Menu

تحليلاغتيال محسن فخري زاده: الاعتبارات والنتائج

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

بعد اغتيال الأستاذ محسن فخري زادة، العالم النووي الإيراني البارز، في عملية معقدة، وجهت فيها إيران أصابع الاتهام للكيان الصهيوني، وربما تورط إقليمي إضافي، انشغلت مراكز الأبحاث والصحافة الصهيونية، بمحاولة رصد نتائج وتكاليف الاغتيال، دون الاعتراف طبعا بمسؤولية الكيان، بشكل مباشر، ومع تحميل التقارير التي تشير إلى تورط الموساد على مصادر أجنبية.

بالأساس هناك إجماع لدى دوائر الكيان على أن عملية الاغتيال تمثل التطور البارز الأهم بعد اغتيال قاسم سليماني، وإن هذا الاغتيال يعطي أبعادا جديدة للاشتباك السياسي الأمني بين الكيان وإيران. وتشير التحليلات إلى أن من أعطى أمر الاغتيال إضافة لاعتبارات سياسية ضيقة، حاول على ما يبدو تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية: الإضرار ببرنامج إيران النووي ؛ عرقلة عودة إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي. وربما ، وإن كان ذلك أقل احتمالا، التشجيع على تصعيد من شأنه أن يؤدي إلى هجوم أمريكي على المواقع النووية الإيرانية . يبدو أن الهدف الأول قد تحقق حسب الزعم الصهيوني، فإن هذا بعيد عن الصحة برأينا لأن الشهيد هو بمثابة الأب الأكبر للبرنامج الإيراني الذي وضع على سكته منذ زمن وبالتالي من غير المحتمل أن يكون اغتياله قد أحدث تأثيرا كبيرا على البرنامج النووي الإيراني الذي أثبت قدرته على الصمود في الكثير من المنعطفات الحادة.

المسألة الثانية، إن الهدف بإعاقة قدرة بايدن على العودة إلى الاتفاق النووي، منوط بأمرين، يخصان السلوك الإيراني اللاحق ردا على الاغتيال، وحزم إدارة بايدن ومدى قبولها بهذا التصرف الصهيوني الأرعن، وربما يمكن للقيادة الإيرانية أن تجد طريقا ثالثا بين عدم الرد والرد الصارخ بحيث يكون هناك رد محسوب لايثير توترات على جبهة الاتفاق النووي، خصوصا بعد الإدانات الكبيرة التي حصدها الاغتيال.

وهذا يقودنا إلى تصرف إيران تجاه التصعيد، والسعي الصهيوني لتشجيع تصعيد أمريكي ضد المواقع النووية الإيرانية بشكل عسكري عنيف، وهذا مستبعد أيضا لسببين، الأول تهاوي فرص إدارة بايدن مع العد العكسي المتسارع لتسليم السلطة، والثاني فشل الكيان في استدراج تحالف مع السعودية لدعم الضربة سعى إليه نتنياهو في نيوم، ورفضه محمد بن سلمان، كما أشارت التقارير والتزم وزير خارجية ترامب الصمت حياله في ذلك الاجتماع.

عموما يعتقد الكيان إنه حقق هدفين استراتيجيين في عام 2020 حيث بدأه باغتيال قائد الحرس الثوري ومن يعتبر الرجل الثاني ربما في الهرم القيادي الاستراتيجي الإيراني قاسم سليماني، ثم إنهاء هذا العام باغتيال قائد المحور الاستراتيجي الثاني أي البرنامج النووي. ورغم أن الولايات المتحدة حملت المسؤولية العامة عن مقتل الجنرال قاسم سليماني فإنها لم تعلن أية مسئولية عن مقتل فخري زاده ، أو الإجراءات التي تم اتخاذها ضد أهداف إيرانية خلال الصيف الماضي، وأبرزها الهجوم على منشأة الطرد المركزي المتطورة حيث تشير الأصابع كلها إلى الكيان ببعد إقليمي ربما يشي بتورط إماراتي وأطراف داخل العراق، رغم أن البنتاغون رد بـ "عدم التعليق" على اغتيال فخري زاده ، إلا أن مصادر استخباراتية في الولايات المتحدة أشارت مرة أخرى إلى مسؤولية الكيان، ولم يصدر أي رد رسمي من تل أبيب، لكن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو قال إنه "لا يمكنه الكشف عن كل شيء" يتعلق بأفعاله الأسبوع الماضيأي الذي شهد اغتيال فخري زادة، من جهتها ، ألقت إيران باللوم على الكيان مباشرة ، ووعدت برد "في الوقت والمكان المناسبين .كما نُسبت محاولات سابقة لاغتيال علماء نوويين إيرانيين إلى الكيان، وزعم تقرير صهيوني أن إيران حاولت مهاجمة السفارات الصهيونية في الهند وتايلاند، وتربط بين إطلاق سراح مواطن أسترالي تم اعتقاله في إيران مع إطلاق سراح عملاء إيرانيين مرتبطين بتلك الهجمات.

رغم كل هذا الغموض، من الواضح أن الكيان وواشنطن نسقا معا في الماضي العديد من العمليات ضد إيران، لمحاربة برنامجها النووي، على سبيل المثال، الهجوم السبراني من خلال اختراق دودة الكمبيوتر Stuxnet في منشآت تخصيب اليورانيوم في ناتانز ، وهجوم الكيان على المفاعل النووي في سوريا عام 2007 الذي حدث بعلم واشنطن ، بل بمباركتها، ورغم ا لإنكار متعدد الأطراف يمكن الاستنتاج بسهولة ربطا باجتماع نيوم، وزيارة بومبيو الأخيرة للكيان ومناطق أخرى، أن العملية في طهران تم التنسيق لها بين جميع الأطراف.

تزعم تحاليل صهيونية أن الضرر الأساسي الذي لحق بالمشروع النووي الإيراني لا يرجع بالضرورة إلى فقدان المعرفة العلمية، التي كما أشرنا وضعت على سكة التنفيذ منذ زمن بعيد، ولكن بسبب فقدان قيادة المشروع ، والخبرة الإدارية، والوصول إلى أعلى المستويات السياسية في إيران حيث يزعمون أن رحيل فخري زادة من المحتمل أن يؤدي إلى إطالة الوقت الذي تحتاجه إيران لإنتاج أسلحة نووية عندما تتخذ قرارها وأيضا نعتقد أن هذا بعيد عن الصحة لأن الحديث يدونر هنا ليس عن مليشيا محدودة مرتبطة بشخص واحد بل بدولة وأجهزة عملاقة تتبعها، ولا يمكن القبول بهذا التحليل الصهيوني الركيك. بل إن الضرر على الأغلب معنوي ومؤلف فعلا لإيران في هذا السياق فقط.

المشكلة الأبرز التي يجب أن تواجهها طهران، استنادا إلى سلسلة الضربات وآخرها تعقيد الضربة الأخيرة والتقنية المستخدمة في اغتيال فخري زادة، هي إعادة النظر في جميع البروتوكولات الأمنية الداخلية، وتجفيف منابع التجسس وقطع الأيدي المعادية الممتدة في العمق الإيراني، في وقت تخوض إيران وخصومها حملة إستراتيجية طويلة منخفضة الحدة، في منطقة رمادية بين الحرب والسلام .