(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له).
رسائل وبرقيات عامي 1946 – 1948:
رسالة من الرئيس ترومان إلى الملك عبد العزيز آل سعود.
التاريخ : 13 يوليو 1946
إنني شديد الاعتزاز بروابط الصداقة، ولقد نقل إليَّ الكولونيل "إيدي" تفهمكم للمشكلة الإنسانية لليهود المشردين في أوروبا، وأريد أن أؤكد لكم بإخلاص اعتقادي بأن ذهاب مائة ألف يهودي إلى فلسطين لن يؤثر في حقوق أو مصالح العرب.
عن ألوان العلم:
العلم الإسرائيلي ورمزه، فالخطان باللون الأزرق أعلى العلم وأسفله يشيران إلى "النهرين الكبيرين" اللذين تقع الأرض الموعودة بينهما: نهر الشرق الكبير وهو "الفرات"، ونهر الغرب الكبير وهو "النيل". وذلك نص القول في "التوراة" التي كتبها حاخامات إسرائيل أثناء المنفى والسبى في بابل بعد ستمائة سنة من سقوط هيكل سليمان.
(("في ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقا: "لِنَسْلَك أُعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات" (سفر التكوين 15 : 18)).
برقية من المندوب الدائم للولايات المتحدة (أوستن) إلى وزير الخارجية التاريخ : 15 ابريل 1948.
دعاني الدكتور حاييم وايزمان ومعى السفير "جيسوب" إلى لقائه بعد ظهر أمس، وقد وجدنا أبا إيبان عنده، وقال لنا (الدكتور وايزمان) إنه لا يفهم تردد الولايات المتحدة إزاء ما يجرى في فلسطين، وهو يتساءل "ما هو مبعث التردد؟ هل هو الخوف من العرب؟ راح الدكتور وايزمان يجيب بنفسه على أسئلته قائلاً: "أما عن العرب فليس هناك داع من أي نوع للخوف منهم، فهم ضعفاء بطريقة بائسة.
وكان الواضح أن الدول العربية كلها تقصر عملياتها على الاجزاء العربية من فلسطين، ولكي تؤمنها وتحميها من إغارة القوات اليهودية عليها. وكان معنى ذلك واقعيا – وإن لم يكن قانونيا- أن الدول العربية اعترفت بقرار التقسيم وقررت العمل في حدوده.
عن الملك عبد الله و "جولدا مائير":
كانت الدول العربية قد أنشأت قيادة عليا لجيوشها تنسق استراتيجية عملها في فلسطين. وقد رئَيَ أن يتولى الملك "عبد الله" ملك الأردن هذه القيادة العليا بنفسه.
وكانت تحت القيادة العليا التي يتولاها الملك قيادة عامة للجيوش العربية أُسندت إلى اللواء العراقي "إسماعيل صفوت" باشا.
وكان "إسماعيل صفوت" باشا ضابطاً لم يَعِشْ تجربة ميادين القتال، وقد ترقى إلى رتبته الرفيعة – كما هو الحال في معظم الجيوش العربية وقتها- بحكم الأقدمية. والواقع أن "إسماعيل صفوت" باشا خسر قيادته قبل أن يمارسها. فقد حدث قبل أسبوع من بدء القتال أنه خرج من الفندق الذي يقيم فيه في القاهرة وهو فندق "شبرد" القديم ليتريض قبل أن يحضر اجتماعاً للجنة العسكرية لجامعة الدول العربية.
وبجوار سور الأزبكية شاهد اللواء "صفوت" باشا مجموعة صغيرة من المارة يلتفون حول رجل يلعب معهم لعبة "الثلاث ورقات"، ويبدو أن اللعبة أثارته فشارك فيها، وفي عشر دقائق كان اللواء "صفوت" باشا قد خسر كل ما معه من نقود وكان مبلغ 286 جنيها، ولم يكتف "صفوت" باشا بخسارة أمواله، وإنما دخل في مشادة مع لاعب "الثلاث ورقات" وصلت إلى قسم بوليس الأزبكية، وتعطل القائد العام للجيوش العربية عن حضور اجتماع اللجنة العسكرية، وحين وصل إليها متأخراً كانت تفاصيل حادثة النصب التي وقع ضحيتها قد سبقته إلى هناك، وكانت دليل شؤم مبكر.
