طالما تم تصوير "إسرائيل" في وسائل الإعلام الغربية السائدة على أنها موطن اليهود والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، وذلك لأن مراكز النفوذ من جهة والكسل المعرفي لدى هذا الإعلام من جهة أخرى غالبا ما يمنع من كشف الحقائق وراء هذا الادعاء، وقد أصبحت هذه الحقائق البديهية افتراضات معتادة تقوم عليها التغطية الإخبارية والسياسة العامة والمحادثات العادية، في الوقت نفسه ، في حين أن انتقاد سياسات الحكومات يعتبر حقًا أساسيًا وضمانة للديمقراطية، فإن انتقاد السياسة "الإسرائيلية" يتعرض للهجوم باستمرار باعتباره معادٍ للصهيونية - أو كما استجد: معادٍ للسامية - من قبل غالبية "الإسرائيليين" ومن خارجها. وفي البلدان التي تعلن عن نفسها كصديقة لـ"إسرائيل" نادرا ما تُسمع آراء "الإسرائيليين" واليهود المستقلين الذين يفحصون أو يتحدون أو يعارضون الحكومات والسياسات "الإسرائيلية" المتطرفة.
وكما تقول مؤلفة هذا الكتاب، فباستثناء أولئك الذين وصفتهم المؤسسات "الإسرائيلية"، واليهودية بأنهم متطرفون، ويهود يكرهون أنفسهم وحتى "خونة" ، كان هناك عدد قليل نسبيًا من "الإسرائيليين" واليهود أو أصدقاء "إسرائيل" الذين يصفون أنفسهم بأنهم يقاومون أو يفحصون الأيديولوجية العنصرية المتأصلة لـ الصهيونية، مضيفة أنها حاولت في كتابها إعطاء صوت لبعض أولئك الذين كانوا لديهم شجاعة بما يكفي لمعارضة السرد الذاتي المقبول على نطاق واسع حول "إسرائيل" باعتبارها "وطن اليهود" أو "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".
الكتاب عن انتراينك بريس هو " المصارعة مع الصهيونية: أصوات المعارضة اليهودية" للباحثة دافنا ليفيت التي شاركت في تأليف كتاب " الرفض الإسرائيلي: أجندة خفية في عملية السلام في الشرق الأوسط" وكانت ناشطة في غوش شالوم وبتسيلم وويندوز وأطباء من أجل حقوق الإنسان ومحسوم ووتش وتعايش ومنظمات سلام أخرى، غادرت ليفيت فلسطين المحتلة عام 2001 احتجاجا على ما وصفته بحملة القمع الوحشي التي شنها الجيش الصهيوني ضد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهي تعيش وتعمل حاليا في نوفا سكوشا في كندا، ومن المعلوم ربما أن دافنا ليفيت معروفة سابقا بفضل كتابها المشترك (الرفض الإسرائيلي) مع زلمان عميت [ أستاذ فخري لعلم النفس في مركز دراسات البيولوجيا العصبية السلوكية في جامعة كونكورديا]، والذي أثبتا فيه بالأدلة الدامغة أن الرفض "الإسرائيلي" هو السبب الرئيسي لفشل السلام، وأثبتا أن القيادة "الإسرائيلية" كانت دائمًا ضد سلام يتم التفاوض عليه بشكل عادل وعرقلت المفاوضات عن عمد طوال الثمانين عامًا الماضية، وقد تغيرت الدوافع وراء هذا الموقف الرافض، كما تغيرت ظروف الصراع، لكن الاستنتاج ظل ثابتًا - فالسلام لم يكن في مصلحة "دولة إسرائيل". ويعتمد الكتاب على ثروة من المصادر - بما في ذلك الوثائق والنصوص العبرية - لإظهار أن الفلسطينيين هم من يفتقرون إلى "شريك سلام" قابل للحياة. والكتاب الذي ننشر هنا عرضا له، يحاول استعادة تاريخ المعارضة اليهودية للفكرة الصهيوني، والصراع اليهودي – الصهيوني إن صح التعبير، والتذكير بما ينساه الكثيرون بأن الصهيونية طالما كانت أقلية بين اليهود، عارضا أصواتا يهودية -21- مفكرا ما بين علماء وعلماء دين ومحامين وغيرهم، تصارعوا مع الصهيونية في مستويات متعددة ومتفاوتة، منذ بدايتها على أسس