(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل: عواصف الحرب وعواصف السلام"، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له).
مرحلة السادات:
بشكل من الأشكال فإن خيار الاتفاق مع إسرائيل جرى تصويره في ذلك الوقت وكأنه خيار معقول تستدعيه الظروف. ولم يبق غير خيار واحد هو التعامل مع إسرائيل كأمر واقع يصعب إنكاره.
وكانت الحجج تمضي أبعد من ذلك إلى قضية فلسطين، فإذا أصحاب الحجج ينسون تاريخ المنطقة وحقائقها ومستقبلها – ويركزون فقط على أنه "ما شأننا نحن بشعب فلسطين؟"
ومضت بعض الذرائع إلى أبعد: "لقد عرفنا اليهود لعهود طويلة وتعاملنا معهم، وكانوا بيننا تجارا في الموسكي والسكة الجديدة، وكانوا بالقرب منا مسالمين في حارة اليهود.
ونسى القائلون بذلك إن المسألة ليست اليهود، فاليهود الذين عرفناهم كانوا من مجتمع البحر الأبيض وثقافته، وأما اليهود الذي يواجهوننا في فلسطين فهم غرباء جاءوا من قرب البحر الأسود وما حوله.
وحين وقف الرئيس "السادات" أمام مجلس الشعب يوم 9 نوفمبر 1977 يعرض محاولات التوصل إلى فك ارتباط مع إسرائيل كان قوله: "لقد جربنا كل الخيارات، وآن أن نجرب خيار السلام"، ثم توافقت مع ذلك كله عملية أكثر خطورة، وهي عملية تطويع العقل العربي لقبول فكرة السلام مع إسرائيل، وعلى أساس الأمر الواقع.
وكانت هناك قوى كثيرة جاهزة لتدبير برامج وبنود رحلة الفكر المصري والعربي إلى عالم جديد لا يعرفونه.
وفي سنة 1974 دُعِيَ مفكرون ومثقفون عرب إلى ما يزيد عن ستمائة ندوة ولقاء فكري في امريكا وفي أوروبا، وكانت الندوات عن النظام العالمي الجديد، أو عن العلاقات بين الشرق والغرب، أو عن أزمة الصراع العربي – الإسرائيلي، أو عن التعاون في حوض البحر الأبيض المتوسط، أو عن؟ أو عن؟ مئات الموضوعات الأخرى.
وظهرت فجأة عشرات المؤسسات والمنظمات (NGO's) التي تولت أمر الرحلة الفكرية، أو السياحة الفكرية لقادة الرأي العام العربي، أو من يفترض أنهم كذلك، وكانت تذاكر السفر جاهزة، والغرف في الفنادق محجوزة، وأوراق العمل تغطي شيئاً أشبه ما يكون بالألغام المعبأة بغازات أعصاب.
وفي البداية كان هناك مشاركون من اليهود، ثم مشاركون إسرائيليون من أحزاب السلام، ثم مشاركون إسرائيليون عن الأحزاب الحاكمة، وراحت الثلوج تذوب، بل أصبح حجم الدعوات إلى الندوات الدولية الواصلة إلى أي مفكر أو مثقف عربي معياراً لقياس أهميته و"حداثته"!
كان تطويع الفكر العربي معركة من أهم المعارك في التمهيد للتسوية، ولم يكن مهماً أن يجئ السلام، وإنما كان الأهم أن تتهاوى بعض القيود التي كانت تفرضها "المقدسات: المحرمات".
{ولعل هذه قضية من أهم القضايا التي تستحق التقصي والتحليل، خصوصاً وأن هنا صعوبة في الحصول على أرقام دقيقة يمكن أن يقاس بها حجم الجهد الذي بذل في تطويع العقل العربي.
إلا أن قراءة تقارير أربع جامعات أمريكية كبرى إلى مجالس أمنائها في سنة 1984 تشير إلى أن هذه الجامعات عقدت أو شاركت في ترتيب عقد 143 مؤتمراً وندوة يتصل نشاطها بالشرق الأوسط، أو بالإسلام، أو بصنع القرار السياسي في بعض بلدان العالم العربي.
وكان متوسط تكلفة الندوة يصل إلى مليون دولار، ما بين تذاكر السفر، وفواتير الفنادق، ومكافآت المشاركين، وعمليات الطبع.. إلى آخر.
وإذا كانت أربع جامعات قد صرفت في عام واحد ما يصل إلى 140 مليون دولار، فإن حجم عملية تطويق العقل العربي – أو لالتزام الدقة حملة إعادة تركيب العقل العربي- لا بد أن تكون تكاليفها في حجم تكاليف حرب مسلحة كبرى، وإلى حد ما فإن ذلك صحيح }.
وبقدر ما كانت متغيرات الحوادث تسبق جهود الفكر – كانت الأزمة تتبدى أكثر وأكثر كل يوم.
