Menu

فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج13)

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

هذا الجزء يسعى للإجابة على سؤال حول مفهوم اليمين واليسار، كمدخل للولوج في عنوان سمة المرحلة التي حكمت المنطقة ما بعد النكبة وعنوان ما اصطلح على تسميته؛ بأزمة حركة التحرر الوطني وأزمة يسارها ويمينها.

اليسار كمفهوم سياسي واجتماعي تطور عبر الزمان والمكان؛ نتيجة تراكم النضالات الإنسانية وهو يعبر عن حالة موضوعية تعكس التناقض الاجتماعي، وتعمق هذا المفهوم في ظل الصراع بين المجموعات البشرية بشكل عام، وبين المجموعة ذاتها بشكل خاص، وكان دائمًا يقوم على أساس الموقف من الاستغلال بكل أشكاله، وانعكس في المقولات الفلسفية اليونانية والرومانية والمصرية والهندية والصينية واليابانية والفارسية، وفي الديانات التوحيدية وغيرها من معتقدات؛ جميعها كان ناظمها يقوم على أساس الموقف من مفهومي الخير والشر في إطار صراع الإنسان مع الظواهر الطبيعية أو ظل صراعه الاجتماعي.

وفي هذا الصدد، فإن الموقف اليساري كان دائمًا يحكم جوهره ناظمًا ومعيارًا؛ ناظم هذا الموقف الذي يحكم جوهره هو مدى استجابته للظروف الموضوعية والذاتية التي حكمت اتخاذه، ومعيار صحة هذا الموقف يعكسه مدى قدرة متخذيه على تحويله؛ من فكرة إلى قوة مادية ملموسة، أي التنفيذ الخلاق للفكرة وإمكانية تحقيقها وبقدر ما كانت تتطور وسائل الإنتاج وأدواته كانت تنعكس في وعي قواه المنتجة وتتغير معايير تقييمه لدوره ومواقفه والحاجيات المعيشية وظروفها، كانت تتطلب حلولًا كان البحث عنها سببًا في التقدم العلمي الذي لعبت الفلسفة دورًا هامًا في تطوره.

الفلسفة منذ ما قبل طاليس وأرسطو وأفلاطون وسقراط وبوذا وزرادشت والمايا وغيرهم، كانت تبحث عن شروط تحقيق الفضيلة وتبحث في مفهوم العدالة الإنسانية، حيث أن هذا المفهوم وتحقيقه كان  السؤال الدائم الذي شغل الفلاسفة؛ منذ تشكل الوعي الإنساني الذي كان يبحث عن أسرار الكون وقواه الطبيعية وتأثيرها على حياته، والعديد من الفلاسفة ومنهم الأنبياء كانت حياتهم مهددة؛ بسبب آرائهم، ومنهم من حكم عليه بالإعدام والنفي، ولكن الطبيعة كانت دائمًا تثبت صحة مقولاتهم وآرائهم الاستثنائية التي أطلقوها في ظروفها المكانية والزمانية حينها؛ صحة المقولات والفرضيات والنظريات، إن كانت علمية أو فلسفية، كانت نسبية، واكتسبت أهمية في أنها كانت مدخلًا مهمًا للتقدم العلمي والفلسفي.

