Menu

حول التطبيع وقصة السلام الحزينة

مصطفى ابراهيم

أظهر التطبيع الإماراتي الإسرائيلي معدن الشعوب العربية والمغلوب على أمرها، والمقموعة من أنظمة الفساد والاستبداد التي تحاول الأنظمة الاحتماء بإسرائيل للحفاظ على أنظمتها ومصالحها. إسرائيل لا تترك فرصة لكي الوعي العربي وصناعة قصص وهمية، حتى لو كانت سرقة صورة، كما حاولت مع أسطورة الكرة المصرية محمد أبو تريكة قبل عامين في بطولة كأس العالم في روسيا، حيث صور مشجع إسرائيلي نفسه مع أبو تريكة، لاستغلالها وإيهام نفسها بتهافت العرب على التطبيع معها.

وعلى الرغم من الزخم الذي تحاول صناعته، إلا أنها لا تزال تشعر بالإحباط من رد الشعوب العربية على تطبيع الإمارات والبحرين و السودان ، وتحاول أن تصنع من التطبيع مع الإمارات التي أصبحت عاصمة للتطبيع مع إسرائيل، بل تجاوزته بعقد تحالف مع إسرائيل واستقبال؛ غلاة المستوطنين لعقد شراكات تجارية، برغم من مقاطعة دول أوروبية لبضائع المستوطنات.

تعاند الشعوب العربية إسرائيل، وترفضها تماماً، وهذا ما عبرت عنه انتفاضة أهل بلاد النيل لمجرد نشر صورة للفنان محمد رمضان مع المغني الإسرائيلي عومير آدم في دبي، وتعبيرهم عن الغضب الكامن في نفوسهم، ضد أي شخص قد يحاول المس بالقضية الفلسطينية، ويحاول التطبيع مع إسرائيل.

وفي تقرير نشرته ريشت "كان" الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني قالت فيه: لا يزال من الصعب ألا تتأثر أنه بعد 41 عامًا من السلام - التطبيع بيننا وبين المصريين بعيد عما كان متوقعًا؛ ربما تكون الروابط في البرج العاجي أقوى من أي وقت مضى في مجالات الأمن والاستخبارات، لكن بينما في الإمارات بعد ثلاثة أشهر من إعلان التطبيع، تقف المنتجات الإسرائيلية ذات العلم الأزرق والأبيض بفخر في الأسواق، في مصر لا يزالون يتعاملون مع مسألة ما إذا كان الممثل يعلم أنه تم تصويره مع إسرائيلي أم لا، وهي تحكي القصة الحزينة الكاملة للسلام الشعبي بين الدول.

وكان معهد أبحاث الأمن القومي في إسرائيل نشر تقرير حول ما يسمى الحب الوهمي، وتضليل السعودية والإمارات والبحرين حول التطبيع، وإغراق شبكات التواصل الاجتماعي بالتعبير بتعاطف والمودة مع إسرائيل، في الدول الثلاثة المذكورة بعد اتفاق السلام، كما ذكرت الباحثة في المعهد أوريت بيرلوف، التي قامت بتحليل العشرات من هذه المنشورات وفحص مدى صحتها، ولماذا يدير أشخاص ما هذه الحملات تبين أنها غير حقيقية، وشعوب كانت تكره إسرائيل فجأة، أصبحوا يحبون إسرائيل، هذا حب غير حقيقي، هم ينظمون حملات رسمية حتى قبل التوقيع على اتفاقية السلام؛ حملات كبيرة جندوا خبراء وحملات تقف خلفها الحكومات.

وتضيف، مثلا في الإمارات تقوم وزارة الخارجية ومكتب الأمير ولي العهد وأشخاص جندوا لفعل ذلك، هؤلاء أشخاص حقيقيين استلموا وظائف رسمية وبأجندة بنشر البوستات وإرسال قلوب وحب. لذا يجب أن يعرف الإسرائيليون أن كل هذا الحب والصور والقلوب هي غير حقيقية وهناك أشخاص يديرون الحملات.

الشهر الماضي نشرت صحيفة "هآرتس" خبر عن تقرير تم إعداده في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، أفاد أن 90% من المنشورات في الشبكات الاجتماعية باللغة العربية كانت "سلبية" تجاه اتفاقي تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين.

وأظهرت المعطيات أن الغالبية الساحقة من مضامين المنشورات عبرت عن "مشاعر سلبية" تجاه تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج. وقال التقرير إن أكثر من 100 مليون مستخدم في الشبكات الاجتماعية، اطلعوا على وسوم بارزة، مثل "التطبيع خيانة" و"بحرينيون ضد التطبيع".

قصة السلام مع العرب حزينة، ومحاولة وزارة الخارجية الإسرائيلية والناطق باسم الجيش الاسرائيلي باللغة العربية كانت قصتهما أكثر حزناً، وطريقهما قصرت الطريق إلى عاصفة المصريين في اشتعال الردود ونقد محمد رمضان والدعوة لمقاطعته، رغم كل محاولاته وادعائه عدم معرفته مع من تصور.

وعلى الرغم من توقيع اتفاقيات التطبيع مع بعض الانظمة العربية وادعاءات نتنياهو بأن القضية الفلسطينية بقيت في الخلف، يحذر مسؤولين أمنيين إسرائيليين من أن القضية الفلسطينية موضوعة أمام إسرائيل كقنبلة موقوتة، ويحظر الاعتقاد أن العالم العربي يتجاهل القضية الفلسطينية فجأة؛ فالقضية الفلسطينية هي القاسم المشترك الأدنى للعالم العربي كله.

الطريق طويل، والأنباء الواردة عن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السعودية أول أمس تبعث على الاحباط، وقذارة بعض الأنظمة العربية وتماهييها مع دولة الاستعمار الاستيطاني، لكن ما جرى مع محمد رمضان ورد الفعل المصري والعربي، يجب أن يعجل من بذل جهد أكبر من الفلسطينيين للتصدي للتطبيع وللأنظمة المطبعة، والتي مهدت لها إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب الطريق، ولن تعارضه إدارة الرئيس الامريكي القادمة برئاسة جو بايدن.

من الواضح العجز لدى المؤسسات الرسمية الفلسطينية، وعدم قدرتها على التواصل مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الشعبية العربية، ومطلوب من النقابات المهنية الفلسطينية ونقابة الصحافيين واتحاد الكتاب والفنانين وغيرهم، والخروج من الاحتماء بعباءة السلطة والقيام بدورهم الوطني والقومي لمواجهة التطبيع ودعم حركة المقاطعة والمشاركة في كل فعالياتها.

ويبقى الحل في الوحدة الوطنية الحقيقية الفلسطينية، وإنهاء الانقسام واعادة بناء والاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير للقيام بدورها في هذه المهمة في ظل هذا الوقع العاجز.