تفتحت عيناي في السنة الأولى بالمدرسة الابتدائية على صور انتصار الجيش المصري في حرب السادس من أكتوبر من العام 1973، وهو النصر الذى تجسد في ذاكرتي مخلوطًا بالحزن الذى غمر قريتي "كوم العرب"، فقد رحل اثنان من شبان عائلتي في الحرب، وأصيب آخر، وحوصر خمسة من الشبان المجندين في الجيش ضمن قوات "الجيش الثالث الميدانى" بعد تسلل "شارون " وحدوث "الثغرة"، وكان ناظر المدرسة يخطب فينا كل صباح عن فلسطين وسيناء، وفى البيت كانت أحزان الأمهات؛ تقسم قلبي نصفين؛ نصف يفرح صباحًا، ونصف يحزن على من رحلوا في "جبهة سيناء".
وفى السنة الرابعة الابتدائية، هداني أخي الأكبر إلى إذاعتين هما "صوت مصر العروبة "من "بغداد"، و"صوت مصر العربية" من "دمشق"، وكانتا تذيعان برامجهما في المساء، وكنت أمتلك "راديو"؛ أدير مؤشره، فأسمع أصواتًا مصرية تدين "السادات " واتفاقية "كامب ديفيد"، وكانت الإذاعة المصرية تسخر من هؤلاء الرافضين للسلام؛ دعاة الحرب والدمار، وكان الناس فى قريتي أسرى خطاب الإذاعة؛ يقولون إن السادات يريد أن يحمى الشعب ويحمى أرواح الشباب، وهذا هو الخطاب الذى أطلقته حكومة السادات، لتبرر اتفاقية العار والخيانة، وكنت أستمع لأغاني "الشيخ إمام"، كل ليلة من إذاعتي "صوت مصر العربية" و"صوت مصر العروبة ". وفيما بعد جرت تحولات، منها الطيب ومنها الخبيث؛ الطيب منها أنني أصبحت روائيًا أنشر رواياتي في "دار ميريت" بالقاهرة، وفيها تعرفت إلى الناقد المناضل الراحل "سيد خميس" الذى كان ضمن طاقم المناضلين العاملين في إذاعة "صوت مصر العربية من "دمشق"، وتعرفت إلى الشاعر الراحل "أحمد فؤاد نجم"، وكانا سويًا في تغريبة المناضلين المصريين الذين غادروا القاهرة احتجاجًا على "كامب ديفيد" وخوفًا من بطش نظام السادات، وهى تغريبة أنتجت فراغًا ثقافيًا؛ جعل المشهد الثقافي المصري مباحًا لمثقفي اليمين، وعملاء جهاز "أمن الدولة"، والخبيث من تلك التحولات، أن من ناضلوا دفاعًا عن العمال والفلاحين وانضموا للمقاومة الفلسطينية في لبنان؛ أصبحوا متمولين من بلدان أوربا وأمريكا، فأصبحت "المراكز الحقوقية" مأواهم وسر ثرواتهم المفاجئة، ومنهم من كان يعمل في إذاعة "صوت مصر العروبة" في "بغداد"، ومما جرى وأصابني بالحزن والارتباك أن الملحق الثقافى للسفارة الصهيونية بالقاهرة، دخل المقر المركزي لحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، ذلك الحزب الذى كنت من أعضائه، وكانت جريدة "الأهالي" الناطقة باسمه، ترفع راية النضال القومي العروبي وتعتبر فلسطين قضية؛ تخص الشعب المصرى كله، لكن "السياسة" لها اعتبارات ومناورات وألاعيب، فقد انتهى الاتحاد السوفييتي، وانتهى النضال الذى عرفته وأنا طالب في المرحلة الثانوية، وحل محله نضال آخر؛ يقوم على المهادنة والتهدئة، واخترع "رفعت السعيد" نظرية أسماها "الأسقف الواطئة". ومما أتذكره من سنوات دراستي الجامعية؛ الحفل الذى أقيم في "مسرح الجمهورية" بالقاهرة؛ دعمًا للانتفاضة الفلسطينية في ثمانينيات القرن الماضي، وحضره " ياسر عرفات " وآخرون من شعراء فلسطين، ويومها هتف شباب مصريون وفلسطينيون؛ هتافات ضد "كامب ديفيد"؛ فهرول "ياسر عرفات " وأمسك "الميكروفون" وقال ما معناه، لا تهتفوا ونحن ضيوف على مصر ولا تحرجونا، وهنا سقطت صورة "الزعيم" وشعرت بفداحة التحول الذى جرى، ولكنني كنت أسمع وأرى، بعض الذين سافروا إلى "لبنان" لدعم المقاومة الفلسطينية قبل خروجها، وكانت أحاديثهم تفيض بالحنين والأسى والعجز المرسوم في حدقات العيون التي أحاطت بها التجاعيد، وعلامات الزمن المر، وكانت مقاهي المثقفين في "القاهرة"؛ تفيض بالشبان المناضلين التقدميين الذين انفرط عقد أحزابهم الشيوعية السرية، وظلوا قابضين على فكرة النضال وفكرة المقاومة، ولكن ما لا يمكن نسيانه؛ ظهور "أحمد ياسين " ليصبح هو الرمز الفلسطيني المقاوم في "غزة"، واستبدال فلسطين التقدمية الثائرة ضد الأمريكان والصهاينة، بفلسطين أخرى؛ مختصرة في