مفهوم اليسار ليس مقتصرًا على الصراع الاجتماعي، وإنما أساسه الصراع والخلاف على تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية وطرق ووسائل تطوير حلها، وتفسير الظواهر خضع لمفاهيم عدة؛ اندرجت تحت مفهومين: الأول (اليميني) كان يُرجِع تفسير الظواهر الطبيعية إلى قوى من خارج الوعي الإنساني، على سبيل المثال في مصر القديمة، كانت تقدم القرابين لنهر النيل لتهدئة غضبه (فيضانه)؛ استمر ذلك لعقود قبل أن يكتشف الإنسان أسباب الفيضانات وطريق مواجهتها التي تطورت مع تطور الوعي الإنساني، والمفهوم الثاني (اليساري) نما وتطور في أحضان المفهوم الأول، ولكن كلما يتقدم الإنسان في الاكتشافات العلمية، يبتعد المفهوم الثاني عن الأول ويدخل في صراع معه؛ من داخل الفكرة الفلسفية التي كان يستند لها. وفي هذا الصدد، تُفًسًر كل الحالات الفردية التي تصادمت مع الفلسفة السائدة إن كانت لاهوتية أو إلهية منذ العهود البشرية القديمة، عندما كانت القبائل تُفًسِر الظواهر مستندة إلى فكرة القوى السحرية التي تحولت مع تطور المعرفة الإنسانية إلى قوى من خارج الوعي الإنساني، حتى ظهور فكرة الآلهة في العهدين الفرعوني واليوناني التي كانت تحمل سمة تعدد الآلهة إلى مرحلة ظهور الأديان (التوحيدية) التي كان حيزها المكاني حوض البحر المتوسط الذي ظهر فيه الاستغلال السياسي للفكرة الدينية وتوظيفها لمصلحة السلطة السياسية التي أفرغت مضمون العدالة الإنسانية منها وأخذ الصراع على أساس الفكرة الدينية بين الديانات الثلاث إعادة إنتاج صراع الآلهة في العصر اليوناني والروماني. إن تطور هذه الأفكار كان يحكمها مستوى التطور المعرفي الإنساني الذي هو انعكاس  لتفاعل الإنسان مع الواقع المادي وحاجياته التي كانت سببًا في تطوير وسائل إنتاجه وأدواته، هذه الحاجيات تطلبت عمل إنساني جمعي، كان ضرورة للحفاظ على استمرار الجنس البشري (الجنس البشري الوحيد الذي عليه أن يحافظ على أبنائه لسنوات، في حين أغلبية الكائنات الأخرى يلزم لأبنائها ساعات أو أيام ليتمكنوا من المشي والانطلاق مع قطيعهم وأشهر للاعتماد على أنفسهم)، ولهذا تطلب حماية الجنس البشري تنظيمًا للعلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجموعات والقبائل الإنسانية، هذه العلاقات ظهرت حاجتها كناظم ومعيار يحكمها؛ فكان الناظم القوة التي تطور مفهومها من قوة فردية إلى قوة جمعية، ومن ثم قوة معرفية، كانت ضرورية للسيطرة بعد التكاثر العددي للمجموعات البشرية، وتطورت الفكرة المعرفية مع تطور مفهوم قوة السلطة؛ من المفهوم البشري إلى المفهوم الإلهي الذي تطور وارتبط مفهومه بتطور تمركز عناصر القوة، وفي هذا السياق تطورت فكرة تحويل تعدد الآلهة إلى وحدتها؛ انعكاس لتطور مركزة القوة المادية البشرية بأيدي معدودة، كانت سببًا في سوء توزيع خيرات الإنتاج الاجتماعي، وبدء عصرًا جديدًا؛ يتسم بالتحالف بين عناصر القوة المادية البشرية وعناصر قوة الفكرة الإلهية، هذا التحالف الذي تطور عبر التاريخ وأخذ أشكالًا متعددة والسمة الدائمة لهذه العلاقة كانت حاجيات تشريع سوء توزيع الخيرات المادية والسيطرة على المجتمعات باستخدام المعايير الأخلاقية للقوة الدينية. وفي هذا السياق، فإن المفهوم العام لليسار مرتبط بعملية التطور الإنساني؛ من حيث موقعه في عملية الإنتاج الاجتماعي التي تحدد تطوره المعرفي، فلا يمكن أن نتحدث عن تطور الوعي الاجتماعي بدون الانخراط الواعي في عملية الإنتاج وتطور أدواتها ووسائلها المعرفية، هذا التطور كان نتيجة للجهد الجمعي التعاوني بين المجموعات البشرية التي كانت تتبادل المعرفة الإنسانية، وبهذا الصدد، فإن أية مفاهيم تحاول أن تحصر التطور المعرفي الإنساني بفئة إنسانية محددة هي نزعة استعلائية وتغييب لتراكم الجهد الإنتاجي الإنساني وتوارث حضاراته التي تطورت عبر التراكم المعرفي الإنساني عبر التاريخ، ولهذا فإن مفهوم اليسار واليمين يتحدد على أساس الموقف من العدالة الإنسانية وتعبيراتها؛ سواء كانت اقتصادية، والتي تتعلق بتوزيع الخيرات المادية، أو الاجتماعية، القائمة على أساس المساواة بين الفئات الاجتماعية، بغض النظر عن اللون أو العرق أو الجنس أو العقائد؛ إن كانت دينية أو إنسانية أو المشاركة في تحديد الخيارات السياسية.

لقد تطور مفهوم (اليسار واليمين) الذي كان مظهره العام؛ التعارض في المصالح بين الفئات الاجتماعية وحاجيات متطلبات معيشتها، هذا التعارض كان يتراكم ليتفجر بين الفئات الاجتماعية، نتيجة لتنامي عوامل القوة الفائضة التي كانت تفرغ للسيطرة للحصول على الموارد الطبيعية  واحتياجاتها البشرية، من أجل العمل لإنتاج الخيرات المادية التي كانت تختلف خصائصها، والتي  فرضت نمطًا خاصًا للعلاقات الإنتاجية المرتبط بتطور وسائله وأدواته في كل مرحلة من مراحل تطور ضرورات الحاجيات الإنسانية ومستوى تطور حضاراتها، من بداية العمل الإنتاجي الجمعي  للمجموعات البشرية التي تطور شكل علاقاتها؛ من الشكل العائلي إلى العشائري، فالقبلي، فالشعبي، ومع كل مرحلة كانت تتطور المعرفة الإنسانية التي كانت انعكاسًا لنمط الإنتاج السائد. هذه المعرفة الفكرية التي كانت ضرورة للسيطرة على المجموعات الإنسانية ولتبرير الأعمال الحربية التي كانت تتفجر بين مراكز قوتها وتطورت فكرة السيطرة؛ من السحر إلى الآلهة التي أخذت شكلًا تعدديًا إلى الإله الواحد الذي فرضته الحاجيات لمركزة سيطرة القوة.

