Menu

قراءة في كتاب: الاقتصاد السياسي للرأسمالية الاحتكارية المعاصرة

رامي مراد

صورة تعبيرية

عالجت كتابات الاقتصاديين الماركسيين ومراكز الأبحاث اليسارية العديد من جوانب الأزمة المتعلقة بالرأسمالية بشكل عام، لكن هذا الكتاب يعتبر إضافة مهمة كونه يفرق بين القوانين الحتمية التي تضبط مجمل الأزمة العامة للرأسمالية، وبين بعض ظواهر هذه الأزمة في كل مرحلة من مراحلها، حيث يرى الباحثون/ الكتاب أن تحليل الخواص التي تتميز بها جميع مراحل الأزمة العامة للرأسمالية، يكتسب أهمية خاصة لجهة فهم الاقتصاد السياسي للرأسمالية الاحتكارية المعاصرة، مع الأخذ بعين الاعتبار الأحداث والتجارب التاريخية الجديدة.

إن نشأة الأزمة العامة للرأسمالية والقوى المحركة لتطورها خلال الحرب العالمية الأولى؛ جاء نتيجة لخواص قوانين التطور الحتمي لنظام الاقتصاد العالمي الرأسمالي في عصر الاستعمار، والتي أدت الى ظهور الأزمة العامة للرأسمالية. ففي مرحلة الاستعمار ظهر عجز البرجوازية عن تأمين تطور تقدمي للقوى المنتجة في مجمل الاقتصاد العالمي، كما أن ما توصل إليه النظام الاستعماري بدأت بتحقيق تطور أسرع من السابق، ونجد أن معظم البلدان التي رزخت تحت نير الاستعمار لا تزال تعيش أشكال الاستغلال ما قبل الرأسمالية، ويسود الجمود في القوى المنتجة لديها.

إن مبدأ المزاحمة الحرة الذي شجع على تعميق وتوسيع نمو الرأسمالية، أخذ يكتسب في عصر الرأسمالية الاحتكارية سمات رجعية جديدة، فقد ظهرت المزاحمة بين الاحتكارات من أجل السيطرة على السوق العالمية منذ القرن التاسع عشر على شكل حروب استعمارية، هدفت إلى إعادة تقسيم العالم من الناحية الاقتصادية (المنافسة على الأسواق بحسب مفهوم هوبز). ضمن هذه الرؤية يمكن اعتبار قطاع إنتاج الأسلحة من أكثر الفروع الاقتصادية ازدهاراً، كونه لا يعرف أزمات فيض الإنتاج، خاصة وأن الحروب والتحضير لها كانت ولا زالت من أهم العناصر التي حددت تطور العلاقات الدولية.

ويعتبر الكتاب أن تزايد التفاوت في التطور الاقتصادي للبلدان الاستعمارية، كان من أهم أسباب الحروب العالمية الأولى والثانية، حيث زادت التناقضات الداخلية للاقتصاد الرأسمالي العالمي من التأثير المدمر لمجرى الأزمة العامة، والذي أصبح واضحاً. فقد كشفت الحرب العالمية الأولى التأثير النوعي للسياسة في الاقتصاد بشكل واضح، حيث لم يكن بالمستطاع عسكرة الاقتصاد بصورة شاملة في ظروف الحرب عن طريق الاستفادة من الحوافز الاقتصادية المعروفة فقط، دون تدخل الدولة. وعليه؛ قامت الدولة بخلق تنظيم اقتصادي للتسلح عبر أساليب غير اقتصادية، بحيث أصبح الربح الحافز الأساسي للإنتاج، كما أدت الطلبات الحكومية إلى خلق سوق ممتازة للاحتكارات؛ منذ هذه اللحظة لم تعد الرأسمالية تنافسية بشكل حر وإنما باتت تخضع لاشتراطات سياسية، وظهر كما وصفها لينين : "كنوع خاص من الاقتصاد"، ويقصد بذلك دولة الاحتكارات الرأسمالية بأعلى مظاهرها في ظروف الحرب، عندما أكد على أن الرأسمالية في عصر الاستعمار تجر الرأسماليين إلى نوع جديد من النظام الاجتماعي، يعبر عن مرحلة الانتقال من المزاحمة الحرة الكاملة إلى الإشراف الكلي على المجتمع.

قوانين تطور العالم في العصر الراهن:

لم يساعد الإنتاج القائم على تحقيق الربح للرأسماليين، وكذلك آلية المنافسة الحرة والمنافسة بين الاحتكارات التي يتحقق عن طريقها قانون القيمة الزائدة، على الوصول إلى نمو سريع للقوى المنتجة وإلى تحقيق الاقتصاد العالمي فحسب، وإنما على تطوير القوى المدمرة بصورة لم يسبق لها مثيل، وبشكل يتناقض مع الدور الإيجابي الذي يلعبه تقسيم العمل الدولي أيضاً.

