Menu

جذور التطبيع والراهن العربي(غياب الفعل المقاوم)

ممدوح مكرم

بقلم / ممدوح مكرم

علينا أنْ نعترفَ أَنه ليس هناك أسوأ مما نحن فيه حاليًا، على كل مستوياته، فنحن أمام واقع شديدة الوطأة، مُحْبِط إلى درجةٍ تدعو لليأس والبؤسِ على السواء؛ ولكن حتى نتخلصَ من هذا الشعور المحبط، نحاول أنْ نقارب ما يحدث؛ لنمسك بتلابيب القانون/القوانين الموضوعية التي تمسك بخناق هذا الواقع.

استطاعتْ حركة التحرر الوطني العربية، وفي غفلةٍ من الزمن، أنْ تصعد، وأنْ تُخَلَّصَ أوطانها من مخالب الاستعمار التقليدي الذي ترنح بفعل حربين عالميتين مدمرتين، وانتصارات الثورات الشيوعية في روسيا والصين(رغم هزيمتها في ألمانيا ودول أوروبية أخرى) وأزمات اقتصادية كبيرة وصغيرة، وكان اشتعال ثورات التحرر في منطقتنا، متزامنًا مع ثورات العدل الاجتماعي، ومجابهة الرأسمالية كمنظومة نهب وظلم اجتماعي، ولكن كان الخازوق الذي مزق حركة تحررنا الوطني ممثلًا في الكيان الصهيوني الذي تحول لدولة في العام 1948م؛ بدعم إمبريالي بريطاني(الاستعمار التقليدي)، ثم أمريكي(تسلمت أمريكا قيادة الجبهة الإمبريالية) بعد أفول بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان وإيطاليا، لم تتوانَ أمريكا ولا ذراعها الطويل في المنطقة(الكيان الصهيوني) عن محاولة فرملة وتخريب هذه الثورات: ( مصر الناصرية نموذجًا: عدوان 1956- 1967؛ خلخلة الأوضاع الداخلية عن طريق الطابور الخامس والسادس: الإسلام السياسي كنموذج، وتحديدًا جماعة الإخوان)، ودخلت على الخط كل الرجعيات العربية المدعومة من الإمبريالية، وبالتالي من الصهيونية ممثلةً في: أنظمة الخليج والجزيرة العربية ونواتها الصلبة: المملكة السعودية(التي صنعتها بريطانيا)، ونستثني اليمن الجنوبي سابقًا، ومعهم المملكة الأردنية(إمارة شرق الأردن سابقًا: وهي كذلك كيان مصطنع بواسطة البريطانيين)، وفي أقصى الغرب العربي: هناك المملكة المغربية، هذه الرجعيات، وكما أكد أكثر من مرة وأكثر من مناسبة المفكر والمناضل الفلسطيني[عادل سمارة] هي مرتكزات المشروع الإمبريالي والصهيوني، يضاف لها: طبقات الرأسمال الرث(الرأسمالية الكبيرة) التي نسميها بـ [ الكومبرادور]: أي رأسمالية الوكلاء المعادية للإنتاج، والتي تتخذ من الريع وسيلة لنهب الفائض، وتسريب القيمة إلى الخارج؛ لإبقاء بلداننا في حالة تخلف وتبعية على كل المستويات!! هذا لا يمنع من بزوغ حركات مقاومة طوال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، ووجود أنظمة نختلف معها ومع أسلوبها، ولكن كان لها موقف مقاوم نسبيًا.