سياسية أو دينية أو ثقافية أو أخلاقية أو فلسفية، ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر، قبل تأسيس دولة "إسرائيل" بوقت طويل، واستطلاع آراء شخصيات رائدة حتى الوقت الحاضر، حيث تقدم الكاتبة مجموعة من وجهات النظر المتناقضة وتدرسها وتجمعها معًا في محادثة تاريخية واحدة، بالإضافة إلى ذلك تحاول الكاتبة إحياء ما تسميه تقليد البحث الفكري الشجاع والنشط المتجذر في في الضرورات الأخلاقية اليهودية حسب قولها، حي ثقامت بجمع نص يمكن من ناحية معينة من النظر في العلاقة بين الصهيونية السياسية الحديثة واليهودية اليوم.ما يلي هو مراجعة لهذا الكتاب بالاعتماد على مقالات المؤلفة و عدد من المراجعات الرصينة التي كتبها آخرون
يعرض الكتاب مقدمة موجزة لأكثر من عشرين من كبار النقاد اليهود للصهيونية السياسية منذ بدايتها في تسعينيات القرن التاسع عشر، رغم أن المؤلفة تعترف أن الغوص في سير هؤلاء النقاد تبرز صعوبة النجاة من إغواء الصهيونية بالنسبة ليهودي، حتى لو كان فردا من ذوي التفكير المستقل، الأهم من ذلك أن الكتاب يظهر أنه وبعد أكثر من قرن على ظهورها، لايمكن إنقاد الصهيونية، وأنه يجب التخلي عن فكرة الدولة اليهودية.
وتعتقد ليفيت أن الدولة "اليهودية" كان من المفترض أن تكون "نورًا للأمم" و بدلاً من ذلك ، تشير إلى أنها أصبحت شيئًا مختلفًا تمامًا، وبدلاً من ذلك، أصبحنا قوة عسكرية، مسلحة حتى الأسنان وعمياء عن ضحايا قسوتها المفرطة.
وتلاحظ المؤلفة عبر تاريخ الفكرة الصهيونية ونقدها، أن بعض الهجمات الذابلة إن صح التعبير وأكثرها ضعفا، جاءت من يهود احتفظوا بالمنظور الصهيوني، وتلاحظ الكاتبة هذا التناقض فتشرح كيف مثلا أن مارتن بوبر الفيسلوف وعالم الدين الوجودي وأهاد هعام ، الذي شجب بمرارة المعاملة الصهيونية المبكرة للفلسطينيين، ظل كل منهما عميق الانجذاب لفكرة اجتماع "الشعب اليهودي" في فلسطين، وحتى التقليديين الأرثوذكس، الذين كان لديهم في البداية كره عميق لفكرة تشكيل دولة يهودية في فلسطين، اعتنقوا جميعًا تقريبًا في نهاية المطاف نسخة من الصهيونية، أو على الأقل وافقوا بسعادة على (ضيافة الدولة).
[مارتن بوبر Martin Buber1878-1965) هو فيلسوف الدين اليهودي، المولود في فيينه، كان من أشد معارضي الاندماج وكتب عام 1934 «من الواضح أن المجموعة اليهودية لا يمكن اندماجها مع أي فئة حيث إنها فريدة من نوعها» وفي الوقت الذي أكد الألمان على الذوبان في شخصية قدماء الجرمان والدعوة إلى المسيحية الفولكية والتعلق بأهداب الذات الكونية للمسيح، أكد بوبر على الذوبان في شخصية أنبياء التوراة والدعوة إلى اليهودية الفولكية والتعلق بأهداب الذات الكونية للإله يهوا. ونظر بدوره لمقولة (الشعب الكاهن) المتوحد مع الأرض والإله «إن إسرائيل تتلقى تجربتها الدينية الحاسمة كشعب ليس من النبي وحده الذي تشمله عملية الوحي بل المجتمع ككل فمجتمع إسرائيل يعيش التاريخ والوحي كظاهرة واحدة» وهكذا وكما أن هتلر وغيره من الناطقين باسم الفاشية الألمانية قد عابوا على اليهود «افتقارهم إلى الجذور» فقد سارع بوبر لا إلى رفض السؤال العنصري من أساسه وإنما قبوله وبالذات قبول أساسه العنصري ثم الإجابة عنه بالزعم أن جذور اليهود موجودة في فلسطين موحدا بين القومية والإيمانية باعتبارهما شيئا واحدا «إن وحدة القومية والإيمان التي تشكل أساس وضع إسرائيل الخاص هي مصيرنا».
