Menu

أكثر من عام على عمليّة عين بوبين الفدائية

- الصورة للبطل سامر العربيد في تشييع الشهيد القائد ابو علي مصطفى.

بقلم: مالك أبو الهيجاء

يثبت العقل الثوري العلمي قدرته الكبيرة بالاستحواذ على عنصر المفاجئة، المفاجئة خارج حسابات المنطق العسكري الرسمي والخوارزميات الأمنية الدقيقة. ليس خافيّاً على أيِّ شخصٍ خاض تجربة العمل التنظيمي في حزبٍ يساريّ، أو خاض في قراءة الأدبيات الماركسيّة، أن للماركسيّة أداةٌ تحليليّة تدعى الجدل (الديالكتيك المادي) ولهذا الجدل قوانينه ومحدداته، من امتلكها علميّاً وعمليّاً واخضعها للتجربة والبحث استطاع ان يلامس جزءاً من الواقع واستشرف للمستقبل (وحدة صراع الأضداد) هو أحد هذه القوانين التي تحكم الجدل المادي، وتفسير هذا القانون يرتبط بقراءة مآلات الصراع الحتمي لمتناقضين؛ ظروفه وحيثياته، تاريخه وحاضره؛ وهذه الاضداد تقود لديمومة حركة الحياة\الصراع واستمراريتها، أي تطورها. فيما يخص عملية عين بوبين الفدائيـ.ـة؛ يحكم ظروف العمليّة ثنائيّة (الممكن-المستحيل)؛ ممكن العقل الثوري المنتمي للجغرافيا الطبقيّة للمخيمات، ومستحيل العقل الكولونيالي الذي يمتلك العلم والقدرات العسكرية المتطورين والدعم الاقتصادي والاجتماعي، المهيمن على الكمبرادور الطفيلي العميل والمنتمي للسوق العالميّة المرتبطة بالمركز الإمبريالي.
يسوّق مُدعوا الثوريّة لمواقفهم الانهزامية المتنازلة، أنهم اخضعوا تفكيرهم للظرف الموضوعي المحيط بظاهرة ما، ليقنعونا أن العلميّة الموضوعيّة تشير لصوابيّة موقفهم، بيد أن هذا هو الخطأ، فالأصل اخضاع الظرف الموضوعي للفكر الثوري الجدلي في سبيل تغييره، ليس في سبيل تسويقه كما هو! 
"عين بوبين" مثال صريح لإخضاع الظرف الموضوعي القاتم لفكر ثوري علميّ يؤمن بالأمل، وشاهد على أن عمليّة الصراع بين الأضداد لا تحتكم لمعادلة رتيبة من التطور في ظروف الصراع بين الجماهير الشعبية الكادحة وقوى الاستعمار، بل تؤكد أن الفعل الثوري يحدث في ظرف لا يمكن التنبؤ بساعة الصفر له؛ حيث يصبح (الممكن) واقعاً ملموساً وحقيقة ماثلة مسنودة بقوة التصميم الثورية، ويتراجع (المستحيل) ويذوي الى خيباته رغم قدراته العلميّة والماديّة.
لقد كان لهذه العمليّة الأثر الكبير والهام، ليس عسكريّاً وأمنيّاً فقط، بل سياسيّاً ايضاً، حيث لا يخفى على المتابع ان الاحتلال بالشراكة مع السلطة الفلسطينية منشغلون منذ ما بعد الانقسام الفلسطيني عام ٢٠٠٧ على عزل الضفة الغربية، وفرض قيود على العمل الثوري الذي كان المحرك الأساسي للانتفاضة الثانية، وعلى القيادات الفلسطينية التي كانت تدير العمل من ارض المعركة في الضفة الغربية.
لا شك أن منفذي عمليّة عين بوبين ينتمون للفهم التاريخي الكلاسيكي لحرب العصابات، ونجزم بأنهم نهلوا من تجربة الثورة الفلسطينية في مرحلة الانتفاضة الثانية، حيث كان تكتيك الابتعاد عن المواجهات الكبيرة هو أحد أهم محددات العمل، وبالمقابل الضربات المفاجئة الموجعة ومن ثم الاختفاء الكامل هي السمة العامّة للعمل، ذلك بهدف حماية مجتمع المقاومة وبيئتها الجماهيرية الحاضنة لها، وادراكاً لحجم التفوق العلمي والعسكري للعدو.
تعتبر منطقة (عين بوبين) أحد اهم المواقع بالنسبة للاحتلال على الصعيدين الميداني-العسكري والاقتصادي-السياسي فهي نقطة ساخنة تحتدم عندها المواجهات مع المناضلين، كما إنها منطقة استراتيجية على المستوى الميداني لتنقل المستوطنين، بالإضافة لكونها منطقة سياحية هامة يزورها الكثير من المستوطنين والسياح، وضبطها أمنيّاً مهم في سياق عملية تسويق "إسرائيل" للعالم، ولذلك تخضع المنطقة لرقابة أمنية عسكرية على مدار الساعة، ويشرف عليها العديد من أبراج المراقبة العسكريّة التي يعتليها قناصون محترفون، بالإضافة الى كونها منطقة مكتظّة بالمستوطنين.