مع وصول السادات إلى سدة الحكم في مصر، كان يبدو من خلال استقراء تلك الفترة؛ أنَّ السادات كان يأخذ مصر، وعموم المنطقة إلى حضن الإمبريالية الأمريكية والتصالح مع العدو الصهيوني؛ لكنه لم يسفر عن نواياه الحقيقية مرةً واحدة، ولم ينجلِ الأمر إلا بعد حرب تشرين/ أكتوبر 1973م، وبدأت مفاوضات الكيلو 101، ثم اتفاقية سيناء(فض الاشتباك الأول) 1975م، تزامن مع ذلك: الانفتاح الاقتصادي- تصعيد الحركات الإسلاموية- التقارب مع الرجعيات العربية التي عادت التحرر الوطني(السعودية تحديدًا). هذا أسس لموضعٍ جديد؛ تكلل بتوقيع اتفاقية استسلام مع العدو الصهيوني في العام 1979م، وبرعاية [جيمي كارتر]. كانت الاتفاقية(التي نُسبت لمكان توقيعها= كامب ديفيد) بمثابة نهاية حقبة التحرر الوطني، وموت إكلينيكي لمصر ودورها في المنطقة، وصعود مسعور للرجعيات النفطية والإسلام السياسي، وكسر إرادة المقاومة المسلحة الفلسطينية الذي ترتب عليه خروج منظمة التحرير من لبنان؛ إثر اجتياح الصهاينة لبيروت في العام 1982م، وعلى الضفة الأخرى: إشغال العراق(وكان العراق آنذئذٍ) قوة إقليمية تمتلك مقومات الإقليم - القاعدة(إذا استعرنا تعبير: نديم البيطار)، بحرب عبثية ضد نظام جديد في إيران المجاورة؛ نظام يدعم حركة التحرر الفلسطيني والثورة الفلسطينية، على أنقاض نظام الشاه العميل للإمبريالية والصديق المخلص للكيان! ثم غزو الكويت .. الخ، وكان سقوط الاتحاد السوفييتي أكبر خسارة للقضية العربية(بغض النظر عن الطابع المشوه للتجربة السوفييتية)، فرضت هذه الظروف الموضوعية، مع غياب مصر(التي غرقتْ في أزمات اقتصادية: ارتفاع حجم مديونياتها الخارجية لدرجة تقترب من الإفلاس في منصف ثمانينات القرن الماضي)؛ ولذلك ساهمتْ مصر في ضرب العراق 1991م(مقابل جدولة الديون)، وبعد أنْ وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، هرول عرفات ورفاقه في منظمة التحرير إلى أوسلو ومدريد، ومن ساعتها دخلت القضية الفلسطينية، ومعركة التحرر في نفق مظلم وخانق؛ انتهى إلى تلك الأوضاع البائسة حاليًا!

لا يمكن أنْ نلوم هذه الهرولة إلى التطبيع، قبل أن نلوم مصر تحديدًا، فهي التي فتحتْ مجال التطبيع، والاعتراف بالكيان الغاصب، منذ عصر المقبور وغير المأسوف عليه: السادات. ورغم ذلك استطاعتْ النخبة الوطنية المصرية وفي قلبها اليسار: الشيوعيون والقوميون، أنْ يبنوا حائط صد ضد تغلل التطبيع في هياكل المجتمع المصري(ولنا في نموذج الكاتب المسرحي المشهور على سالم خير دليل)، تشكلت اللجنة الوطنية، وظلت تعمل بانتظام، وتصدر الأوراق، وتنظم الفعاليات الجماهيرية في ظروف قمعية، وفي ظل قانون طوارىء؛ ولكن نتيجة ظروف معينة، بدأت هذه اللجنة بالتآكل، خاصة مع موجة إحباط التسعينيات.

في العام 2003: وعلى إثر احتلال العراق، والكلام عن مشروع الشرق الأوسط الكبير والفوضى الخلاقة، تشكلتْ اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية، التي شرُفتْ بالانتماء إليها، وكنا نؤيد عمليات حزب الله البطولية التي تكللت في أيار/مايو بالانتصار، وانسحاب الصهاينة من جنوب لبنان، فيما عدا [مزارع شبعا المحتلة]. إنَ وجود الفعل المقاوم العسكري هو أمرأساسي وشديد الأهمية؛ خاصة مع كيان استعماري إحلالي عنصري؛ مدعوم من الإمبرياليات القديمة والجديدة، والرجعيات العربية القديمة والجديدة أيضًا!

تلك العصارات السريعة والقفرات التاريخية أشرنا إليها لمامًا: هي التي راكمت لموجة التطبيع الحالية؛ وبسبب تغلغل ثقافة الهزيمة في بنية العقل العربي(منذ حزيران 1967م)، ولم يمحوها لا انتصارات حزب الله، ولا صمود المقاومة الفلسطينية(عندما كان هناك مقاومة) يبدو أنه تم تخريب العقل والإرادة العربية بفعل فاعل/ فواعل كثيرة، موضوعية وذاتية على السواء؛ لكن لماذا ازدهرت موجة التطبيع الراهنة؟

1- نهاية وتآكل مشروع التحرر الوطني العربي.