أما آحاد هاعام Ahad Ha~am وهو اسم مستعار يعني أحد العامة بالعبرية واسمه الحقيقي آشر بن غينزبرغ، ولد في أوكرانيا وكان رومانتيكيا معاديا للعلم المادي«إن سر بقاء شعبنا هو ما علمه الأنبياء في أقدم العصور: أن يحترم قوة الروح وأن لا يعبد قوة المال»، وفي كتابه «إعادة تقييم القيم» الذي يحمل عنوانا نيتشوياً، والمنشور عام 1898 كان هاعام قد أعطى النيتشوية قالبا يهوديا، معتبرا أن النيتشوية كانت موجودة في اليهودية منذ البداية وقد كتب«على أتباع نيتشه اليهود أن يعلموا أن اليهودية لم تقم على الرحمة فقط، لم تجعل قط الرجل الأرقى خاضعا لجمهور الناس، كما لو كان غرض وجوده الكامل وهدفه مجرد زيادة سعادة دهماء الناس».
وقد ساهم آحاد هاعام بصياغة نظرية (السوبرمان) في طبعتها اليهودية، معتبرا أن الرجل الصالح (الصديق) Zaddik المعروف في التقاليد اليهودية هو سوبرمان اليهود.
ودعا إلى نخبوية صهيونية معتبرا أن الاستيطان يجب أن يكون منظما ونخبويا إلا أن أفكاره لاقت معارضة شديدة من زعماء الصهيونية.]
في كتابها تناقش ليفيت مفكرين تم توصيفهم كشخصيات ثقيلة مثل بوبر وألبرت أينشتاين وهانا أرندت، ومن خلال المزيد من العلماء المعاصرين المتخصصين والصحفيين والناشطين والمحامين . كلهم آمنوا ذات مرة بـ"الصهيونية المتفائلة"، ولكن ليس جميعهم تمكنوا من الإفلات من قبضتها.
في سنواتها الأولى ، عندما كانت الصهيونية مجرد فكرة إلى حد كبير، جذبت العديد من المثقفين الطموحين - لا أحد أكثر طموحًا من بوبر، الذي عبر كما قاربنا أعلاه عن إخصاب العقلانية الرومانسية للفلسفة الألمانية بالعاطفة الروحية للحسيدية ، وقفز إلى ما وراء القومية الدنيوية، التي أدان نسختها الصهيونية باعتبارها يهودًا فقط يحاولون "الانضمام إلى مجموعة الذئاب" وحذر من أن تلك الطريقة تكمن في عذاب رهيب، إذا فقد اليهود فرصتهم في جعل صهيون ملاذًا جديدًا للأمم - "بناء عظيم للسلام" - وبدلاً من ذلك حاولوا مجرد امتلاك أرض مثل الآخرين، "ستغرق الأرض تحت أقدامهم"، كما تنبأ، وفي بعض المرات تحدث عن ضرورة احترام العرب والعيش بسلام معهم.
قبل جيل من بوبر، ترك أحد هعام نشأته الحسيدية في كييف ليستقر في فلسطين، وكما تشير ليفيت كان يرغب أيضًا في مساعدة اليهود في الحفاظ على تقاليدهم الأخلاقية والروحية والبناء عليها، رغم أنه عمل من منظور علماني وإنساني. يُشار إليه اليوم كـ والد "الصهيونية الثقافية" وعلى أنه الرجل الذي لاحظ السكان العرب الأصليين عندما زار المستوطنات الصهيونية الأولية في فلسطين عام 1891، قبل خمس سنوات من اختراع هرتزل للصهيونية السياسية في كتابه "الدولة اليهودية"، و قال هعام لقرائه حينها إن فلسطين ليست خالية من السكان، لم يكن شعبها متوحشين، وأن المستوطنين اليهود يعاملونهم بطرق قاسية وعدائية، وكان عدم قبول مثل هذه القسوة والعنف موضوعا ثابتا.
و بعد، بالنسبة لألبرت أينشتاين، فقد كانت مصارعاته مع الصهيونية أكثر هامشية في عمل حياته المكرس للعلم أصلا، ولكن تكشف الكاتبة أنه أحب الطبيعة الأخلاقية والفكرية لتراثه اليهودي وحذر من أن تطوير "قومية ضيقة" أمر خطير ومتناقض بالنسبة لليهود، ومع ذلك، علمنا أنه في عام 1947 تزعزع تصميمه عندما كتب إلى رئيس وزراء الهند، جواهر لال نهرو، يطلب منه دعم إنشاء دولة يهودية في وقت قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة. في عام 1948، عاد لينتقد الصهيونية بشدة، وانضم إلى رسالة تقارن الزعيم الإرهابي مناحيم بيغن (رئيس وزراء الكيان) بالنازي وتؤكد المؤلفة أن أسطورة دعم أينشتاين لـ"إسرائيل" ولدت بعد وفاته في نعيه في صحيفة نيويورك تايمز.
