Menu

بين الثقافة والسياسة

وليد عبد الرحيم

وليد عبد الرحيم

خاص بوابة الهدف الاخبارية

ثباتُ الموقف يتطلب رؤية راسخة تُنتج أرضية، لا عناداً لفظياً، تلك بديهية تتطلب ثقافة بمفردات عميقة، لا خطاباً رناناً سطحياً!

من خلال متابعة المقولة وتجارب الماضي والراهن بمناحيه المختلفة، نجد أن التجديد بحد ذاته ليس غاية، بل وسيلة لتحقيق فكرة تُنتج واقعاً أفضل، وهو ما لم يكترث الفلسطينيون لفحواه كما يجب، فالعناد والتكلُّس الخطابي - كما ثبت بالتجربة الواسعة المريرة- قد يحمل في طياته تغطية تُظهر عكس ما يُراد من مفردات التلحين السطحي الخطابي، وهو ما أثبتته التجربة بخاصة خلال سنوات ربع القرن الأخيرة.

التجديد السياسي خلال نهاية الثمانينات، والذي أسسته ثم تبعته منظومة ثقافية، كإعلان الاستقلال، ثم مدريد فأوسلو، خلق حالة رجعية، لا حالةَ تقدُّم في فصول القضية، لسبب بسيط وذي نتائج خطرة، وهو أن الرؤية لم تكن عميقة مدروسة كفايةً؛ أعني رؤية "عملية السلام" ذلك أن أية رؤية لا تنتج عن عمق ثقافي معرفي قد تكون جديدة "عصرية" نعم، ولكنها بالضرورة مدمِّرة أيضاً.

الثورات الفلسطينية المتعاقبة والهبَّات والانتفاضات فشلت جميعها لهذا السبب، وكانت كلها تبدو جديدة من حيث الشكل في حينها، لقد حملت جميعها بذور خسارتها معها؛ بسبب الاستعاضة عن الرؤية بالخطاب، وعن الثقافة بالمقولة والشعار.

ثمة فارق هائل بين أن تنادي بتحرير فلسطين وأن تعمل لتحريرها، في الحالة الأولى تصرخ، وفي الثانية أنت تفكر، وخلال مسيرة قرن من الكفاح والنضال؛ برزت أصوات مهمة عديدة تطالب بذلك، لكنها بقيت أصواتاً محدودة التأثير لم تُسمع أمام صخب الخطاب الحماسي.

لربما كانت إحدى إيجابيات أوسلو السيء عموماً، هو أن الفلسطينيين بدأوا يحاولون إيجاد صيغ ما على الأرض؛ صحيح أن الأمر لم يكن مكتمل الصورة لأسباب تتعلق بالفعل قبل التحضير، حتى البرنامج المرحلي لم يكن برنامجاً بالمعنى الفعلي، بل مجموعة صياغات لفظية أكثر أناقة من صراخات الكفاح المسلح، وأقل تعبيراً عن التقهقر.

بغض النظر عن أوسلو "موافقته أو رفضه"، فقد حقق دخول الفلسطينيون مباشرة في أدق تفاصيل القضية، وصحيح أنه نتج عنه كل ما هو سيء، لكن العبرة في أنه ينبغي الذهاب إلى تقييم النتيجة الكارثية له، في الوقت ذاته الاستفادة من التجربة، ذلك أن النسق الرسمي الفلسطيني مستمر في نهج عدم الاستفادة من حقول تجاربه.

اليوم هناك من ينادي - بعد كل هذه التجربة الانحدارية – بعملية سلام أو اتفاقات أو تفاهمات لا تستند إلى فعل وواقع القوة، هذا يبدو سطحياً وساذجاً؛ فالعدو لا يريد "سلاماً" بنفس الدرجة التي لا يريد فيها حرباً، ولذلك هو متخبط يدعو للسلام في لحظات التصعيد، ويمارس التصعيد في أوقات السلم، تلك هي شيزوفرنيا السياسة الصهيونية، وهي شيزوفرينيا القيادة الفلسطينية.

لم يكن الحكيم جورج حبش مخطئاً على الإطلاق، عندما شدَّد على أهمية دور الثقافة الفردية والمجتمعية، بل جعلها من أول الثوابت، ويمكن أن نضيف هنا أن حدود الوطن الحقيقية لا تكمن في الخريطة السياسية، بل في عمق التاريخ وتجليات الثقافة، ولهذا نعتقد، بل نشدّد على أن قضية فلسطين ومصير ومسار شعبها قضية ثقافية أخلاقية إنسانية، ذات تجليات سياسية وعسكرية واقتصادية، وليس العكس.

لم ترتقِ القضية ومفرداتها عالمياً إلا عبر ثقافة ثورية علمانية تجلت بناءً عليها أساليب وحالات نضالية كظاهرة الكفاح المسلح مثلاً، وظاهرة وديع حداد و غسان كنفاني "التمدد عالمياً"، حيث لم ينشأ ذلك بفعل شعاراتية أو خطابية صُراخية، بل كنتاج لمنظومة معرفية ثقافية استثنائية بلغت حد العبقرية عند هذا النهج الواقعي تماماً، وليس كما يدعي البعض! لا يحمل الأمر هنا إهانة للمنظومة السياسية، بل إظهاراً للدور الأهم للمنظومة الفكرية والثقافية التي تُنتج منظومة وأدوات سياسية، لا العكس كما حدث مع الثورة الفلسطينية التي أشهرت نفسها رسمياً عام 1965، بل ربما كانت المجموعات المسلحة "الساذجة" السابقة والقليلة التسليح أكثر قدرة على رؤية المشهد، فهي تحمل رؤية تماسكية أعمق، لكن الأدوات الفعالة المتاحة حينها كانت شحيحة.