إن نشوء نظام اجتماعي جديد يعني نشوء ظرف لا يمكن إرجاعه إلى الوراء؛ فبعد أن عززت البرجوازية سلطاتها الاقتصادية والسياسية ألغت إمكانية الرجوع إلى النظام الإقطاعي. لقد أوضح ماركس بأن البرجوازية خاضت مرحلة دموية لتأمين تراكم رأس المال وسرقة الإنتاج من المنتجين مباشرة، إضافة إلى تحويل الحرفيين والفلاحين إلى أنصاف عمال فقدوا كل إمكانية في الوجود خارج سلطة رأس المال؛ لذا فإن إخضاع العمل لسلطة رأس المال خلق القاعدة الاقتصادية المتينة لهذه السلطة، الأمر الذي أدى إلى فهم علاقات الاستغلال الرأسمالي من قبل البرجوازية والكثير من فئات الشغيلة على أنها علاقات طبيعية.

اعتمدت البرجوازية على هجرة الفلاحين وصغار الحرفيين من بلدانهم إثر الثورة على الإقطاعية لتوفير عمالة غير ماهرة، وهذا ما اعتادت الرأسمالية عليه خلال أزماتها المتلاحقة وصولاً لما جرى ويجري في بلدان الشرق الأوسط وتشجيع الهجرة الشرعية وغير الشرعية. على الرغم من وجود التناقضات بين الإقطاعية والرأسمالية، فإن هناك صلة قربى بالنسبة للمحتوى الأساسي لهذين النظامين؛ فالسلطة الاقتصادية للطبقة الحاكمة في هذين النظامين تقوم على أساس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

سابقاً كانت البلدان الرأسمالية تتغلب على حدة تناقضاتها الداخلية من خلال مزيد من مراكز النفوذ وتوسيعها وفتح أسواق جديدة وموارد لنهبها، ولاحقاً كما في العصر الحالي تركز النخبة البرجوازية على اعتماد أسلوب التكتيك الإصلاحي في صراعها الطبقي ضد الطبقة العاملة، وهذا ما يؤكد فكرة لينين القائلة: "الإصلاحات إنما هي عبارة عن منتجات ثانوية للثورة".

الاشتراكية وضرورات الإصلاح الرأسمالي:

فرضت الاشتراكية كاتجاه فكري واقتصادي على البلدان البرجوازية ممارسة سياسة اجتماعية؛ هدفت للحد من البطالة وتحسين شكلي لأوضاع العمال الذين يعيشون في بؤس شديد، وكان للاشتراكية تأثير واضح على السياسة الاجتماعية للاحتكارات التي وجدت نفسها مضطرة لتقديم بعض التنازلات للشغيلة، بهدف تحييد تأثير القوى الاشتراكية على الصعيد الاجتماعي قدر المستطاع، وعزل العمال عن الصراع الطبقي الفعال وخداعهم بشعارات الإصلاح الاجتماعي للرأٍسمالية؛ تلك الإصلاحات الشكلية لم تطال فقط الشغيلة، وإنما أيضاً دفعت الرأسمال الاحتكاري إلى تعديل نمط الاستعمار عبر بناء مجموعات مصالح ذات نفوذ وربط مصالحهم بمركز الرأسمالية في العالم.

لم تعد تقتصر الرأسمالية على تصدير رؤوس الأموال فقط وإنما أيضاً تصدير أموال حكومية بهدف خلق تنمية وهمية في البلدان النامية، تهدف أساساً لتحسين المستوى المعيشي لفئة تربطها تدريجياً بدعم الصناعات الاستخراجية على حساب الزراعة والصناعة التحويلية لضمان استمرار تخلف هذه البلدان.

في المقابل، ركزت الرأسمالية قوتها على محاربة القوى الاشتراكية في هذه البلدان، مستخدمة القوى الرجعية والإسلام السياسي، ما حيد الصراع الطبقي في هذه البلدان وخلق صراعات جانبية تستنفذ قواها الثورية, وتوهمها ببعض الإنجازات عبر الإصلاح الشكلي.

