Menu

بومبيو في محتشدات الاستيطان

عبد الحسين شعبان

خاص بوابة الهدف

أجرى مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي جولة في مستوطنات الضفة الغربية الفلسطينية والجولان السوري المحتلّين في زيارة غير مسبوقة قام بها. وكشفت منظمة "إسرائيلية" عن مخطّط استيطاني جديد في القدس ، الأمر الذي أثار حفيظة الرأي العام الفلسطيني والعربي والدولي الذي اعتبر الزيارة سابقة خطيرة، وأن إدارة ترامب أصبحت "شريكاً أساسيًّا" للتوسّع الاستيطاني والاستيلاء على المزيد من الأراضي.

جدير بالذكر أنّ الرئيس دونالد ترامب وصف المستوطنات "الإسرائيلية" بأنّها "شرعيّة"، وأنّ من حقّ الحكومة "الإسرائيلية" تشييدها حيثما تشاء، بل أنّ من حقّها أن تقوم بتوسيعها وأن تزيد مساحتها وتُحسّن خدماتها، لأنها تخضع للسيادة "الإسرائيلية"، وذلك استخفافًا بالمشاعر الفلسطينيّة والعربيّة والإنسانيّة، خصوصاً بأصحاب الأراضي الذين يُحرمون من الدخول إليها بعد مصادرة سلطات الاحتلال لها وطردهم منها.

وتأتي هذه الزيارة مترافقة مع الذكرى الـ32 لإعلان "وثيقة استقلال دولة فلسطين" التي صدرت عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشر في الجزائر (15 نوفمبر/تشرين الثاني/1988)، تلك التي خطّها يراع الشاعر محمود درويش بلُغتِهِ المتميِّزة وصوته الشفيف ورمزيّته الكبيرة، وفي ظل قيادة الزعيم الكاريزمي ياسر عرفات، وقد نالت فلسطين عضويّة الأمم المتحدة بصفة مراقب (في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2012)، إضافةً إلى عضويّة العديد من المنظمات الدوليّة، بما فيها الانضمام إلى ميثاق روما "المحكمة الجنائيّة الدوليّة".

إنّ زيارة بومبيو إلى مستوطنات الضفّة الغربية والجولان السوري المحتلَّين ليست استفزازًا للشعب العربي الفلسطيني وحده، بل إنّها استفزازًا للأمم المتحدة أيضًا، حيث تعتبر "الشرعيّة الدوليّة" أنّ المستوطنات في القدس والضفّة الغربيّة والجولان هي "مستوطنات غير شرعيّة" وأنّ على تل أبيب تفكيكها والانسحاب منها، ولعّل القرار 2334 (الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول/2016) المتعلّق بوقف الاستيطان على نحوٍ فوري وكامل باعتباره غير شرعي وغير قانوني، هو دليل جديد على بطلان إجراءات "إسرائيل" وحُماتها، وكان المجتمع الدولي قد دعا "الحكومة الإسرائيليّة" إلى الامتثال لهذا القرار والقرارات ذات الصلة المتعلّقة ببطلان ضمّ القدس (القرار 478 العام 1980) ومرتفعات الجولان (القرار 497 العام 1981) (المقصود قرارَي مجلس الأمن)، إلّا أنّ زيارة بومبيو وهي الأولى من نوعها ستكون بمثابة تزكية وتأييد لـ"إسرائيل" لتتمادى في استخفافها وازدرائها لقرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

لقد حاول مايك بومبيو استباق الأحداث بزيارته إلى الضفة الغربية والجولان قبل أن تنتقل مفاتيح البيت الأبيض من إدارة ترامب الى إدارة جو بايدن (20 يناير/كانون الثاني/2020) فيما إذا حُسم أمر الخلاف بشأن فوز الأخير وهو أمرٌ يكاد يكون محسوماً، على الرغم من طعون الحزب الجمهوري وإدارة ترامب بزعم حدوث عمليّات تزوير غيّرت من النتائج.

جوهر الزيارة يتركّز حول إيفاء إدارة ترامب بالوعود التي قطعتها بشأن صفقة القرن التي أعلن عنها (في 28 يناير/كانون الثاني/2020) لمصلحة "إسرائيل" ولدعم إدارة رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو الذي يتعرّض إلى ضغوط لإقالته أو حتّى محاكمته وسجنه لاتّهامه بالفساد.

إنّ زيارة بومبيو هي لقطع الطريق على الحزب الديمقراطي من تغيير أولويّاته إزاء تل أبيب، خصوصًا وأنّ سياسته كانت تقوم على حلّ الدولتين والدعوة إلى تفكيك المستوطنات (على الأقل وقف بنائها) والانسحاب من الضفة الغربية، وتأتي هذه الزيارة خلال فترة الـ60 يومًا الباقية لإدارة ترامب، حيث تعتبر دعماً وإلتزاماً جديداً لـ"تل أبيب" من جانب واشنطن ووفاءً بوعودها وتعهّداتها، ابتداءً من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، ومرورًا باعتبار الجولان جزء من "إسرائيل" بزعم "الأمر الواقع" ووصولاً إلى تأييد رغبتها في وضع اليد على غور الأردن وشمال البحر الميّت.

وكان نتنياهو قد قام بتكريم ترامب في العام 2019 بوضع الحجر الأساس لمستوطنة حملت اسمه في مرتفعات الجولان (16 يونيو/حزيران/2019)، وقد قال بومبيو في تغريدة له على حسابه في "تويتر" (28 أكتوبر/تشرين الأول 2020): "المستوطنات لا تنتهك بالضرورة القانون الدولي" وذلك بعد إلغاء وزارة الخارجية الأمريكية رأيًا قانونيًّا صدر عنها في العام 1978 يقول "المستوطنات غير متوافقة مع القانون الدولي".

وكان من ضمن برنامج بومبيو زيارة مستوطنة "بساغوت" في مدينة البيرة (محافظة رام الله)، حيث قام باحتساء النبيذ المعتّق في أحد مصانعها التي يمتلكها أحد المستوطنين الأمريكان المؤيّدين للحزب الجمهوري وهو من الداعمين لحملة ترامب الانتخابية، وكذلك زيارة الجولان التي سبق لترامب أن أعلن أنها جزء من "إسرائيل" وتخضع للسيادة "الإسرائيلية"، وذلك تزكية لجريمة الاحتلال واغتصاب الأراضي بالقوّة بالضدّ من ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي التي لا تقرّ الاستيلاء على الأراضي المحتلّة عن طريق الحرب والحصول على مكاسب سياسيّة بسببها.

الزيارة في أبعادها السياسية تستهدف زرع ثقافة الاستيطان باعتباره أمرًا واقعًا كجزء من صفقة القرن ومحاولة لإخراج القدس من دائرة التفاوض، واعتبار قضيّة حقّ العودة مجرّد حلّ أمني للاجئين، وعلى المستوى المباشر تقديم دعم لا محدود لنتنياهو، وهو أمر يرفضه الفلسطينيون شعبًا وقوى ومنظماتًا ومجتمعًا مدنيًا وسُلطة وطنيّة.