لنعد إلى ما قبل نشوء شعار الكفاح المسلح الحديث، باعتبار أنه كان قد ولد منذ العام 1929، وتجلى في ثورة البراق التي كرَّست لأول مرة فلسفة وثقافة التضحية الذاتية في سبيل الوطن كحالة وجود تاريخية، وبالتأكيد فإن ذلك كان موجوداً قبلها، لكنه تجلى حينها كثقافة، بخاصة النضال الأسطوري العميق الثقافة وفلسفة الشهادة التي كرسها معرفياً واشتهر بها رموز ثقافية مهمة؛ مثل: محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. وقد ولد الميثاق القومي الفلسطيني والمجلس الوطني بعد جهد هائل قاده مثقفون على رأسهم المرحوم أحمد الشقيري وقادة منظمة التحرير الوليدة، وعلى أهمية ذلك؛ إلا أن حفر الأساس الثقافي الواقعي بدوره لم يكن مكتملاً تماماً، كانت هناك فكرة عظيمة، بلا تفكير وافٍ، وحميَّة وحماس فائضين بركيزة ثقافية غير كافية، من حيث تشكيل نظرية؛ إلا أن نهوض الحركة الوطنية الواسعة النطاق غطى الخلل البنيوي في أساس الحالة الكفاحية، فالنضال الشجاع وأسطورية الفدائي والتأييد الشعبي الواسع، كل ذلك ذهب هباءً بفعل هشاشة الأرضية الفكرية التي تستند عليها، وهي لذلك أيضاً بنت حالة كفاحية مميزة عبر تاريخ البشرية، لكنها لم تنتج استراتيجية، وهو ما حاوله غسان كنفاني بفردية ولم ينجح بدوره بذلك، لأن الاستراتيجية قد توضع من فرد أو أكثر، لكنها تتطلب كتلة كافية للسير بها.

هنا يبرز مثلٌ ماثل ثيودور هرتزل، الصحفي؛ ركيك الإمكانية والبنية المعرفية وخالٍ من الروح الإبداعية يكتب بعض المقالات، ثم يصدر كتاباً يتم بناءً عليه تأسيس الحركة الصهيونية التي اعتبرته حجر أساس لاستراتيجية استعمارية احتلالية واستيطانية هدفها الاستيلاء على فلسطين وبناء كيان على أرضها وهو ما تم واقعياً، أما في حين صدور كتاب هرتزل فقد تعرض للسخرية من العديد من الأوروبيين واليهود منهم، فقد كان حينها ضرباً من الخيال والوهم!

يعني كل ذلك؛ أن الأرضية الثقافية هي الأساس لأي مشروع سياسي وليس العكس، ولهذا فإن تمدد فصائل العمل الفلسطيني المسلح أو غيره؛ حظيت باحترام جماهيري بسيط وواسع، بحسب اقترابها من ذلك، لا بفعل عدد أعضائها، أو دعمها ورصيدها المالي، لأن "العامة" أنفسهم يدركون ويلتقطون ذلك، ولأن البنية التنظيمية ذاتها تحتاج ثقافة وفلسفة وفكراً؛ يضع مسارات السياسة وطرق وأساليب النضال.

هنا يجب الانتباه إلى مسألة جد مهمة، وهي أنه كلما تراجعت ثقافة وخضع مثقفو فصيل ما، خبت جذوته وسادت النزعة الفصائلية والعشائرية والشللية التي باتت ظاهرة اليوم بكل فجاجة.

التجربة الإسلاموية الفلسطينية تظهر ذلك بشكل واضح، فقد كان أي قبول بوجود العدو كفر بالقرآن الكريم، وأي دخول في المؤسسات التي نتجت عن أوسلو خيانة، لنجدها بعد سنوات قليلة تمارس ذلك، بل وتلهث خلفه، وذلك؛ بسبب شح الثقافة وبهوت المنظومة المعرفية والاستعانة بالخطاب، والتبعية للخارج في آن معاً.

البنية الثقافية هي الأرضية إذن؛ فالشكل السياسي والمنظومة والمقولة، إنما هي نتاج لذلك ليس إلا، وإن أية منظومة سياسية بُنيت لا تبني على عمق ثقافي مصيرها التقهقر ثم الفشل الحتمي، ولهذا فإن الفلسطيني اليوم مطالب بإعادة إنتاج ثقافة رؤية الوطن والشعب والقضية، وهو بذلك يبتكر طرق النجاة، وبناء استراتيجية وطنية بناءً على ذلك، وهو ما يتطلب نبذ الخطابات والشعارات السطحية، والدخول في عمق الصراع لا قشوره. لقد غابت الأخلاقيات الثورية تماماً في بعض الفصائل، وتراجعت نسبتها إلى حد كبير في الفصائل الأخرى، وذلك بسبب تراجع النظرية الثورية؛ بسبب تراجع الثقافة الثورية التجديدية وانتشار منطق التكلس والانتهازية.

إن العلاقة الجدلية التشابكية بين الثقافة والنظرية الثورية والمسلكيات الثورية لا يمكن فصم عراها. لقد خسرت المؤسسة الفلسطينية والفصائل أعداداً وطاقات هائلة من أصحاب القلم والفكر والثقافة؛ بسبب نجاح شخصيات شحيحة الثقافة في الاستيلاء على مفاصل العمل، وهذه الشخصيات كلما تكاثرت أنجزت حالة تراجعية طاردة للمثقف، وهي عن وعي لا تريده في مفاصل العمل، لأن ذلك يفضح الفارق المعرفي والأخلاقي بينها وبينه.

إن الوضع السائد إذا ما استمر على حاله سوف يودي ليس فقط ببعض الفصائل - وبعضها منتهٍ - بل قد يودي بالقضية الوطنية ذاتها.