عبر التاريخ الإنساني كانت العلاقات الاجتماعية تقوم على أساس الاستغلال؛ إن كان اقتصاديًا أو اجتماعياً بين أفراد العائلة أو بين أفراد العشيرة أو القبيلة أو بين الشعوب التي ممكن أن نطلق على كل منها فلسفيًا؛ ظاهرة اجتماعية تحكمها مجموعة من الظروف الخاصة التاريخية التي تعكس العلاقات الإنتاجية بين قواها وتطور أدوات الإنتاج ووسائله التي كانت تلعب القوى البشرية العامل الحاسم في تطورها، وكانت ضرورة لإنتاجها ولحروبها. لقد كانت العلاقة داخل الظواهر تقوم على أساس استغلال الإنسان الذي كان يصارع دائمًا؛ فرديًا أو جمعيًا من أجل رفع الاستغلال؛ إن كان اجتماعيًا أو فكريًا أو جسديًا، وأصبح هنالك ضرورة لتنظيم الجهد الاجتماعي لمواجهة الاستغلال الفردي والجمعي الذي أخذ طابعًا اجتماعيًا داخل الظواهر الاجتماعية، في حين كان الناظم الذي حكم مواجهة الاستغلال؛ الصراع على تحقيق العدالة الإنسانية التي جوهرها التوزيع العادل للخيرات الإنسانية، وهنا فإن مفهوم اليسار وناظمه هو تحقيق العدالة الإنسانية التي تتعارض مع كل الأفكار التي تستخدم من أجل تقويضها وكانت دائمًا مترافقة مع قوة السلطة المتحكمة في وسائل الإنتاج وأدواته التي كانت تفرض علاقات استغلالية بين قواه الاجتماعية.

اليسار من حيث الجوهر هو تيار اجتماعي ذا طابع تاريخي، يشكل النقيض لقوى السلطة الاستغلالية بكل أشكالها الاقتصادية والسياسية وأدواتها ووسائلها المعرفية التي تستخدم من أجل تشريع الاستغلال؛ الاستغلال الاقتصادي بكافة وسائله وأدواته وأشكاله وانعكاساته السياسية التبعية والاضطهاد السياسي للمجموعات البشرية وأدواتها السياسية التي تناضل من أجل الحرية والعدالة والمشاركة؛ والاجتماعي بأشكاله المتعددة؛ إن كان استغلالاً للطفولة أو المرأة أو الرجل، والاستغلال الغير عادل للموارد الطبيعية وتدمير مواردها الضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية؛ فالموقف ضد كل هذه الأشكال والوسائل الاستغلالية هو المعيار للموقف اليساري الذي يحمل جوهرًا إنسانيًا تقدميًا.. فلا يمكن أن تكون يساريًا في الموقف السياسي ويمينيًا رجعيًا في الموقف الحقوقي الإنساني؛ من قضية تحرر المرأة أو حرية خيارات الأطفال والأبناء والموقف من قضية الميراث الذي يجحف في حق المرأة، وتجبر في كثير من الحالات على التنازل لأشقائها، هذا على سبيل المثال، وليس الحصر.  ويولي اليسار أهمية لحماية البيئة؛ من الاستغلال الرأسمالي الذي لا يعير اهتمامًا لتأثيرات أنماط استغلاله للموارد الطبيعية وانبعاثات غازات آلاته الصناعية وانعكاساتها على البيئة الطبيعية والحيوانية والنباتية والإنسانية. أما المفهوم اليميني الاستغلالي؛ جوهره هو كل جهد يهدف إلى استغلال الانسان للإنسان كفرد أو مجموعة يتناقض مع العدالة الإنسانية والتوازن الطبيعي وحاجياتها بكل أشكالها؛ إن كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو فكرية.

اليسار واليمين لهما طابع اجتماعي تغيب فيه الحدود القومية أو الاثنية أو الدينية، وهما مفهومان عابران للحدود الجغرافية والإنسانية، ويتميزان بتلاقي المصالح بين قوى اليمين أو اليسار على نطاق إنساني. إن اية رؤية تعطي اليسار مفهومًا حصريًا من حيث الجوهر تؤدي إلى نزعات تتعارض مع جوهره الإنساني، حيث أن الموقف اليساري يحمل طابع متغير ومتجدد؛ مرتبطًا بتغير اصطفاف القوى ومحصلتها داخل كل ظاهرة، لكن معياره الدائم تحقيق مصلحة العدالة الإنسانية وحريتها ومشاركتها. أما اليمين، فإن الخاصية الدائمة الملازمة له؛ إعطاء طابع فردي وعائلي أو عشائري أو قبلي أو شعبوي أو ديني لمفهوم السلطة والاستغلال بكل أشكاله، والذي يسعى بشكل دائم لتوظيف الأفكار الإلهية لتبرير استغلاله وقمعه للساعين للعدالة الإنسانية وحريتها ومشاركتها. 

هذا المدخل كان ضرورة من أجل توضيح مفهوم اليسار واليمين في محاولة للإجابة، على سؤال كان وما زال عالقًا حول عنوان اصطلح على تسميته، بأزمة حركة التحرر الوطني العربي بيمينها ويسارها.