وأخيراً زاد على الصورة أن بعض المقربين الجدد من الرئيس "السادات" خطر لهم أن لديهم ما يمكن استغلاله في تسهيل مرور تحولات واسعة في نفوس الناس وفي مجموعة ما استقر في وعيهم من قيم (بالذات في المجال الاجتماعي)، وكانت البداية عملية تشجيع للتيارات الدينية (الإخوان المسلمين) بين الشباب، قصد لها أن تتركز في الجامعات بين الشباب لكي تقدم أفكاراً قادرة على طرد أفكار أخرى (الأفكار القومية والشيوعية) ثم خرج الأمر عن نطاق صدام الأفكار، وإذا هو يصل إلى اشباك بالأيدي وبجنازير الحديد وبالسلاح الأبيض داخل حرم الجامعة (من شباب الإخوان المسلمين).
وبدلاً من أن تجري مراجعة الماضي بمعيار أنه "حيث تكون مصلحة الناس فهناك شرع الله" – على حد التعبير المأثور عن الإمام الشاطبي- فإن مراجعة الماضي جرت بالنصوص الخارجة عن سياقها في الدعوة وفي التاريخ، حتى وصل الأمر بقمة المؤسسة الدينية (الأزهر) أن تفتي بأن السلام مع إسرائيل حلال بغير تحرز، وبغير شروط، وبغير إضافة في النهاية بأن الله أعلم!
وهكذا حدثت التحولات الكبرى من 1974 إلى 1977، بل وهكذا جرى الانقلاب!
مشهد الغضب العام الذي اجتاح مصر بعد قرارات رفع الأسعار (17 يناير 1977)، وما ترتب عليها من الأحداث التي اشتهرت بوصف "مظاهرات 18 و 19 يناير" (أطلق عليها السادات "انتفاضة الحرامية").
إن أحداث 18 و 19 يناير كانت ظاهرة أكبر كثيراً من كل الأوصاف التي أطلقت عليها، وفي حقيقة الأمر، فإنها كانت أعلى صوت بالاحتجاج صدر عن الطبقة المتوسطة المصرية وما تحتها وما فوقها أيضا احتجاجاً على النتائج الاجتماعية التي أسفرت عنها حرب أكتوبر.
فالطبقات الوطنية التي أعطت خيرة أبنائها للدفاع عن وطنها تحملت ما وضعه عليها الواجب من أعباء، صابرة وآملة في يوم تستطيع فيه أن تستعيد حقوقها بعد ظروف الحرب القاسية.
لكن الذي حدث فعلاً هو أن مكاسب الحرب بدأت بسياسات الانفتاح التي اختارها الرئيس "أنور السادات" ، وكأنها غنيمة لطبقة طفيلية ظهرت فجأة على سطح الحياة المصرية، وراحت تخطف ثروات طائلة دون جهد أو عمل، ومن غير مصدر ظاهر أو مشروع.
بل إن تعبير "العبور" الذي كان وصفا لملحمة تاريخية، تنازلت به الظروف الجديدة فأصبح "العبور" هو "العبور إلى الثروة"، والجسور إليه كلها مريبة معتمة لا يكشف ما يجري عليها نور أو نار.
حول الاعتراف بـ م.ت.ف، يقول الرئيس الأمريكي كارتر أن "فانس" (وزير خارجيته) وجه حول هذه النقطة سؤالاً مباشراً إلى "ييجالآللون" (وكان وقتها وزيراً لخارجية إسرائيل) سأله فيه عما إذا كانوا مستعدين لقبول اشتراك منظمة التحرير إذا هي قبلت قرار مجلس الأمن 242 بما فيه حق إسرائيل في الوجود كدولة.
وكان رد "آللون" على "فانس" هو قوله "إنهم لا يمانعون في ذلك لأنه إذا قبلت منظمة التحرير الفلسطينية بوجود إسرائيل كدولة، فإنها لن تصبح في هذه الحالة "منظمة تحرير فلسطين".
كانت الأيام والأسابيع والشهور تمر دون تقدم يذكر لأن "كارتر"، سواء بسبب معاهدة بنما أو بسبب مسئولياته الدولية الأخرى، لم يستطع أن يخرج بموقف أمريكي حازم يمارس من خلاله الضغط المنتظر على "بيجن".
ولم يكن الرئيس "السادات " قادراً على الانتظار بدون أجل، وفي ذلك الوقت، وبمعونة من بعض مساعديه، فقد توصل إلى خطة وجدها صالحة لتحريك الأمور وتشديد الضغط على إسرائيل، وكانت خطته من عدة عناصر:
- استعمال ضغط المؤسسة الصهيونية العالمية على إسرائيل، وكان قد حافظ على اتصالاته بأقطابها وراسلهم وحرص على اطلاعهم على وجهة نظره، وفي مقدمتهم بالطبع "إدجار برونفمان"، وقد أضيف إليه البارون "جي روتشيلد".
وكان هناك رسل كثيرون يسعون بالرسائل بينه وبين "المؤسسة" كما أصبح يرمز لها باستمرار.
وكان بين الشخصيات التي ظهرت في ذلك الوقت ولهذا الدور، أكاديمي أمريكي يهودي هو الدكتور "ستيفن كوهين"، وكان في ذلك الوقت شخصية نشيطة في أحد مراكز الدراسات السياسية في واشنطن.