في هذه المعادلة الأمنية-الديمغرافية المعقدة، نفذ سامر العربيد ورفاقه عمليتهم، جاعلين من "الممكن" حقيقة ثورية صارخة، وليس السحر الثوري في قدرة العقل المقــاوم على اخضاع الظرف الموضوعي الصعب الذي رافق تنفيذ العملية فقط، وإنما أيضاً في التجهيز للعمليّة، فإن تصنيع قنبلة بمواصفات القنبلة التي اُستخدمت في العمليّة وزُرعت تحت الماء وتم تفجيرها عن بعد، ليس أمراً يسيراً في منطقة محكمة الاغلاق كالضفة الغربية، وهذا يؤشر لبنيّة تنظيمية قويّة وصلبة لدى المنفذين.
نُفذت العمليّة وقتل وأُصيب عدد من المستوطنين الذين تواجدوا في المكان، أبرزهم حاخام صهيوني، وبدأت بعد ذلك المرحلة الأصعب؛ وهي عمليّة التمويه والاختفاء، حيث استطاع المنفذون الاختفاء والتمويه لمدة قاربت الشهرين، قبل أن يستطيع العدو الوصول لمعلومات جمعها من خلال الربط بين هذه العمليّة وعمليات سابقة مشابهة -سجلت ضد مجهول- بالإضافة لمعلومات أخرى استطاع الوصول لها من خلال استخباراته، قادته للوصول لسامر العربيد -المسؤول الأول عن العمليّة- وبدء رحلة التعذيب الوحشي للوصول لبقيّة المنفذين، بل ومن اجل تحطيمه كرمز ومحرّض جعل الـ "ممكن" واقعاً.
يعمل في الضفة الغربية الأجهزة الأمنية والاستخبارية للاحتلال والسلطة الفلسطينية على سواء، والمهمة الأبرز لهذا العمل المشترك هو التنبؤ ونسف أي عمل مقاوم قبل حدوثه، ويسهم في نجاح هذا العمل جُهدٌ رقميّ علميّ جبار تقوده مخابرات العدو بشكل مباشر، بالإضافة لجهدٍ ميدانيّ له طابع أمني عسكري تتشارك فيه السلطة الفلسطينية والاحتلال، ويعتبر ترجمةً لنتائج التحليل والتتبع الاستخباري والنفسي لعناصر المقاومة وبيئتها الحاضنة، ومحصلة ذلك اعتقال المقاومين ووقوعهم في الأسر؛ ونتيجة لهذا الواقع الأمني المعقد المفروض في الضفة الغربية -خلافاً لقطاع غزة- استطاع الاحتلال قتل الكثير من قيادات العمل الوطني، وأسر من استطاع الإمساك بهم. 
في هذا السياق، يزداد عنوان "أمن الثورة" ضروريّةً والحاحاً، وهذا العنوان كان قد طرحه الشهيد غسان كنفاني عام ١٩٧٠ لتنبيه حركة المقاومة بضرورة أخذ التهديد الاستخباري والأمني بجديّة أكبر، وكان كنفاني يستند في قراءته إلى أن الثورة تعمل خارج أرضها وبعيداً عن جماهيرها، وبشكل منفتح على كافة الجهات -الصحفيّة تحديداً- وهذا يشكل تهديداً لأمنها، ولم ينتظر العدوّ طويلاً ليثبت حقيقة هواجس غسان، ففي عام ١٩٧٢ تم إرسال طرد للقيادي الفلسطيني بسام أبو شريف وما أن فتحه حتى انفجر في وجهه، وبعد ذلك التاريخ نفذ العدو العديد من عمليات الاغتيال التي كانت تستند لجهد استخباري ومعلومات جُمعت من البيئة التي كانت تحتضن المقاومة، وكان غسان كنفاني واحداً من أولئك القادة الذين تم استهدافهم.
البناء على الجهد الذي قدمه غسان كنفاني بات مهماً جداً، فإذا كان غسان يعتقد أن وجود الثورة خارج فلسطين وبعيداً عن حاضنتها شكل خطراً كبيراً على أمنها، فإنه بالتأكيد لم يكن يعتقد -وهو المستشهد عام ١٩٧٢- أن وجود الثورة على أرضها وبين جماهيرها ضمن مقاييس اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني، لن يكون أقل خطورة، ولذلك ليس نصراً لنا كشف ظهر عناصر المقاومة ووقوعهم في الأسر، لأن هذا يعني شيئاً واحداً فقط؛ معلومات أكثر عن طبيعة العمل المقاوم وعناصر المقاومة تقع في يد العدو واستخباراته.
إن قراءة أبعاد هذه العمليّة البطوليّة يجب أن نتجاوز فيه ألق البندقية -على أهميّته- ونفكر مليّاً بألق العقل الثوري المصمم والمؤمن، الذي يستطيع أن يخلق ظروفه ويذلل العقبات في سبيل الفكرة والمشروع، رغم ضبابية المشهد الفلسطيني والعربي، ورغم السعار نحو التطبيع و "عودة" المفاوضات بين سلطة التنسيق الأمني والاحتلال، إلا أن التاريخ يعلمنا أن حركة الشعوب هي القدر المستبد الذي يغيّر كل شيء، وكل ذلك خارج حدود المنطق الموضوعي.
التحيّة لـ سامر العربيد ورفاقه، ولكل المناضلين في هذا العالم.