ومن مجمل الأوضاع وحقائقها أن الملك "عبد الله" مارس دور القائد الأعلى دون أن يكون بجانبه قائد عام ميداني ينسق العمليات بين الجبهات العربية المشتركة، وفي واقع الأمر فإن هذه المهمة انتهت بطريقة عملية إلى يد الجنرال "جلوب" باشا وإلى رئيس أركان حربه البريجادير "برودهيرست".
وطبقاً للوثيقة رقم 1248: قال المستر شرتوك "إن وزير المستعمرات البريطاني السير آرثر كريتش جونز أخبره رسمياً بأن الملك عبد الله ملك الأردن سوف يدخل بجيشه يوم 15 مايو إلى الأجزاء العربية المخصصة للعرب في فلسطين.
أضاف شرتوك إلى ذلك أن رسالة وصلته من الوكالة اليهودية في فلسطين أخطرته أن الكولونيال جولدى من هيئة أركان حرب الفيلق العربي الأردني اتصل بالوكالة اليهودية ناقلاً رسالة مؤداها أن صفقة يمكن ترتيبها بين عبد الله والوكالة، وإن الملك سوف يدخل الأجزاء العربية من فلسطين تاركاً لليهود ملكية الباقي من هذا البلد.
كان هناك مشهد أكثر غرابة يجري في عمان. فقد وصلت إلى العاصمة الأردنية السيدة "جولدا مائير" (وزير الخارجية ورئيسة وزراء إسرائيل) مندوبة عن الوكالة اليهودية، وكانت متخفية في زي رجل بدوى لموعد مرتب مع الملك "عبد الله" ملك الأردن.
وفي الواقع فإن سفرة "جولدا مائير" السرية إلى عمان يوم 12 مايو كانت تكملة لاجتماع غير حاسم بين الملك "عبد الله" وبين "موشى شرتوك"، وكان الاجتماع بين الملك و"شرتوك" قد جرى يوم 12 إبريل أي قبل شهر من سفرة "جولدا مائير". وفي ذلك اليوم (12 ابريل) قال الملك لخاصته إنه يريد أن يزور مقام الصحابي الجليل "أبي عبيدة بن الجراح".
ويروى اللواء "عبد الله التل" القائد الأردني لمنطقة القدس والذي جرى اللقاء في منطقة قيادته، إن الملك وصل إلى مزرعة أحد أصدقائه في منطقة الغور ثم مشى من بين الأشجار إلى مستعمرة مشروع "روتنبرج" (للكهرباء)، وهناك كان في انتظاره "موشى شرتوك" الذي دعى للغداء معه على مائدة مضيفه.
وليلة 12 مايو وصلت سيارة يقودها أحد رجال الملك إلى منطقة الغور وإلى نفس المزرعة التي تم فيها لقاء الملك مع "شرتوك" قبل شهر. وفي الساعة التاسعة كانت "جولدا مائير" ترتدي الكوفية والعقال وعباءة فوقها وتدخل إلى خلفية السيارة، ثم تتوجه مباشرة من هناك إلى بيت للملك على أطراف عمان.
وتعهد الملك "ألا يحدث صدام بين جيشه وبين الجيش اليهودي"، وأن يقف الجيشان في الحدود التي رسمها التقسيم "وقبلت "جولدا مائير".
- مصر -
المشروع الصهيوني المتكئ أساساً على استراتيجية عزل مصر عن الشام، يواجه في المحصلة الأخيرة طاقة مصر التاريخية بثوابتها، وإمكانيات مصر المعاصرة بكل ما يعتريها من عوامل النهوض أو عقبات التعثر أو عوارض الانكماش والتراجع.
وإذا صح –وهو صحيح- أن فلسطين هي الجسر الذي يربط مصر وسوريا.. وإذا كان لازماً وقد رآه "نابليون" و"بالمرستون" ومن بعدهما لازماً – أن يتحول الجسر إلى حاجز- إذن فإن مكمن الخطر الوحيد على هذا الحاجز هو في مصر، فهي في الشرق كتلة إنسانية متماسكة وراسخة وقادرة بالكم الموجود، وبالكيف المحتمل، على عرقلة المشروع اليهودي في فلسطين بمقاومته، أو التصدي له ومحاربته.
وعلى العكس من الكتلة الإنسانية المصرية في الجنوب، فإن الشمال والشرق من حول فلسطين كانا أقل تماسكاً من ناحية الكم ومن ناحية التباين الطائفي والمذهبي – وأحيانا العرقي- بما يسمح بوجود حالة من الخلخلة يسهل على المشروع الصهيوني استغلالها والنفاذ من ثغراتها المفتوحة.
