Menu

نتنياهو لن يستسلم

سعاده مصطفى أرشيد

لا يملك أحد اليقين، إن كان خصوم نتنياهو وكتلهم التي ستخوض الانتخابات القادمة، ستكون قادرة على تحقيق انجاز برلماني ناجز، يعيد إلى الكنيست قدرا من الانسجام الذي يستطيع أن يقود إلى تشكيل حكومة بطريقة سلسة، تخرج نتنياهو من موقعه المنيع في رئاسة الحكومة وتدفع به للمثول أمام القضاء للنظر في قضايا الفساد الخطيرة التي اتهم بها، وخاصة قضية الغواصات الألمانية، والتي قد تودي به إلى قضاء أوقات طويلة وراء قضبان السجن.

إسرائيل على موعد مع الانتخابات الرابعة في 23 آذار القادم، ومع أنه من المبكر تقدير ما سيجري قبيل الانتخابات من تشكيل قوائم وبناء تحالفات واحتمال خروج شخصيات وازنة من الحياة السياسة مثل بيني غانتس وغابي اشكنازي، ثم تقدير نتائجها التي لا زالت في عالم الغيب، إلا أن الاحتمالات القائمة تشير إلى أنها قد لا تأتي بجديد، المقصود أن لا تستطيع أية قائمة أو تحالف أن يحصل على ما يكفي من تأييد أعضاء الكنيست بشكل يؤهله لتشكيل حكومة، وهذا يعني احد أمرين.

 الأمر الأول: التوصل إلى تسوية بين أكثر من قائمة، ولكنها لن تصمد طويلا، كما حصل عقب الانتخابات الثالثة، والأمر الثاني: أن يتعثر التشكيل وتنتهي المهل الممنوحة من رئيس الدولة لقادة الكتل الكبيرة، وبالتالي تذهب إسرائيل إلى انتخابات خامسة، ولكن النتيجة ستكون أن نتنياهو سيبقى رئيسا لحكومة تصريف الأعمال حتى الصيف القادم.

هناك مجموعة من القواعد السياسة شبه الثابتة في السياسة الإسرائيلية، منها ما قاله ذات يوم وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر : أن لا سياسة خارجية لإسرائيل، وإنما سياسة داخلية فقط، تجد انعكاسا لها في علاقات إسرائيل الخارجية، ومنها أن لا زعيم خالد وملهم في إسرائيل مهما بلغ من القوة والقدرة، ومهما حقق من انجازات، فلا احد لا يمكن تجاوزه آو الانقلاب عليه، فالتعامل مع الزعيم يتم بشكل انتهازي، عندما يكون قويا فالجميع يعمل في خدمته، ولكن إن ظهرت عليه أية بوادر ضعف فسرعان ما ينفض القوم من حوله، وينقض عليه الأقربون الذين يرون أن لهم حظوظا في وراثة زعامته.

ولا يكاد يحافظ على وفائه للزعيم الراحل إلا من لا يملك فرصة مع القادم الجديد، هكذا كان الحال مع دافيد بن غوريون، أبو إسرائيل، وكذلك مع بطل الحروب موشي ديان ومع يتسحاق رابين وغيرهم. وهو ما قد بدأت بوادره تلوح مع بنيامين نتنياهو، الذي قضى الفترة الأطول رئيسا للوزراء في عمر إسرائيل القصير. نتنياهو ولا شك في وضع ليس بالسهل، ومتاعبه تتوالى، وبعض بطاقاته البيضاء المفتوحة (carte blanche)، قد تصبح غير صالحة في القريب، خاصة بعد خروج الرئيس ترامب من البيت الأبيض في 20 كانون المقبل.

ثم انقلاب بعض اقرب الناس عليه، وعلى رأسهم الوزير وعضو الكنيست جدعون ساعر، ولحق به ثلاثة من سيدات الكنيست: يفعات شاشا بيتون وميخال شير وشيران هيسكل، بهذا انقطع خيط السبحة وأخذت حباتها تتدحرج، كان آخرها زئيف الكين، الرجل الذي مثل لفترة طويلة اليد اليمنى لنتنياهو والقبضة الضاربة لخصومة، صندوقه الأسود ورفيق سفره في رحلاته العديدة إلى روسيا، حيث كان تولى الترجمة بينه وبين الرئيس الروسي.

 نتنياهو لن يستسلم، فهذا ليس من طبيعته، ثم انه يدرك أن هذه المعركة لا تحتمل الخسارة، حيث أن الخسارة في هذه المرة تعني خسارة كل شيء، الخروج من السياسة والابتعاد عن الحرية ودخول السجن، وتسجيله في صفحات التاريخ السوداء، ولكنه وان فقد حلفاءه في واشنطن، وخذله الأقربون من حزبه، إلا انه يملك من العناد والحنكة والذكاء وانعدام القيم الشيء الكثير، ولا يعرف احد ماذا يملك من أوراق في جيبه سيكشف عنها لاحقا، وهل من بينها أن يقوم بضم الأغوار وجنوب البحر الميت وأراضي المستوطنات تنفيذا لخطة الرئيس ترامب؟ أم انه قد يقوم بمغامرة إقليمية قد تدفع الإقليم إلى حافة المواجهة وقد تتدحرج لما هو اخطر؟

لا يختلف السياسيون الإسرائيليون كثيرا بالسياسة، بل أنهم في أحيان كثيرة يتطابقون في الرؤى وإن اختلفوا في تنفيذها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمآل عملية السلام مع الفلسطينيين، وهكذا فمهما كانت نتيجة الانتخابات، فان ذلك يعني أن لا شيء قد تغير بشكل جذري، وأن على القيادة الفلسطينية أن تقطع وقتا طويلا وهي في حالة الانتظار، عام 2021 سيمضي كما مضى العام الذي سبقه.