السلبية، على حاضر ومستقبل دول وشعوب المنطقة العربية، بل وعلى الأمة بأسرها وقضاياها المصيرية، كالعقيدة، والأمن، والاستقرار، والحرية، والسيادة، وكذا السيطرة على الثروات، العربية وتسخيرها لخدمة مشروع الهيمنة والسيطرة الاستعماري الأمريكي الغربي المنسجم مع المشروع الصهيوني، في مواجهة القوى الدولية والإقليمية الصاعدة في المنطقة، والعالم؛ من خلال حرمانها من عوائدها في إيجاد تنمية حقيقية تنهض بشعوبها. كل هذا وغيره مصحوباً بشعور( صهيو أمريكي )، بغرور القوة والتفوق، يسانده في ذلك حالة من الضعف والهوان يعيشها الحكام العرب المرتهنين ببقائهم في السلطة لتلك القوى.
تنطوي عملية التطبيع على مخاطر متعددة في مختلف مجالات الحياة، أهمها ما يلي:
1- المخاطر الثقافية:
كثيرة هي المخاطر التي قد يحدثه التطبيع في هذا الجانب، نذكر منها على سبيل المثال ضرب مرتكزات المنطقة العربية سواء تاريخياً وثقافياً وبالأخص الرواية التاريخية الفلسطينية وأبعادها الثقافية لصالح الرواية الصهيونية المختلقة، وأبعاد ومترتبات ذلك الاجتماعية الفاسدة من الأبعاد القيمية والأخلاقية وصولاً إلى شيوع ألوان الفن المبتذل.
2- المخاطر السياسية:
لا تحتاج هذه الخطوة التطبيعية إلى سبر أغوارها فهي ظاهريًا تلبي فرص ‏الاستثمار الانتخابي لكلا المأزومين نتنياهو وترامب آنياً، وتفتح ‏الطريق أمام إلى تجاوز وتصفية الحقوق الفلسطينية مستقبلياً، وتسرّع الهرولة العربية نحو التطبيع؛ فحسب الادعاءات الإسرائيلية، فإن خمسة عشر نظامًا عربيًا لهم ‏علاقات ‏كاملة مع كيان الاحتلال.
3- المخاطر الاقتصادية والأمنية:
في العمق، مما يجري الترويج له من شعار "التطبيع" أو فرضه على ‏المنطقة ليست مجرد إقامة علاقات لإنهاء أو تسوية الصراع العربي ‏‏– الإسرائيلي، وإنما تتخطى ذلك بشكل أبعد، فليس المقصود من ‏التطبيع إنهاء حالة العداء التاريخية بين العرب والكيان الصهيوني، ولا ‏مجرد إقامة روابط تسوية عادية بين الطرفين؛ إن التطبيع بمعناه ‏الحقيقي كما يجري الترويج له الآن أو فرضه، يهدف إلى إعادة ‏ترتيب الخارطة الجغرافية – السياسية – الاقتصادية والأمنية ‏والثقافية في المنطقة على أسس جديدة تنسجم مع مصالح الولايات ‏المتحدة الأميركية ومع متطلبات إسرائيل وفق مشروع النظام ‏الإقليمي الجديد، أو ما كان متداول ومطروح سابقاً مشروع "النظام ‏الشرق أوسطي"، واعتبار كيان ‏الاحتلال شريكًا أساسيًا في المنطقة له النصيب الأوفر في الثروات ‏النفطية والمائية، واعتباره العقل المبدع في مجمل المحافل السياسية ‏والاقتصادية والثقافية والأمنية والتكنولوجية.‏ ومن الأهمية وعي خطورة هذه المرحلة الهادفة إلى إلحاق الكثير ‏من دول المنطقة بالمشروع الأميركي؛ بغية إنشاء تكتل إقليمي ‏تتوسطه/مركزه (إسرائيل)، ويستهدف تحقيق غايات سياسية وظيفية معنية‏، وإعلاء العداء لإيران وغيرها لاحقاً، بما سيخلق حالة من عدم الاستقرار الأمني الدائم في المنطقة، وإبقاء منطقة طاردة للاستثمار، بحيث تبقى ثروات المنطقة مسلوبة للمركز الإمبريالي الأمريكي.