هكذا فإن حسابات المشروع الصهيوني في فلسطين كانت تولى اهتمامها الأول لسياسات القوى العظمى الحاكمة في المنطقة، ثم يلي ذلك مباشرة على أرض الصراع نفسها الاهتمام بمصر.
لم يكن كثيرون يعرفون أن "دافيد بن جوريون" – وهو المؤسس الفعلي لمشروع الدولة اليهودية في فلسطين – يكتب يومياته بانتظام، ولا يأوى إلى فراشه في الليل مهما تأخر به السهر، حتى يخط بقلمه وقائع ما عاشه طوال النهار.
- من يوميات بن جوريون-
وهكذا فإن كتابات "بن جوريون" عن الحوادث في وقت جريانها تعطى الآن صورة مدهشة للطريقة التي كانت القيادة اليهودية فيها تدير عملياتها على الجبهات الثلاث: أمريكا – وفلسطين ذاتها – ومصر.
الاثنين 1 ديسمبر 1947 – القدس
في الثالثة من بعد الظهر اجتمعت إلى المندوب السامي (الجنرال ألن كاننجهام). سألني هل سعدت بالقرار (قرار التقسيم)؟ قلت له إنني بعد صدور القرار أجدد الدعوة له ولحكومة جلالته إلى الافتراق بطريقة ودية، قلت له عندي مجموعة من القضايا:
"إنكم تقومون بتصوير وثائق ملكية الأراضي نريد نسخة واحدة لنا". أجاب على الفور: "ستبقى الوثائق كلها في مكانها لمصلحة السكان" سألته: "هل يمكن استخراج نسخة لنا؟ قال "سيسأل".
انتقلت إلى القضية الثانية، وهي مخزون المواد الغذائية، ونظرا لأننا لا نعرف ما يمكن أن يحدث فإننا نريد إعداد مخزون كبير، ونريد استيراد كميات من المواد الغذائية خصوصا الدقيق والسكر.
قلت له أيضا في ضوء الوضع الجديد إننا نريد إقامة إذاعة مستقلة في تل أبيب. قال: إن العرب لم يتقدموا بمثل هذا الطلب. قلت: لا ينبغي أن نعاقب لأن العرب لم يطلبوا، وعلى أي حال لا يهمني إذا أقيمت في نابلس إذاعة عربية. قال إنه سينظر في الأمر.
11 ديسمبر 1947
(المهندس حاييم سالفين، وهو أحد مؤسسي الصناعات العسكرية في إسرائيل) أبلغني: سينتهي هذا الأسبوع تصنيع 2000 رشاش يدوي – وفي هذا الشهر يتم إنتاج 250 ألف طلقة- استأنفوا إنتاج مدفع هاون 3 بوصة – ينتجون 5000 ستن (رشاش يدوي) – على وشك الانتهاء من إنتاج 60 ألف قنبلة ميلز – سنحصل من أمريكا على 5 أطنان بلستيد، ومن إيطاليا على ثلاثة ونصف.
يتطلب صنع مليون طلقة بندقية 2 طن من البلستيد. سيصل من إيطاليا ثلاثة أطنان وربع T.N.T (ديناميت)، وسيصل من أمريكا 250 طناً.
شلومو جور أبلغني أن مصنع الكوريت سيبدأ العمل في أواخر ديسمبر، وخلال يناير ينتجون 3 أطنان، وبعد ذلك 4 أطنان كل شهر.
مصنع القنابل المسيلة للدموع أعطى إنتاجه لهذا الشهر لرجال القدس. يفرغون الشهر القادم من صنع 6 آلاف قنبلة رتبوا طاقة إنتاج ثلاثة آلاف لغم يومياً.
عزرا دانين لا يقبل فرضية إلياهو ساسون بأن المعارضة للقيادة العربية قد اختفت، إنها قائمة تنتظر زوال ثورة الغضب.
إن قواتها كطابور خامس في المعسكر العربي لا تزال قائمة كما هي. الملك عبد الله لن يخضع لضغط الجامعة العربية، القاوقجي قائد جيش الإنقاذ يريد الاجتماع إلى ممثلين عنا.
وصل من ايطاليا 500 رشاش، و 170 بندقية ألمانية، وربع مليون طلقة 303، و 300 ألف طلقة 9 ملم، و 300 ألف طلقة من عيارات صغيرة للمسدسات، إضافة إلى كمية من أمشاط الذخيرة لرشاشات البرن، وأجهزة بصرية.