قوانين تنظيم العلاقات في الاقتصاد الرأسمالي:

يبدو للوهلة الأولى عند دراسة النظام الرأسمالي العالمي، بأن القضايا الخاصة بعلاقات السوق والعلاقات الدولية لتبادل السلع والخدمات هي التي تلعب الدور الأساسي في العلاقات الاقتصادية للعالم الرأسمالي، إلا أن علاقات الإنتاج وما ينجم عنها من أسلوب في الإنتاج هي التي تلعب الدور الأساسي في العلاقات الاقتصادية للعالم الرأسمالي، هذا هو منطق الطريقة الماركسية اللينينية في تحليل مختلف مراحل تطور الاقتصاد الرأسمالي باعتباره عملية ذات طبيعة تاريخية، تستند إلى الارتباط الوثيق بين قوانين تطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي على النطاق العالمي وبين السوق العالمية.

كما أن الاقتصاد البرجوازي يحاول وبأي ثمن الانطلاق في تحليله من مرحلة التبادل وليس من مرحلة الإنتاج، لأن هذا الأسلوب يخفي المحتوى الاستغلالي في هذه العلاقات؛ لذا فإن جهود الاقتصاديون البرجوازيون في تحليل بنية الاقتصاد الرأٍسمالي بمعزل عن العلاقة التاريخية بينه وبين اتجاهات تطور نظام تقسيم العمل الدولي الرأسمالي جاء لخدمة الفكر الاستعماري. لقد نشأ وتطور النظام الرأسمالي باتجاهين، الأول تطور رأسمالي عمودي، أي نمو الإنتاج الرأسمالي في بعض البلدان المتقدمة، والثاني تطور أفقي للرأسمالية، أي استعمار مناطق جديدة. لذلك؛ فإن تاريخ الاقتصاد الرأسمالي العالمي، هو تاريخ نضال رأس المال من أجل الحصول على مناطق واسعة للنفوذ الاستعماري الذي مكن البرجوازية من تغيير العالم وطبعه بطابعها.

من ناحية أخرى، يختلف علماء الاقتصاد الماركسيين في طريقة تحليل بنية النظام الرأسمالي العالمي؛ فالغالبية من العلماء السوفييت كانوا يعتقدون أن النظام الرأسمالي العالمي مرتبط بالتوسع الاستعماري واتساع النفوذ والسيطرة على الموارد، بينما يعتقد تجاه آخر أن تطور النظام الرأسمالي غير مرتبط بالهيمنة والاستعمار المباشر، وإنما بهيمنة هذا النظام واحتكاره للتكنولوجيا وحرمان الدول المتخلفة من تطوير أدوات الإنتاج في الصناعات التحويلية، وتعزيز الصناعات الاستخراجية التي تعتمد على استنزاف الموارد الأولية والثروات الطبيعية وتصديرها للبلدان الرأسمالية المتطورة التي تضفي عليها التكنولوجيا وتعيدها كسلع استهلاكية لاستنزاف موارد الدول النامية ما يعني بقاء تبعية هذه البلدان للاستعمار.

الاقتصاد الرأسمالي العالمي وسياق تطوره:

يعتبر الاقتصاد السياسي - الماركسي اللينيني- أن الصناعة الثقيلة تجمع شمل العناصر المعزولة الأخرى في الاقتصاد الرأسمالي العالمي؛ لذا فإن هذا الجمع لم يتأثر بمسيرة انهيار النظام الاستعماري التقليدي؛ فالصناعات الثقيلة التي خلقت الاقتصاد الرأسمالي العالمي في شكله الحديث، سوف لن تبقى هي المجال الأقوى لعملية الإنتاج الموسع فحسب، وإنما المجال الأكثر حيوية في هذه العملية، وبالتالي فهي التي تحدد أهم اتجاه في تطور تقسيم العمل الدولي الرأسمالي، وبالتالي يتوقف استمرار بقاء سيطرة رأس المال العالمي بالقوى الاستعمارية على مكانة هذه الصناعة.

من ناحية أخرى، تعاظم دور تلك الصناعات بصورة خاصة من خلال الثورة العلمية والتقنية، والتي تشمل أقوى الفروع الاحتكارية، كما أن نمو هذه الفروع بصورة سريعة نسبياً يظهر الأسباب التي أدت إلى تزايد أهمية توسيع التجارة الدولية الرأسمالية، وزيادة نسبة مساهمة الدول الصناعية المتقدمة فيها. لقد نجم الظرف غير المتكافئ الذي تمر به البلدان النامية ضمن الاقتصاد الرأسمالي العالمي نتيجة للآثار التي خلفتها السيطرة الاستعمارية في الاقتصادات المتخلفة لهذه البلدان، وأصعب ما تركه الاستعمار في البلدان التي استعمرها كان في مجال الصناعة التحويلية، علماً بأن القطاعات الصناعية الرئيسية في البلدان النامية هي أكثر القطاعات تخلفاً.

