Menu

الأمّة العربيّة أمام إشكاليات وجودها

محمد صالح التومي - المعروفي

الوطن-العربي-780x405.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

تتوالى على الوطن العربي المصائب والويلات، وتنصبّ عليه أحقاد الإمبريالية المتصهينة (1 )، وهي أحقاد تقع في الحقيقة على جميع الأمم والشعوب المضطهدة والمستضعفة، ولكنها تركّز من موقع الاستهداف الرئيسي على الوطن العربي في هذه اللحظات من التاريخ بالذات، وهي اللحظات التي انتقل فيها الاستعداء جهارا من المعسكر الاشتراكي حال تهاويه، إلى ما وقعت تسميته في أدبيات الامبريالية بالشرق الأوسط الكبير، وهي منطقة جغرافية شاسعة تمتدّ حسب تحديدات مراكز دراساتهم (الثينك ـ تانكس) من موريتانيا إلى تخوم باكستان ،مرورًا بكامل جغرافية الوطن العربي بمغربه وبمشرقه. إن قوام الأوطان هي الأرض، والإنسان، والتاريخ، وهذه الدعامات الثلاثة تتعرض عربيًا إلى أبشع الجرائم، دون حسيب على مرأى ومسمع مما يسمّى ب" المجتمع الدولي"، بل بفعل منه إذا وقفنا عند التعريف الذي يعطيه له صاموئيل هيتنغتون، ك"اسم جمعي مُلطّف يضفي الشرعية على مصالح أمريكا والقوى الغربية الأخرى".    

فالأرض قد استبيحت جهارًا، وفلسطين أكبر شاهدة على هذا منذ البداية، وسوف لن تبقى الوحيدة، لأن الأمثلة التي تتالت كلها معروفة، على غرار العراق وسوريا ولبنان وليبيا و السودان والصومال؛ أما التاريخ فقد نُهبت آثاره، ومُزّقت صفحات كاملة من أحداثه، وزُيّفت أخرى تزييفًا فظيعًا في محاولة مفضوحة لتغييب الوعي بالزمن، وتشويش الرؤية، وشلّ الإرادة عن الفعل المنظم؛ أما الإنسان وهو مدار الصراع النهائي، فهو مستهدف في كيانه المادي، إذ يتعرض إلى التشريد وإلى التقتيل، وتسيل دماؤه دون رحمة وبغزارة نادرة في التاريخ، وتتناثر أشلاؤه حتى إنه يعز دفنه كاملًا أحيانا كثيرة، فإذا كان عالمًا أو نابغة فهو عرضة للاغتيال وللموت الغامض والمفبركة ذرائعه، فلم تعد تطلع شمس أو تغيب على أرجاء الوطن العربي إلا على الأحزان والمآتم التي أصبحت تجلل حياة شعب عظيم كان على مرّ الأزمان أحد دعامات الحضارات البشرية؛ والحميرية والبابلية والأكدية والفينيقية على سبيل الذكر فقط، موجودة كلها لتبرهن على ذلك بصورة لا يرقي إليها الشك؛ كما هو (أي هذا الإنسان) مستهدف زيادة على ذلك في كيانه المعنوي إذ يتعرض إلى التجهيل الممنهج وإلى محاولات الإذلال والتركيع أكان ذلك من خلال المس بقيمه وبمقدساته وبرموزه، أو من خلال السعي إلى وضع روحه في قالب الخضوع توسّلا بتغيير مناهج تربيته وتعليمه، وإمطاره صباحًا مساءً بمختلف البرامج التلفزية وغير التلفزية البليدة والحاثة، إما على الجمود والتقوقع على الذات أو على الميوعة والانحلال، والتي تبتعد به في الحالتين عن التركيز المفيد، وعن تحصيل المعارف، وتدفع به إلى غياهب الأمية بشكلها القديم(عدم معرفة التعامل مع الحروف)  كما بشكلها الحديث (عدم معرفة التعامل الصحيح مع منجزات الثورة المعلوماتية)؛ إنها مؤامرة إذن، ويُراد من خلالها أن تقف ساكنة الوطن العربي مشلولة، وكأنها نعاج في حضيرة، وكأن أعداءها من الضباع القاتلة، فلا يدري أحد على من ستقع الواقعة القادمة؛ فبعد العدوان على فلسطين وسرقتها من أهلها بداية، وبعد العدوان المتواصل مذ مستهل التسعينات من القرن العشرين على العراق، وبعد العدوان المتكرر على لبنان، وبعد الصومال، ها هي كل من ليبيا والسودان وسوريا تخرج من قائمة الانتظار، ولا يدري أحد بالضبط  على من ستدور الدوائر بعدها؟ وتلعب الأنظمة العربية الرجعية تلك الحاكمة لرقاب الناس بالحديد والنار، والمرتهنة للاستعمار دور الشريك الفاعل في هذه المؤامرة، فأرصدة النفط موضوعة كلها ببنوك الغرب، وأموال الشعوب على ذمة الأعداء وتحت تصرفهم، والقنوات التلفزية تساهم في جريمة تبليد الأذهان، وقد وصل الأمر بأحد المترفين من العرب إلى أن يكون في نفس الوقت هو من يبث محتويات التمييع والانحلال الأخلاقي في إحدى قنواته، ومحتويات التقوقع السلفي بواسطة من يسمون بالدعاة من المتأسلمين في قناته الأخرى؛ وهناك إعراض منهجي من طرف هذه الأنظمة عن أي مجهود تكاملي كفيل بتحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي، هذا فضلًا عن الارتهان في ميدان الصناعة بصفة شبه كلية لما تفرضه الشركات متعددة الجنسيات التي تتحرك ك "قوى تعمل في الظلام بدون راية، (لكن) بأسلحة قوية موزعة على مواقع عديدة ذات نفوذ"، على حد التوصيف البليغ الذي تركه لنا في شأنها شهيد الحركة الشعبية الشيلية خالد الذكر سلفادور ألندي في خطابه الشهير سنة 1972 على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبفعل إشراف هذه الشركات العابرة للحدود، على المؤسسات المالية المتحكمة في السياسات الكونية من طراز البنك العالمي للتنمية وصندوق النقد الدولي، وبفعل ارتباطها الوثيق بالمال الذي يملكه كبار المستثمرين الصهاينة المعروفة أسماؤهم والأرقام المالية الطاغية لإسهاماتهم في رأس المال المعولم  وصولتهم نتيجة ذلك؛ داخل صفوف الأوليغارشيا المالية العالمية بصورة لم تعد خافية على أغلب الناس، فإن الأنظمة العربية العميلة التي كما قلنا ترفض تطوير علاقاتها البينية أصبحت تُجري وبدون حياء جزءًا كبيرًا من معاملاتها الاقتصادية مع الكيان الصهيوني، بل وتهرول للتطبيع معه معترفة بوجوده، وساعية فوق ذلك إلى تسييده على المنطقة أيضًا، ضاربة عرض الحائط بالرأي العام للشعوب التي تحكمها، وهي الشعوب الطامحة للتحرر الوطني الفعلي من ربقة الاستعمار، والرافضة بقوة للتطبيع مع العدو الصهيوني، كونها تدرك أنه غاصب لأراضيها لا بالفعل فقط، بل بالنوايا التوسعية كذلك، وأنه متآمر دائم على نهوضها ونهضتها. فهنا تتنزّل وظيفة القمع الشديد للحرية المسلط على المواطن العربي، وهو القمع الذي يتغذّى من المخزون الاستبدادي القديم الذي يتدثّر ببعض الفتاوي المتأسلمة الظالمة التي صاغها بعض الفقهاء الآكلين من موائد السلاطين: مخزونٌ  كثيرًا ما يخلق توافقًا وحتى وحدة أحيانًا مع النزعات الاستبدادية الأخرى التي تتدثّر بالحداثة وتزعم "المعاصرة"، لأن الطرفين رغم تناقضهما الظاهري، والذي يحتد في بعض الأحيان، يمثلان شقوقًا كومبرادورية همّها فقط من يجني المنافع أكثر، ومن يحرز على أفضل العمولات، من خلال السمسرة مع الطغم المالية العالمية، وتقديم الخدمات لها على حساب كل سياسة ذات طابع وطني أو قومي واجتماعي؛ ولذلك نجد أن  الدول الامبريالية رغم شعاراتها الحقوقية المبهرجة ترعى مثل هذا القمع، بل وتُنسّق بين طرفيه، كونها تستفيد عند النهاية  منه، كما تسهر من أجل ذلك على تنظيم فيالق الشرطة والبوليس السياسي وعلى