2- عدم الانعتاق من بنيتي التخلف والتبعية القابعة في هياكل دولنا ومجتمعاتنا الناطقة بالعربية.

3- الفصل داخل المقاومة: بين التحرر الوطني، والتحرر الاجتماعي والاقتصادي.

4- تآكل الثقافة التقدمية وتياراتها الفاعلة: الماركسية والقومية؛ لحساب ثقافات إما سلفوية تكفيرية غيبية وغبية، أو ثقافات نيو-ليبرالية ما بعد حداثية.

5- غياب الفعل المقاوم الحقيقي والموجع؛ رغم التغني بوجود محور مقاومة، وحركات مقاومة؛ وغاب كذلك رؤية استراتيجية للتحرر الوطني الجذري والناجز.

6- وجود الرأسماليات الرثة العربية، وأنظمتها الديكتاتورية والمستبدة الإقطاعية وشبه الإقطاعية؛ فهي بمثابة معطل لفعل المقاومة، ومحفز على التطبيع.

ذلك وبالتأكيد هناك أسباب أخرى(تضيق بها المساحة)، هو ما أدى إلى الهرولة الحالية للتطبيع، والتي لن تنتهي؛ إلا وأصبحت[إسرائيل] عضوًا فاعلًا فيما يسمونه بـ: جامعة الدول العربية(التي ستتخذ من العبرية لغة رسمية فيما بعد!!!).

جذور التطبيع هي جزء من بنية التبعية والتخلف في المنطقة العربية، كمنطقة طرفية في النظام الرأسمالي العالمي؛ لها أهمية جيو- استراتيجية في سياسات الهيمنة الإمبريالية؛ بسبب مخزون النفط- الغاز الطبيعي- الثروات المتنوعة- أهمية الموقع...إلخ تلك المقومات التي تتمتع بها المنطقة؛ والأهم هو وجود الكيان الصهيوني: الذي هو امتداد طبيعي للإمبريالية، وذراعها الطويلة في المنطقة المنكوبة.

مقاومة التطبيع ضرورة تاريخية

لا يمكن بالتأكيد أنْ نقف مكتوفي الأيدي، فلابد من مقاومة هذا التطبيع، بكل السبل والوسائل المتاحة؛ ولن يتأتى ذلك إلا بإشعال فعل مقاوم مسلح؛ يكون رافعة لكل مستويات المقاومة، والظروف الحالية مواتية، وهناك إمكانيات لا بأس لها لدى منظمات المقاومة؛ لكن على محور المقاومة أنْ يصارحنا بالحقائق، بحيث لا تخضع المقاومة لتوازنات السياسات الإقليمية، فعلى المحور التخلص من عبء هذه التوازنات إذا أراد أنْ يقاوم حقيقة! فإن سكوت المحور وصمته أصبح مثار تشكيك في حقيقة الأمر؛ فلا تكفي بيانات الشجب والاستنكار والإدانة، والوعد والوعيد كما كانت تفعل الأنظمة التي ننقدها ونمقتها.. ولا يتأتى ذلك كذلك؛ إلا من خلال رؤية استراتيجية لفعل المقاومة ذاته، ووضع سلة أهداف استراتيجية، حتى يتم تحرير جميع الأراضي العربية( فلسطين بالكامل- مزارع شبعا وتلال كفر شوبا- الجولان- أم الرشراش المصرية)؛ ساعتها نستطيع مقاومة التطبيع من خلال الفعاليات الجماهيرية والفن والثقافة بكل تجلياتهما، أما غياب الفعل المقاوم المسلح؛ سيؤدي إلى استمرار التطبيع، وسيستمر نزيف مشروع التحرر؛لأنَّ الكلام لن يوقف العدوان، ولن يوقف الهيمنة؛ فقط البنادق هي التي توقف هذا المشروع برمته، بل وتنهيه تمامًا؛ ولنا في فيتنام أسوةٌ حسنة؛ لمن كان يرجو مقاومةً حقيقية.