عبارات "تحرير الأقصى الأسير" و"فلسطين وقف إسلامي"، وأصبحت "غزة" هي البلد الذى يموت أهله كل يوم، تحت القصف اليومي للطيران الصهيوني، وهى سر الحزن الذي أراه على وجوه الفقراء من زبائن المقاهي التى ارتادها فى الأحياء الفقيرة القاهرية، ولكنني فى الفترة ذاتها؛ رأيت البذور التي أثمرت شبان "ثورة 25يناير"، كانت البذور عبارة عن "مظاهرات" قوامها تلاميذ المدارس الإعدادية والابتدائية، عقب مقتل الطفل الفلسطيني "محمد الدرة"، ولما خرجت جماهير الثورة، كان مناضلو اليسار الذين قادوا النضال والمقاومة، ضد الأمريكان والصهاينة، قد صاروا شيوخًا، تمتلئ حقائبهم بأدوية "السكري" و"ضغط الدم"، لكن اقتحام شباب الثورة لمقر السفارة الإسرائيلية بالقاهرة، كان مقدمة لتصفية الثورة ذاتها، ورغم منح الشاب "الصنايعي" الذى أسقط علم "إسرائيل" من فوق مقر السفارة، "شقة" مكافأة له من "عزازي على عزازي" محافظ الشرقية، وابن خالة "سليمان خاطر" الذى قتل سبعة صهاينة؛ داسوا العلم المصري في "سيناء" المنزوعة السلاح، أيقنت أن تصفية الثورة أصبحت "مهمة مقدسة" لدى أعداء الثورة والشعب المصري والشعب الفلسطيني، وانتهت لحظة النصر الثوري إلى فاجعة ما زلنا نتجرع آلامها، وانتقلت "سفارة إسرائيل" من مكانها الأول على نهر النيل، إلى حي "المعادي" الهادئ الغني، لتكون آمنة مؤمنة ضد الغضب الشعبي، وانتهت سنوات "المفاوضات" التي كانت وظيفة وحرفة لمبارك وأعوانه، وبقي الجرح الفلسطيني غائرًا داميًا، ورغم النصر الذى حققه "حزب الله" في حرب "تموز" ضد جيش الصهاينة، لم أفرح به كثيرًا، لأن المثقفين المتمولين من أمريكا وكندا وهولندا، لم يروا دبابات "الميركافا" المدمرة بسلاح المقاومة، ولكنهم رأوا طائرات "إسرائيل" وهى تقصف بيروت والجنوب اللبناني، وجماعة الإخوان، لم ترَ شجاعة مقاتلي حزب الله، بل رأت "الشيعة "أعداء "السنة"، وخرج خطباء وشيوخ "الوهابية" يكفرون كل من يدعم "حزب الله" لأنه "شيعي"؛ مدعوم من "إيران" التي تريد السيطرة على أهل المذهب السنى لتجعلهم "شيعة" يدينون لها بالولاء، وانتهت اللحظة السعيدة القصيرة؛ بمقالات كتبها يساريون سابقون يذكروننا بمقتل "مهدى عامل" و "حسين مروة" على أيدي مقاتلي حزب الله؛ أثناء الحرب الأهلية في "لبنان"، ونشط المثقفون المتمولون من "آل الحريري" وتيار المستقبل.. وقالوا لنا: إن انتصار "حزب الله" انتصار لولاية الفقيه وحكم رجال الدين.
ورغم ما جرى من تصفية للثورة، وعزل للشعب الفلسطينى واستبدال شعار"الصراع العربي الإسرائيلي"؛ بشعار" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي"، بقيت فلسطين في قلوب المصريين الفقراء الذين لم ينسوا دم شهداء حروبنا ضد الصهاينة، وكان المشهد المفرح لي شخصيًا، مشهد رفض الشعب المصرى للتطبيع مع العدو الصهيوني؛ فقد رفضت نقابات الصحفيين والمهن التمثيلية والموسيقية، قبول الخطة الإماراتية لفرض التطبيع مع العدو الصهيوني، وصدر بيان من نقابة الصحفيين بإدانة ما قام به الممثل "محمد رمضان"؛ وقررت نقابة المهن التمثيلية وقفه عن العمل وإحالته للتحقيق، وهاجم الكتاب الوطنيون ما قام به "نجيب ساويرس"؛ صاحب وراعي "مهرجان الجونة السينمائي" من محاولات لتمرير التطبيع؛ عبر استضافة مخرج صهيوني للمشاركة في المهرجان، ورغم رمزية المعركة، لكنها حملت رسالة قوية، إلى عملاء الصهاينة في الخليج ومصر وشمال إفريقيا والحجاز، مؤداها أن فلسطين قضية العرب الأولى ، وأن الكيان الصهيوني؛ كيان غريب محتل غاصب لا مستقبل له مهما استقوى بالمال وجند واشترى الخونة؛ من الحكام ورجال الأعمال، وهذا يجعلني أراهن على الشعب المصري وجوهره النقي، وكل الشعوب العربية التي ما زالت صامدة رغم تجبر الأنظمة الحاكمة وبطشها بالثوار والمناضلين.. ويبقى الرهان الأكبر، على المقاومة الفلسطينية الصابرة الصامدة والمقاومة اللبنانية الواعية، وسوف تزول إسرائيل وتعود فلسطين العربية حرة؛ بفضل صمود شعبها المجاهد الأبي.