تدريبها وتجهيزها بأحدث الوسائل التقنية، وبأخبث أساليب الاضطهاد وأكثرها دموية أحيانا؛ ولكن الأنكى من كل هذا هو أن هذا القمع الذي كانت وظيفته ولا زالت هي لجم روح الرفض، والتمرد، والمقاومة، قد أصبح على أيامنا هذه ذريعة لتلك الدول الامبريالية للاتصال بأطياف من المعارضين، بغاية تجنيدهم عند الإمكان بواسطة الاختراق الإيديولوجي والمال المشبوه لفائدة أجنداتها ومصالحها، وذلك بتعلّة: "مساعدة المنظمات غير الحكومية والأفراد المنتمين إلى جميع الفئات السياسية العاملين في سبيل الإصلاح ، وتدريب الذين يترشحون منهم لمناصب سياسية ولعضوية البرلمانات على التفهّم..." (؟) وهي عبارات يجب أن تُقرأ حرفًا حرفًا، وأن تعاد قراءتها مرارًا عند اللزوم، حتي يدرك الجميع أن هذا "التفهّم" المطلوب ليس إلا الوصول بتلك المنظمات غير الحكومية وبهؤلاء الأفراد إلى وضع أنفسهم في خدمة أية مصالح مهما كانت متناقضة مع مصالح أوطانهم؛ علمًا هنا بأن هذه العبارات مأخوذة رأسًا من "بيان الحقائق" الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، حول مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة الأمريكية والشرق الأوسط، وهو البيان الذي نشرته مثلاً جريدة "العرب" اللندنية بُعيد احتلال العراق بقليل، فلينظر الجميع عند هذا الحد إلى مدى قدرة الأموال المنهوبة من عند الشعوب على إدارة التناقضات عندما لا تجد هذه الأموال أمامها؛ إلّا الغباء وقصر النظر أو العمالة المفضوحة! فإذا أردنا تفسير هذا كله فليس علينا الذهاب بعيدًا، لأن صاموئيل بيرغر مساعد شؤون الأمن القومي لبيل كلينتون الرئيس الأسبق لأمريكا، سوف يقدم لنا هذا التفسير بكلمات ولا أوضح منها، وذلك في محاضرة ألقاها على منبر هيئة السياسة الإسرائيلية في واشنطن بتاريخ 20 أكتوبر/ تشرين الأول 1999، أي قبل نشر البيان سابق الذكر بسنوات (فلننظر هنا إذن كيف يُخطط الأعداء ثم كيف يُنفذون!)؛ هذه المحاضرة كانت بعنوان ـ والرجاء التمعّن جيدا في هذا العنوان: "الشرق الأوسط في الألفية الثالثة"، وقد جاء بها، ويا ليت الجميع يقرأون فعلا ويتأملون: "إن الشرق الأوسط يعتبر وطنا لإسرائيل التي نرتبط معها برابطة خاصة، ذات جذور من القيم والمصالح العضوية، وهذا ما يُفسّر أن التزاماتنا تجاهها حديدية وأبديّة"، وهو كلام قد يغني عن كل إضافة، ولكن بيرغرلا يكتفي بذلك لإنارة من فهمهم ثقيل نسبيا فيضيف: "وما دام الشرق الأوسط الذي هو وطن إسرائيل يضم ثلثي احتياطات النفط في العالم، فإننا لا نريد أن تكون فيه أجواء سياسية وثقافية مناوئة لسياساتنا"؛ ثم إنه لا يقف عند هذا الحد لأنه يذهب بكلامه إلى منتهاه الطبيعي والعمليّ (فهم كما رآهم التاريخ عمليون، وحضارتهم كلها مبنية على الحسّ العملي وليس على الحماسة والخطابة الفارغة والثرثرة)، وهكذا يعلمنا في مثل هذا السياق أنه لتحقيق الأهداف التي ذكرها : "لا بد من تصفية الينابيع العقائدية والعاطفية للصراع العربي مع إسرائيل، وبالتالي جعل أية معارضة لإسرائيل وأمريكا معارضة غير مشروعة"، تُرى هل هناك من اشتمّ  في هذا الكلام الذي قيل سنة 1999 بعض روائح ما سيُسمّى بعد عقد من الزمان بالرّبيع العربي؟ ينتهي كلام محدثنا هنا بعد أن أشار بكامل الوضوح إلى مربط الفرَس، فيبقى من واجبنا أن نوضح مثلما قلنا قبل هذا أن "الشرق الأوسط" المقصود هو ذلك الذي  وقع تحديده أمريكيا وصهيونيا في منطقة شاسعة تمتد من موريتانيا إلى تخوم باكستان مرورا بكامل أرجاء الوطن العربي، وسُمّيت هذه المنطقة تارة بالشرق الأوسط الجديد، وتارة بالشرق الأوسط الكبير، ولعل هذا هو ما يمكن أن يفسر لنا أنه حال الهجوم مشبوه الأسباب والوقائع على البرجين ذات 11 سبتمبر / أيلول 2001 اتجهت القوة العسكرية الأطلسية مباشرة إلى احتلال افغانستان ثم العراق، كما اتجهت إلى زعزعة الأوضاع التي كانت قائمة ببلدان مثل لبنان (2006) وليبيا وسوريا (2011 )، فمن الواضح إذن أن سبب كل هذا هو الرغبة في الاستيلاء على مصادر الطاقة من غاز ونفط، وفي دعم  الكيان الصهيوني المسمى إسرائيل، بصفته شريكًا وحارسًا لتلك المصادر لفائدة الطغمة المالية العالمية والشركات العابرة للقارات، كيفما نبّهنا إلى هذا صاموئيل بيرغر؛ ولهذا تنتهي محاضرته بالحديث عن وجوب فرض التطبيع على الأنظمة العربية مع تأكيد خاص على كل من نظامي لبنان وسورية، فهذا ما يلقي بشيء من الضوء على الأحداث ويعطيها درجة من التسلسل المنطقيّ، ألم تعلن كونداليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا مثلًا في الفسحة الزمنية التي أعقبت هذه المحاضرة، وبعد ذلك بسنين عن إمكانية توليد الشرق الأوسط الكبير بواسطة عدوان تموز/ جويلية 2006 الصهيوني على لبنان؟ وهل يمكن لنا بعد هذا أن نعتقد أن الامبريالية المتصهينة، قد جنحت عقب تلك الحرب ونتائجها التي لم تكن تماما في صالحها، وبعد هذا التصريح، إلى السّلم وتخلّت عن أهدافها العدوانية تجاه أمة العرب، وعن إنجاز مشروع الشرق الأوسط الكبير؟ يبدو جليًا أنه لا يمكن أن يذهب في هذا الاتجاه؛ إلا من لم يفهم بوضوح أن المقصود امبرياليًا، إنما هو خنق  الوطن العربي وتبديد أية مصادر لقُوّته المعنوية، والعسكرية، والغذائية، والمائية، ومحاصرته بالأعداء والخصوم من كل صوب وتحريض أجواره على ذلك العداء، كما هو الحال مع تحريض الطبقات الحاكمة للأحباش (سد النهضة) وللأتراك (غض النظر عن توسعهم باسم العثمانية الجديدة)، وإثارة النعرات من كل نوع من داخله، وذلك بتغذية الصراعات بين مكوناته السكانية أكانت هذه الصراعات طائفية أم دينية  أم لغوية أم أثنية، وكل هذا بغاية الانتقال بهذا الوطن العربي من حالة التجزئة إلى حالة جديدة هي حالة التفتيت والكنتنة، فالتجزئة التي حصلت منذ قرن ونيف، والتي كان عنوانها اتفاقية سايكس ـ بيكو لسنة 1916 لم تعد كافية بالمرة بالنسبة للامبريالية، فأصبح لا بد إذن من مشروع جديد  يسمى كما ذكرنا هذا، مشروع الشرق الأوسط الكبير، والذي من خلاله يحلمون، لا كما كان الأمر في القرن الماضي بإقحام  عنصر جديد فقط على المعادلة السكانية في المنطقة ألا وهو الكيان الصهيوني، وهذا ما أنجزوه، بل  بتمكين هذا "الكيان الدخيل" من التّسيّد ومن إخضاع الجميع إلى نفوذه... فهذا مثلًا ما يحاولون فعله من خلال ما يُسمى حاليًا ب"صفقة القرن"، ولا يذهبنّ في الاعتقاد أنها "صفقة" مرتبطة ببقاء دونالد ترامب الذي أطلقوها من خلاله، أو بعدم بقائه في الحكم، لأنها خطة سابقة له، وقد ورد ذكرها حرفيًا منذ نهاية القرن الماضي بكتاب "مكان تحت الشمس" لصاحبه بنيامين ناتنياهو، فهي خطة ستبقى إذن بعد ترامب حتى ولو غيّروا اسمها أو عدّلوا نسبيًا بعض ملامحها.