الاثنين 22 ديسمبر 1947 - القدس
نحن نتنصت على المكالمات الهاتفية للهيئة العربية العليا، والمسجد (الأقصى)، والدكتور الخالدي وعدد آخر، يبدو أن عالم الاجرام يتجمع هناك، يتضح من المكالمات أنه لا يوجد تنسيق بينهم.
تايجر يبلغ من جنوب أفريقيا اتفاقا على تدريب عشرين طياراً وملاحاً في جنوب أفريقيا، وخمسة عشر ميكانيكياً مهمين بالنسبة لنا لأنهم خدموا في الطيران خلال الحرب (العالمية).
الساعة الثانية عشرة والربع عاد ساسون بعد أن قابل مندوبا ًعن الملك عبد الله. الملك قال له: قل لهم الجامعة ليست جامعة والقرارات ليست قرارات.
ونقلاً عن الملك فقد طرحوا في الجامعة مشروع قطع العلاقات مع الغرب كلام فارغ هل ابن سعود سيقطع علاقاته مع الأمريكيين؟ كل واحد في العالم العربي يزايد على الآخر.
حتى العراق وشرق الأردن طالبا بقطع العلاقات، شرق الأردن طالب بالخروج من الأمم المتحدة.
البيان الذي صدر بعد انتهاء اجتماعات الجامعة كان موجهاً لتغطية الفشل العربي.
مصر أعلنت صراحة أنها لن تقدم سوى المال والدعاية والعمل السياسي، لكن لا سلاح ولا جيش. ربما تسمح لمتطوعين. لبنان قال إنه لا يستطيع تقديم أكثر من 500 بندقية، سوريا لها حسابات أخرى.
ساسون سأل مندوب الملك عن الفيلق العربي (الأردني)، اجاب: الملك يطلب أن تثير صحافتكم ضجة في شأن الفيلق العربي وتطالب بنقله من مواقعه، وفي هذا الوقت تجنبوا الاشتباك معه. واطمئنوا، فالسيطرة على الفيلق هي في يد الإنجليز.
الخميس 1 يناير 1948
هذا الصباح زارني في منزلي وفد من جمعية الجنود المسرحين يريدون أن يخدموا معنا ويتساءلون لماذا لم يتم استدعاؤهم.
17 يناير 1948
قواتنا في النقب الآن 1200 مضافاً إليها 500 فرد في وحدات متنقلة. لا بد من تحصين النقب وإنشاء مستوطنات مؤقتة فيه حتى على أرض ليست لنا (النقب ملاصق لمصر). إذا لم نحتفظ بصحراء النقب فإن تل أبيب لن تصمد، النقب مهم لإيلات.
19 يناير 1948
مندوبنا عاد من مقابلة مع الملك عبد الله، الملك طلب أن نحصل له على دعم من أمريكا، وفوضنا أن نقول للأمريكان باسمه إنه موافق على التقسيم، ولا يريد أن يكون مرتبطاً بالإنجليز وحدهم، أبلغنا الملك أننا سنؤيده وسنساعده في الحصول على قرض لتطوير دولته كلها، وسنعطيه بأنفسنا من أموال الدولة اليهودية.
الجمعة 13 فبراير 1948
يظهر أن النقب سوف يكون الموضوع الأساسي الآن حتى في نظر الأمريكيين، لا يريدون أن يتسلم اليهود النقب.
7 مايو 1948
جلسة مع القيادة. ييجال يادين – ييجال آللون، مناقشة الوضع العسكري في كل البلد، قرار بإرسال وحدة استطلاع إلى مصر، لابد من مراقبة حركة السير على كل الطرق المصرية الواصلة إلى سيناء.
13 مايو 1948
النقب مهم، بحثنا هل يجب الاستيلاء الآن على بئر السبع، وهي خارج حدود الدولة بمقتضى خريطة التقسيم؟ اتجاه المعارك هو الذي سيقرر ذلك.
24 مايو 1948
إذا تجرأت مصر على مواصلة القتال سنقصف بورسعيد والإسكندرية والقاهرة. وهكذا سننهي الحرب وسوف نصفي حساب أجدادنا مع مصر ومع آشور ومع آرام.
ففي حين وضع العرب على كل جبهاتهم (في فلسطين عام 48) ما يصل إلى 37 ألف جندي، فإن الوكالة اليهودية في فلسطين تمكنت من حشد 81 ألف مقاتل.
