Menu

هل ينجح التعايش مع كوفيد-19؟ قراءة تحليلية

م. تيسير محيسن

نشر في العدد 19 من مجلة الهدف الرقمية

في كل مكان تقريبًا ثمة حالة "طوارئ" لمواجهة كورونا: قيود على الحركة، حظر الاتصال، إجراءات نظافة صارمة، إغلاق المدارس والمؤسسات الثقافية، إعادة تنظيم عالم العمل، شلل الاقتصاد، إغلاق الحدود وتوقف حركة القطارات والطائرات... ولكن إلى متى؟! مع غسل اليدين بشكل متكرر والتباعد الاجتماعي، مع هذه الممارسات وغيرها التي باتت جزءًا من حياتنا اليومية، ومع ومراكز التسوق المغلقة والمطاعم الشاغرة والملاعب الخالية من الروح، نتجه نحو عالم جديدٍ؛ مرورًا بما يسمى "التعايش"!

لا شيء يوقفه؛ ينتشر متخطيًا الحدود ليُحدث اضطرابًا هائلًا في حياة البشر؛ فيروس كورونا الذي لا تناقش القضايا إلا ارتباطًا به؛ من أزمة الغذاء إلى تغير المناخ، ومن أنماط القيادة إلى استراتيجيات التعافي، ومن التعليم المنزلي إلى القيود على السفر، ومن الانتخابات الأمريكية إلى الحرب في ناغورني كرباخ، وهكذا. كما ارتبط مصير العالم به، وباحتمالات التغلب عليه اليوم أو غدًا؛ ندرك أن "غدًا" يختلف كليًا عن "أمس"، وبين هذا وذاك نتحدث عن التعايش الذي يكتسب زخمًا مع الفشل في إيجاد علاج أو تطوير لقاح!

في الطوارئ

فرضت حالة الطوارئ واتخذت تدابير تقييدية في معظم بلدان العالم، بينما لم يتوقف الفيروس عن الانتشار، وبرزت مخاوف جدية بخصوص الشأن العام، وتركيز السلطة وتعطيل الفصل بين السلطات وانتهاك الحقوق والحريات، وثمة اتجاه عام وعالمي نحو الاستبداد، ومن المشكوك فيه أن يُوقف قريبًا.

 

يؤكد خبراء أن التغلب على الفيروس كان بفضل التكنولوجيا، وليس "استبداد الدولة". ومع ذلك، يحذر حقوقيون أن توسيع نظام "المراقبة الرقمية" يشكل انتهاكًا صارخًا للحقوق والحريات؛ فالخوف من الموت يجب ألا يقودنا إلى الأسوأ. في الواقع يصعب الحكم: ثمة تدابير ومنظورات شتى في معالجة الأزمة؛ سلطوي، وديموقراطي، وثالث تضامني بين الدول، لكن أيها أرشد وأقل ضررًا، لا أحد يعرف يقينًا.

يمكن الانتقال من الطوارئ إلى التعايش ويتم عبر: الالتزام بالتوصيات التي يقدمها الأطباء وعلماء الأوبئة، وليس رجال السياسة والأمن (القرار وبائي وليس سلوكيًا)؛ تعزيز ثقافة الامتثال الطوعي المدني لدى المواطنين، وليس الإكراه؛ تشجيع التضامن الاجتماعي والتعاون وتبادل المعلومات وحماية المتضررين والكف عن استخدام الردع؛ تحقيق التوازن في الإجراءات بحيث لا تشعر أي جماعة بالتمييز، وبحيث لا يقع الضرر بقطاع دون آخر، دون خضوع لمنطق التجريب والارتجال. الفيلسوف الإيطالي جيورجيو أغامبين (صاحب نظرية الاستثناء) أعلن رفضه للإجراءات الحاسمة التي اتخذتها السلطات الإيطالية معتقدًا أن العمل الشمولي لا يثير إلا الذعر!

في التعايش

يحتدم النقاش حول كل شيء تقريبًا في السياسة والاقتصاد والمجتمع والعلم والبيئة، فيما يمكن اعتباره أكبر عملية تعلم وتكيف تحدث بصورة جماعية تنخرط فيها أمم الأرض جميعًا. أفضى جدل الواقع إلى تبني فكرة "التعايش" التي تتباين المنظورات حولها، ومع التباين ثمة ما هو متفق عليه وهو أن التعايش عملية تراكمية وطبقية تقتضي تحولًا كبيرًا في أنماط السلوك والفعل، وتفترض الصراع وغلبة فئة على أخرى. 