أيضا تم تخصيص أحد الفصول ليشعياهو ليبوفيتش، وهو يهودي أرثوذكسي وأستاذ قديم في الجامعة العبرية، يقول إنه لا ينبغي أبدًا عبادة أي أمة أو دولة على أنها مقدسة ودعا إلى فصل الدين عن الدولة، ورأى أن احتلال الأراضي الفلسطينية مكروه يفسد روح "إسرائيل"، ولم يكن يريد أن تكون اليهودية "غطاء لعري القومية" كما أنه لا يريد أن "تُستخدم لإضفاء هالة من القداسة على القومية المنسوبة إلى خدمة الله" و " إن احترام دولة إسرائيل كأرض مقدسة أمر غير مقبول، وهو شكل من عبادة الأصنام" وفي فهم ليبوفيتش لليهودية، لا يمكن أن تكون أي قطعة أرض مقدسة ولا يمكن لأي أمة أو دولة أن تكون مقدسة لأن "الله وحده قدوس وفقط أمره هو المطلق".
فصل آخر تم تخصيصه لزييف ستيرنهيل، الذي شغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة العبرية وهو خبير معروف على نطاق واسع في الفاشية، كتب مقالًا في عام 2018 بعنوان "في إسرائيل، تنامي الفاشية والعنصرية أقرب إلى النازية المبكرة"، ويسأل ستيرنهيل: "كيف يمكن للمؤرخ بعد 50 أو 100 عام ... أن يفسر فترتنا؟ متى تحولت الدولة إلى وحشية حقيقية ضد سكانها من غير اليهود؟ متى فهم بعض الإسرائيليين أن قسوتهم وقدرتهم على التنمر على الآخرين، الفلسطينيين أو الأفارقة، بدأت في تآكل الشرعية الأخلاقية لوجودهم ككيان ذي سيادة؟ ".
بالانتقال إلى حالة شلومو ساند، الأستاذ الفخري للتاريخ في جامعة تل أبيب، فهو يعتقد أن المجتمع اليهودي في "إسرائيل" أصبح عنصريًا ومتمحورًا حول العرق، لقد تطور إلى طاقم حصري مغلق، والذي يمقته ساند، حيث يتمتع اليهود اليوم بامتيازات أكبر من غيرهم ممن يعيشون في نفس الدولة، وأشار إلى أنه حتى اليهود الذين يعيشون خارج "إسرائيل"، والذين لم تطأ أقدامهم "إسرائيل" أبدًا، لديهم حقوق وامتيازات داخلها أكثر من "الإسرائيليين" غير اليهو، وأشير أخيرا إلى أن مؤلفات ساند ضد الدولة الصهيونية وحصرية العرقية اليهودية أصبحت معروفة على نطاق واسع.
أحد الجوانب في كتاب ليفيت هو تسليط الضوء على التناقضات العميقة داخل الصهيونية نفسها، في رسمها لمؤسس الصهيونية، ثيودور هرتزل المضطرب والمحبط، نرى أن خطوط الصدع تعود مباشرة إلى تناقضه غير المحسوم تجاه اليهود واليهودية، فقد أزعج هذا التناقض الكثير من اليهود الأوروبيين خلال القرن الماضي من "التحرر" العرضي، والاستيعاب، والصعود البغيض لمعاداة السامية العرقية الحديثة، لدى هرتسل أصبحت الازدواجية أرضًا خصبة للخيال الطوباوي الذي غزله في "الدولة اليهودية" وروايته "الأرض القديمة الجديدة" لحل "المشكلة اليهودية" بطريقة سحرية، استوعب هذا مع تعرض قليل لليهودية أو التقاليد اليهودية، شعر فجأة بثقل وخطر معاداة السامية الجديدة وبدأ في التبشير بالصهيونية السياسية، التي بنيت على إيمان واسع النطاق بمركزية الأقدار القومية و"التفوق الهائل" لـ الحضارة الغربية. على الفور، أصبحت فكرته حركة، استضافت المؤتمر الصهيوني العالمي التاريخي في العام التالي، في عام 1897. وبعد سبع سنوات، توفي هرتزل عن عمر يناهز 44 عامًا، لكن الحركة تطورت إلى سياسة بريطانية (1917)، نكبة لا نهاية لها (1948 -) ، "إسرائيل الصغيرة الجميلة" (1949-1967)، أزمة عالمية مزمنة، وهوس أمريكي.