وكان معظم ضباط الجيش الإسرائيلي ممن سبقت لهم الخدمة في جيوش الحلفاء أثناء الحرب، وكذلك كان حال كثيرين من جنودهم.
وكان الحال نفس الشيء فيما يتعلق بالسلاح والعتاد. وفي الطيران مثلاً كان لدى العرب مجتمعين ما لا يزيد عن 30 طائرة، في حين تمكنت الوكالة اليهودية في بداية شهر يونيو 1948 من أن تصل بعدد ما لديها من الطائرات إلى 78 طائرة.
وكان الفارق بين الأداء العسكري للعرب واليهود موضوع متابعة دقيقة في عواصم مختلفة، وكانت واشنطن أولها.
وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي أنشأها "ترومان" حديثاً هي أنشط الأجهزة الأمريكية التي ركزت على الشرق الأوسط. ويوم 27 يوليو كتبت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقريراً عن مسار الحرب (وثيقة رقم 48) وجهته إلى مكتب الرئيس "ترومان" وإلى وزير الدفاع، جاء فيه:
"إن المعارك التي تجرى الآن أصبحت في جزء كبير منها معارك شكلية تتمثل في اشتباكات عشوائية وإن كانت متلاحقة. وبالتأكيد فإن إسرائيل نجحت في هذه المعارك، وطبقاً لكل المصادر المتاحة لنا فإن اليهود أثبتوا قوتهم، مما يسمح لهم الآن بتوجيه ضربة واسعة النطاق لإخراج القوات العربية من فلسطين.
إن القوة اليهودية فاقت كل التوقعات السابقة، ومن الملاحظ أن هذا البلد الناشئ الصغير استطاع من الناحية التنظيمية أن يتفوق على دول أكبر منه وذات أوضاع مؤسسية أقدم.
ويكفي لبيان ذلك دراسة التقديرات التالية لحجم القوات التي استطاعت الدول العربية حشدها من جانب، واستطاعت دولة إسرائيل حشدها من جانب آخر:
| قوات | لها في فلسطين | لها بالقرب من فلسطين | المجموع |
| الأردن | 6000 | 4000 | 10,000 |
| العراق | 9000 | 1000 | 10,000 |
| مصر | 5000 | 8000 | 13,000 |
| سوريا | 1000 | 1500 | 2,500 |
| لبنان | - | 1800 | 1,800 (يدخل في الحساب قوات الداخل اللبناني |
| المملكة العربية السعودية | 3000 | - | 3,000 |
| قوات متطوعين من جنسيات عربية مختلفة | 3000 | 3500 | 6,500 |
وبهذا يكون مجموع القوات العربية في فلسطين 27,000 وبالقرب منها 19,800، والمجموع كله 46,800.
وأما فيما يتعلق بحجم القوات الإسرائيلية، وكلها داخل فلسطين، فهي على النحو التالي:
| قوات ضاربة متحركة | 17,000 |
| قوات نصف متحركة (للعمليات المحلية) | 18,000 |
| قوات جيش الدفاع | 50,000 |
| قوة الأرجون | 12,000 |
| قوة جماعات شتيرن | من 400 إلى 800 |
وهكذا فإن الولايات المتحدة، إلى جانب أي ارتباط عاطفي أو سياسي اكتشفت باختبار علمي أن القوة الحقيقية يمكن أن يكون لها حساب يختلف عن حسابات الأعداد والأحجام! في منطقة مزدحمة بالمصالح الأمريكية.
أعطى "بن جوريون" أوامره بتركيز المجهود العسكري الإسرائيلي على النقب بقصد احتلاله وإخراج الجيش المصري منه، كانت منطقة النقب من الناحية الجغرافية أشبه ما تكون بمثلث مقلوب، رأسه إلى أسفل تستند على إيلات في الجنوب، وقاعدته إلى أعلى تمتد بضلعين نحو الشمال بين "بيت جبرين" و"المجدل".
وكان الطريق من "بيت جبرين" إلى "المجدل" يرتكز على المحور الاستراتيجي الذي تمثله "الفالوجا" و"عراق المنشية" و"عراق سويدان"، وكانت هذه المنطقة في مسئولية الكتيبة السادسة مشاة التي يقودها الأميرالاى "السيد طه" وضابط أركان حربه المسئول عن التخطيط والعمليات وهو الصاغ (الرائد) "جمال عبد الناصر".