يعد التعايش مطلبًا للجميع؛ فالكل بحاجة إلى العمل والدخل والحركة والتفاعل الإنساني! ويبقى السؤال كيف تحقق البشرية هذا التعايش بحيث "لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"؟

للفيروس والتعايش معه تأثيرات ودلالات اجتماعية واقتصادية وفلسفية، سوف نتوقف قليلًا عند بعضها:

منظور اجتماعي:

للوباء والتعايش معه تأثيرات على جميع جوانب الحياة الاجتماعية؛ فمصادر الترفيه تتغير فيما يعرف اليوم بالتدفق عبر منصات (OTT)، ستخضع مشاهدة مباراة كرة قدم، أو فيلم سينمائي أو حضور حفل موسيقي أو فعالية ثقافية إلى تغيير جذري؛ فالعالم يحضر إلى صالون بيتك أو غرفة نومك! وسوف نفكر مليون مرة قبل أن نتسوق، سيخضع الأمر للاحتياج الفعلي دون بذخ أو تباهي، كما يصبح للبقاء على قيد الحياة تأثير واضح! الاكتفاء بما لدينا. يكتشف الناس أهمية التوفير والادخار للطوارئ. اختبار إجراءات جديدة للسفر، والتكيف مع طقوس مختلفة لتناول الطعام في المطاعم والتعامل مع الخدمة الرقمية.

كورونا فرصة أمام المجتمعات لتعيد تنظيم ذاتها، هناك من يطالب بتطبيق الصفقة الخضراء؛ الجمع بين الحد من التفاوتات الاجتماعية ومكافحة تغير المناخ. بعد الوباء سيصبح كل شخص مسؤولًا عن صحته ويتخذ إجراءات لحماية أسرته وزملائه في العمل، بينما يبحث المشغلون (القطاعان العام والخاص) عن طرق لتقليل مخاطر العدوى أثناء العمل، كما يمكن أن يتغير فن العمارة والتخطيط الحضري، وكذلك الفضاءات العامة؛ الملاعب والمطاعم ودور السينما والمكاتب الإدارية وخطوط الإنتاج، هذا وسوف يطرأ تحول على علاقاتنا وأوقات فراغنا وأنماط استهلاكنا؛ تُعزز "الرقمنة" ذلك بقوة، وبشكل خاص في مجالي العمل والتعليم في المنزل، حيث نختبر تجربة ربما تغير عاداتنا. قد تزعزع التجربة أسس عالمي العمل والتعليم، وتطرح إشكاليات كبرى: الفجوة المعرفية، إمكانية الوصول والمساواة، التفاعل الإنساني والاتصال الشخصي.

منظور اقتصادي:

الفيروس نفسه لم يتسبب في الأزمة، وإنما أثار عواملها الكامنة في النظام الاقتصادي السائد (السوق المعولم والنيوليبرالي والأبوي). أدت تدابير الاحتواء إلى بروز مشاكل أخرى. التعايش هنا يعني الاستجابة للوباء وتأثيراته على المدى القصير وأيضًا الشروع في تطبيق استراتيجيات التعافي الاقتصادي (ويفضل أن تكون طبقًا لمبدأ البناء بصورة أفضل). تشمل الاستراتيجيات إجراءات من قبيل؛ دعم البنى التحتية للطاقة النظيفة، بالإضافة إلى تعديل مباني المكاتب لتحسين الكفاءة وغير ذلك. ومن بين الأشياء التي يجب الانتباه لها والنضال ضدها احتمال أن تعدل الشركات أنماط العمل وشروطه باتجاه الأتمتة طبقًا لمبدأ غير إنساني "الآلات لا تمرض". كما يجب أن يولى الإمداد الغذائي أهمية فائقة خشية انقطاع سلاسله والتسبب في أزمة غذاء كبرى، وأيضًا ربما تتزايد الاتجاهات الحمائية، وتندلع حروب تجارية، وتقر عقوبات اقتصادية، مع نزعة استبدادية في الحكم وتراجع دور التعاون والمؤسسات الدولية.