تصارع جميع النقاد المتبقين في قائمة ليفيت مع حقيقة الصهيونية في زمانهم، مثل المنشقين السابقين، ساهم بعضهم أيضًا في تناقضاتهم الخاصة في هذا المزيج، ومع ذلك، فإن اثنين من المفكرين السياسيين، حنا أرنت، وجيل لاحق ، مثل تيكفا هونيغ بارناس، لم يعطوا الصهيونية أي شيء.
تقدم أرنت ، التي توفيت عام 975، ومن الواضح أن المؤلفة توليها اهتماما خاصا،التحليل الأكثر عمقًا لتناقض الصهيونية واليقين الناتج عن انهيارها في نهاية المطاف، وهكذا، بالطبع، كانت - ولا تزال - أكثر من يتجنبه الصهاينة بمرارة.
كانت مهتمة بفهم حقائق التاريخ اليهودي الأوروبي فيما يتعلق بغير اليهود الذين يعيشون بينهم، وخاصة الألمان، وقد وصلت إلى المهمة بموقف نزيه صارم، على الرغم من أن الذروة المخيفة لمعاداة السامية العنصرية في بلدها ألمانيا هي التي دفعتها إلى تناول الموضوع، والبحث عن الأسباب التاريخية الدقيقة للكراهية تجاه اليهود، وهي لا تبرر الكراهية بأي حال من الأحوال، فقد أشارت أرنت إلى أهمية قيام اليهود في كثير من الأحيان بعزل أنفسهم أخلاقياً وثقافياً ولغوياً، كما تقول ليفيت ، "من أجل الحفاظ على هويتهم، وعدم التأثر بالتأثيرات الخارجية، وبشكل أكثر تحديدًا، وفقًا لما قالته ليفيت، أقرت أرنت "بالتقليد اليهودي المتمثل في العداء العنيف غالبًا للمسيحيين والأمم الأخرى.
لم يرض أي من هذا الصهاينة، لكن كانت تقارير آرنت الواقعية في صحيفة نيويوركر عن محاكمة "إسرائيل" في القدس لزعيم المحرقة النازي أدولف أيخمان في عام 1961 هي التي أدت إلى ما تسميه ليفيت "حرمان أرندت الافتراضي في "إسرائيل"، لقد خطؤوا تقاريرها التي جمعت في كتاب شهير وفضحت المحاكمة الاستعراضية لأيخمان مستكشفة التعاون غير الأخلاقي لبعض القادة اليهود مع "الحل النهائي" للنازيين.
يتضح "تجديف" أرندت ضد التعاليم المقدسة للصهيونية من خلال سرد لها عن خلافها مع صديقها القديم غيرشوم شولم ، الباحث البارز في التصوف اليهودي، الذي اتهمها علانية بأنها لا تحب الشعب اليهودي، و أجابت بردها الشهير: "أنت محق تمامًا - لا أتأثر بأي" حب "من هذا النوع. ... لم أحب في حياتي أبدًا أي شعب أو مجموعة، لا الشعب الألماني ولا الفرنسي ولا الأمريكي ولا الطبقة العاملة أو أي شيء من هذا القبيل، أنا بالفعل أحب أصدقائي "فقط" والنوع الوحيد من الحب الذي أعرفه وأؤمن به هو حب الأشخاص. ... أنا لا أحب اليهود، ولا أؤمن بهم: أنا فقط أنتمي إليهم بطبيعة الحال ، بلا خلاف أو جدال ".
عندما أخبرت الزعيمة الصهيونية غولدا مئير أرنت أنها لا تؤمن بالله بل بالشعب اليهودي، أشارت أرنت، الملحدة، بجفاف إلى أن عظمة الشعب اليهودي جاءت من كونه شعبًا يؤمن بالله، و كتابها الأساسي عام 1963، الذي أشرنا له أعلاه "أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر" ، لم يُترجم إلى العبرية لمدة 36 عامًا (ترجم عام 1999) حتى اليوم ما زال قطاع صهيوني يرفض أرنت ويتهمونها بالتعاطف مع النازية، بسبب صلاتها مع الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر .
بالانتقال إلى هونيغ بارناس فقد ولدت في فلسطين الانتدابية، و لقد أصرت، مثل أرنت ، على النظر إلى الشعب اليهودي على أنه ليس أكثر أهمية من الآخرين، ولا سيما الفلسطينيين. وعلى عكس أرنت، فقد تعرضت، على حد قولها، بصفتها عضوًا في جيل 48، "لغسيل المخ" لتنفيذ "التدمير الاستعماري والقومي والقبلي والصالح الذاتي" للسكان الأصليين، غافلين عن أي فكرة لحقوق الإنسان، في اليوم التالي لتأييد الأمم المتحدة لخطة تقسيم فلسطين الانتدابية، في عام 1947، ترك هونيغ بارناس الجامعة للانضمام إلى الحرب ضد الفلسطينيين، وخدمت في وحدة البلماح التي طهرت عرقيًا عدة قرى.
بعد الحرب، أصبحت اشتراكية وبدأت تتحرك بثبات بعيدًا عن الصهيونية، التي أطلقت عليها اسم "الاشتراكية القومية"، و بحلول عام 1960، كانت معادية للصهيونية وشاركت في تأسيس حزب ماتسبين الصغير، ولكن النشط، المناهض للصهيونية وألفت كتابها الشهير"أنبياء السلام الكذبة" (2011) ، الذي كشفت فيه ببراعة تجوف الصهيونية الليبرالية، ولكن ربما يكون أكثر أعمالها لفتًا للنظر هو "تأملات ابنة جيل 48" عام 1998 في " ضد التيار حيث شرحت فيه "التجريد المتقدم من الإنسانية" لدماغها المغسول خلال النكبة، ويقتبس الكتاب رسالة كتبتها إلى والدتها في أكتوبر 1948. تطرح الرسالة المشكلة التي تراها عن اليهود "الذين لا يعرفون كيف يكونون فاتحين" وتخبر المطهرة العرقية الشابة والدتها عن اثنين من قدامى المحاربين الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية في وحدتها: "عندما رأوا جميع النساء والأطفال العرب يعودون إلى قراهم وهم يتضورون جوعاً من أجل الخبز، أصبحوا رقيقين وشفقوا عليهم، وفي المساء بدأوا بالصراخ: إذا لم تستطع هذه الدولة الجديدة أن تعتني بسكانها العرب فليس لها الحق في الوجود [..] أمريكا ، بمثاليتها، تثير أعصاب الصهاينة و يتم التعبير عن نهجهم الخيري بالكامل تجاه الحياة والعالم أيضًا في موقفهم من الصهيونية"، بعبارة أخرى ، "لم يفهموا أن التطهير العرقي كان هو الوسيلة حتى النهاية".
من الشخصيات التي تناقشها ليفيت أيضا من بين آخرين، إيلان بابي المؤرخ وكذلك الصحفي جدعون ليفي، وكلاهما مع الفارق الكبير يعتقدان أن السبيل الوحيد للخروج من كارثة حقوق الإنسان للصهيونية هو احتضان الليبراليين للديمقراطية كما هي موجودة في معظم البلدان المتقدمة في العالم، و يسمى هذا الحل بدولة ديمقراطية واحدة.
أخيرا تلاحظ ليفيت أن كتابها هذا "لم يكن مقصودًا منه أن يكون تاريخًا شاملاً لمعارضة الإفلاس الأخلاقي للقومية المتشددة لأن ذلك سيتطلب عملاً أطول بكثير" بل إن ما يفعله الكتاب هو تعريف القارئ على عدد كبير من النقاد اليهود المنكرين للصهيونية، الأشخاص الذين يحاولون التمسك بالتقاليد اليهودية الإنسانية، التي تعتقد أن "الرجال والنساء من كل عرق وأمة خلقوا على صورة الله ويستحقون أن يعاملوا على قدم المساواة" .
الجملة الأخيرة في الكتاب أو النصيحة الأخيرة التي تقدمها ليفيت لكل صهيوني أن يقرأ على الأقل محمود درويش وإدوارد سعيد، وهما فلسطينيان فتحا عينيها حيث " يمكن لإنسانيتهم التي لا تقهر أن تملأ الفراغ الذي خلفه فشل حلم هرتزل ، وتساعد كلا الشعبين معًا على التحرك نحو رؤية أنبل".