إن عدم التكافؤ في مواقع النظام الرأسمالي العالمي بين الدول النامية والدول المتقدمة هو السبب في استمرار بقاء السيطرة الاستعمارية الاقتصادية واستغلال الاحتكارات الأجنبية؛ لذا فإن نضال شعوب البلدان النامية من أجل القضاء على التخلف الاقتصادي يمثل الاتجاه الرئيسي في نضال هذه البلدان وشعوبها ضد الاستعمار وصولاً للاستقلال الفعلي وتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

الثورة العلمية والتقنية وأثرها في تعميق الاحتكارات للدول الرأسمالية:

تؤدي النتائج الاقتصادية للثورة العلمية والتقنية إلى تغيرات في مجال تطوير القوى المنتجة بصورة خاصة، وتنعكس في تغيير يحدث على وظيفة الإنسان في عملية الإنتاج، لأن الإنسان يبقى أهم قوة إنتاجية في المجتمع.

في المقابل، قلبت الثورة العلمية والتقنية العناصر المادية الرئيسية للإنتاج (الإنسان) من خلال الأتمتة، وانقلبت موضوعات العمل من خلال إنتاج المواد الاصطناعية بنفس مواصفات المواد الطبيعية، وتشمل هذه التغيرات جميع مراحل الإنتاج، بدءاً من المادة الأولية وحتى تسويق المنتج، حيث تقود الأتمتة إلى تغيرات مبدئية في صفة العلاقة التقنية المتبادلة بين الإنسان والآلة.

أدى الانتقال إلى الأتمتة إلى أن تحل الآلات محل الإنسان في كافة مراحل الإنتاج بما فيها الرقابة والجودة. لقد تحرر الإنسان من خلال ذلك من ارتباطه القصري بالآلة وأصبح يقف إلى جانب عملية الإنتاج بدلاً من أن يكون الفاعل الأساسي فيها.

إن تعديل رأس المال والقوى العاملة بين الفروع الصناعية والمناطق لا يخلق بنية اقتصادية جديدة فحسب؛ وإنما يخلق بنية جديدة لمجموع العمال أيضاً، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى حدوث تغيرات أساسية في ظروف تطور النضال الطبقي، ما يجب أن تأخذه الحركات الثورية بعين الاعتبار.

هناك تغيرات كثيرة ومتناقضة في معظم الأحيان تؤثر في تركيب تأهيل وتدريب الطبقة العاملة ويحاول بعض الاقتصاديين البرجوازيين أن يروجوا إلى أن زيادة الأتمتة تؤدي إلى تراجع في تأهيل العمال وتدريبهم، وذلك بهدف إثبات صحة النظرية التي تطالب بتقليص دور الشغيلة وتحقيق سعي الاحتكارات إلى تخفيض سلم أجور العمال الذين يشغلون الآلات بحجة أن هذا العمل يتطلب جهد أقل بكثير من السابق، وبهذا يتم إنكار محتوى التغييرات الجارية في تأهيل وتدريب الشغيلة وفقاً لمتطلبات التغييرات التقنية.

من هنا نجد أن النظرية القائلة بتقليص أهمية التأهيل والتدريب تنطلق من ضيق الأفق بالنسبة للنظرة إلى محتوى التأهيل والتدريب ولا تأخذ المستوى المعاصر للعمل الجماعي بعين الاعتبار؛ فالأتمتة الكاملة والشاملة تتطلب إزالة التناقض بين العمل الجسدي والعمل الفكري، ورفع مستوى تأهيل وتدريب العمال إلى مستوى مختصين مهنيين وتقنيين.

تتصف التغيرات في تأهيل العمال في ظل الرأسمالية بتناقضات كثيرة، كما تخلق الرأسمالية عوائق جدية أمام زيادة التأهيل والتدريب للعمال وتسعى جاهدة إلى تفتيت الطبقة العاملة وخلق تمايز طبقي داخلها بين الشغيلة والمهنيين والتقنيين، ما يضعف ويفرغ النظام الطبقي من مضمونه.

إن زوال العوائق واستعادة قوة الطبقة العاملة يتوقف أساساً على نضال هذه الطبقة من أجل الاعتراف بالسمة الجديدة للتأهيل وانعكاسه على الأجر، ومن ثم نشر التعليم العام والتدريب المهني، ما يجعل من المهمة الملقاة على كاهل القوى الماركسية والثورية في الدول النامية مسئولية تثقيف كبيرة وتطوير فكري وبرامجي ينسجم وطبيعة هذه المرحلة.