منظور فلسفي:

أولًا، يمكن النظر للفيروس باعتباره إشارة من الطبيعة لإعادة ضبط الحضارة الإنسانية (الاقتصاد، النظام العالمي، المبادئ التوجيهية الأخلاقية)، وأيضًا بوصفه ضرورة تاريخية ومنطقية للإجهاز على النيوليبرالية والعولمة.

ثانيًا، أيضًا بوصفه تحذيرًا أخيرًا حول التهديدات. كورونا ليس مشكلة طبية، ولا مشكلة اقتصادية، ولا مشكلة سياسية؛ بل مشكلة وجودية وأخلاقية ومزيج معقد مما ذكر!

ثالثًا، كشف الوباء عن هشاشة العالم الحديث وضعفه، على الرغم من تقدم التكنولوجيا وعلوم الأحياء والوراثة والتحكم الآلي، والطب، والرقمنة والإبداع والذكاء الاصطناعي.

رابعًا، العمل عن بُعد، يخلق الوهم بأن التقنيات العالية هي الدواء الشافي، هذا رهان خاسر وخاطئ؛ التكنولوجيا لا تحل مشكلة الإنسان كإنسان، ولا يمكنها أن تحل محل التواصل البشري المباشر، الذي نشأت منه الحضارة الإنسانية، يمكن للمرء الاستغناء عن الوسائط، ولكن لا يمكن الاستغناء عن التواصل الوجاهي؛ التكنولوجيا مفيدة والعالم الافتراضي رائع، ولكن الحياة خارجهما لا تزال أفضل وأكثر روعة!

خامسًا، جهات كثيرة توظف الوباء والتعايش معه بما يخدم مصالحها: النخب الحاكمة، وهي تبحث عمن تلقي عليه اللوم عن مشاكل العالم، الشركات فوق القومية، حيث يندلع الصدام على النفوذ واقتسام العالم. الأوليغارشية العسكرية وهي تبرم صفقات السلاح.

سادسًا، النظام الذي برز منذ 300 عامًا مع الثورة الفرنسية ينهار؛ عالم جديد قادم غائم الملامح، هنا يبرز السؤال حول دور الدولة ومنطقها، بوصفها التجسيد المؤسسي للنظام.

سابعًا، تراكمت مشاكل دون حل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الثورات، طبقًا لماركس، "قاطرات التاريخ". العالم في حاجة إلى ثورة. كورونا يفعل فعل الثورة، يحول التغييرات الكمية إلى تغييرات نوعية، يخلخل العلاقات والبنى، يؤثر على مسارات التنمية الاقتصادية، ويغير من حدود الجغرافيا السياسية.

ثامنًا، بينت المعطيات أن الدول الأكثر إصابة هي الدول الأقوى اقتصاديًا، بينما دول "السوق الاجتماعي" أقل نسبيًا؛ دول المجموعة الثالثة (روسيا والصين وبيلاروسيا وفيتنام وكوبا)، المتمسكة بالاشتراكية أو بعضها، خصوصًا، في مجال الرعاية الصحية، تشهد أقل معدلات الإصابة والوفيات عدة مرات.

تاسعًا، أمريكا تغادر، الصين قادمة. تقود أمريكا عالمًا قائمًا على التخمين والحرية. عالم الصين قائم على الأرقام والضرورة. تأسس الغرب على أسطورة الوجود، ويستند العالم الجديد إلى أسطورة القدر. الحضارة القائمة على التخمين مستعدة للتخلي عن دور الإنسان في الاقتصاد، لكنها لا تستطيع التخلي عن الذاتية التي تكشف الحاجة إلى العمل من خلال الحرية؛ إذ لا يمكن فصل الوعي عن الإنسان!

شكل فيروس كورونا هجومًا وقحًا ومفاجئًا على الإنسان وتسبب له بمصيبة مهولة. ثمة مقاومة؛ حرب بكل ما فيها من حشد وإخلاص وتضحية.. لا أحد يعرف إلى أين سيقود هذا الطريق، لكن من المنطقي السير في طريق جديد إذا كان الطريق القديم أفضى إلى كومة أنقاض.