هناك إذن خطط غامضة تحاك باستمرار ضدّ الوطن العربي، وهي خطط تفقأ العين أحيانًا وتثير الاستغراب  لدى أحرار العالم الذين رأيناهم أحيانا كثيرة من خلال طرحهم لسؤال حرية الإنسان رغم محاولات التضليل بالإعلام الزائف والاستعباد يتظاهرون بالملايين، كلما وقع  أي عدوان على مقادير هذا الوطن العربي؛  ولكن السؤال الذي سيبقى هو لماذا لم تتمكن الأمة العربية رغم عدم تخلّفها أبدا عن المقاومة، ورغم دفعها الثمن اللازم من دماء رجالها ونسائها في كل مرة، ورغم الملاحم البطولية لعناصرها، من التقدم نحو أهدافها في حين أن العدو هو من يتقدم بثبات لافت للنظر نحو أهدافه؟ إنه سؤال مركزي بحقّ، ويحتاج إلى مطارحات كثيرة، ومتنوّعة، وجدّيّة، ولكننا لو أردنا الإجابة عنه بكامل الإيجاز، فإنه يمكننا أن نستلف كلمات كان تركها لنا صن تزو الذي يُعدّ أكبر استراتيجي عسكري، وقد ولد في الصين سنة 551 قبل الميلاد وتوفي بها سنة 496 ق.م، وذلك لما قال في بعض فقرات كتابه الشهير الذي عنوانه "فن الحرب" ما يلي: "المرء الذي لا يعرف نفسه ولا يعرف عدوّه سيهزم في كل المعارك، والمرء الذي يعرف نفسه، ولكنه لا يعرف عدوه سينتصر طورًا، وينهزم طورًا آخر، ووحده الذي يعرف عدوه ويعرف نفسه في نفس الوقت بإمكانه أن... لا... يكون عرضة للخطر ولو في مئات المعارك". ويبدو أننا كأمة مازلنا ضائعين في الزمن بين ماض نمجّده ولا نغربله لفرز سلبياته من إيجابياته، وحاضر نتهجّاه بصعوبة ولا نفهم كل تعقيداته، ومستقبل نجهله لأننا لا نمتلك أدوات التخطيط الصائب لكل مخرجاته، وهو وضع يتحتّم تجاوزه، وذلك لا يكون؛ إلا بالمعرفة الحقيقية لأنفسنا، والمعرفة الدقيقة لعدونا... وهذا هو في الوقت الراهن ما ينقصنا كي نرسم خطة استراتيجية معقولة لخلاصنا.        

(*) هذه المساهمة هي إعادة صياغة بالكامل مع تلخيص وتحيين للأفكار الواردة بالصفحات من 83 إلى95 بالفصل الخامس من كتابي " أمة لن تموت: من أجل نفس نهضوي عربي جديد عقلاني ومقاوم؛ "الصادر بتونس في ماي ـ أيار 2010 عن دار فن الطباعة للنشر.                               

(1) عبارة "الامبريالية المتصهينة" هي عبارة تمّ نحتها واستعمالها من طرفي منذ سنة 2000 في مراسلة  موثقة مع الكاتب والسياسي الاشتراكي البلجيكي ليدو مارتانز، وهي تشكّل علاوة على ذلك عنوانا لفصل من كتاب صادفَته إلى حدّ الآن صعوبات سياسية أولاً، ثم مالية بعد ذلك؛ عطّلت نشره.