Menu

من النشأة وحتى حركة المقاطعة لإسرائيل

حركة التضامن الأوروبية مع الشعب الفلسطيني

حمدان الضميري

خاص بوابة الهدف

قبل الدخول في صلب موضوع هذا العنوان لا بد من التذكير بحقيقة أن الساحة الأوروبية لم تعرف أي تعاطف أو تفهم للمأساة الفلسطينية قبل حرب حزيران 1967، بينما حظيت إسرائيل بدعم وتعاطف كبير من الدول ومن صناع الرأي العام في القارة الأوروبية، وحتى حرب حزيران لعام 1967 استطاعت الحركة الصهيونية وحلفائها بنقل صورة مغلوطة للصراع بين الفلسطينيين والعرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، وهذا عبر تصوير الطرف الإسرائيلي بالضحية والمعتدى عليه، وتم استجلاب قصة دافيد وقوليات التوراتية ولصقها بأطراف الصراع، فكان الفلسطيني والعربي قوليات المتغطرس والضخم والذي يسعى لإبادة دافيد، بينما الإسرائيلي يلعب دور دافيد الصغير والذكي الذي استطاع التغلب والفوز في معركته مع المتغطرس والمعتدي قوليات؛ إلا أن حرب 1967 واحتلال مساحات شاسعة من أراضي خارج حدود فلسطين التاريخية وتابعة لدول عربية، أي سوريا و مصر تتجاوز مساحتها مساحة فلسطين التاريخية، دفعت بالبعض القليل من المثقفين والأكاديميين بالبدء بطرح أسئلة حول إسرائيل ودورها الوظيفي في إطار مشاريع تتجاوز حدود منطقة الشرق الأوسط.

بعد هذه المأساة الفلسطينية الجديدة، جاءت أحداث أيار 1968 في الأوساط الطلابية الجامعية، في العديد من الجامعات الأوروبية، وخاصة ما شهدته الجامعات الفرنسية وجامعة السوربون منها؛ من اضطرابات ومواجهات ونقاشات فكرية هامة، وكان للمجموعات اليسارية من ماويينوجيفاريينوتروسكيينأدورًا رئيسية فيها. وكانت فلسطين وظاهرة العمل الفدائي الذي بدا يعرف توسعًا يضاف لذلك بروز ظاهرة خطف الطائرات ووصولها لدول أوروبية، موجودة وحاضرة في اهتمامات قطاعات من هؤلاء الطلبة المنتفضين والباحثين عن التغيير في بنية النظام الرأسمالي، وكان لمشاركة مفكرين فلاسفة كبار مثل جون بول سارتر في وسط النقاشات الفكرية؛ إعطاء زخم إضافي لهذا الحراك الطلابي الجامعي.

في عام 1969 بدأنا نرى اهتمام طلبة وأكاديميين جامعين بالقضية الفلسطينية، وهذا عبر زيارات قاموا بها للمخيمات الفلسطينية في الأردن ولقاءات رتبت لهم في قواعد للفدائيين الفلسطينيين، وبعد عودتهم من هذه الزيارات؛ قام بعضهم مع آخرين بتأسيس لجان تضامن مع النضال الفلسطيني في الجامعات والمدن التي يعيشون فيها، وهنا كانت بداية نشاط تضامني أوروبي مع الشعب الفلسطيني عززه وجود طلبة فلسطينيين وعرب في العديد من الجامعات الأوروبية، وهؤلاء لعبوا دورًا هامًا بالتعريف بالقضية الفلسطينية بجانب الطلبة الأوروبيين المتضامنين، في هذه المرحلة لم تعطي الأحزاب الشيوعية في دول أوروبا الغربية أي اهتمام للقضية الفلسطينية.

مرحلة السبعينات شهدت توسعًا كبيرًا في نشوء جمعيات تضامنية جديدة، وكذلك حضور أوسع للقضية الفلسطينية في الأوساط الأوروبية وخاصة الحزبية، وهذا يعود لمجوعة من الأسباب: أولها الحضور الرسمي الفلسطيني والذي تجسد بمشاركة م.ت.ف في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974؛ عبر الخطاب الذي ألقاه المرحوم ياسر عرفات رئيس م.ت.ف في 13/11/1974 أمام الدول الأعضاء، وتلاه إصدار قرار من الجمعية العامة في 22/11/1974 بقبولم.ت.ف عضوًا مراقبًا في الأمم المتحدة، وأخيرًا تبني قرارًا جديدًا في 2/12/1977 من الجمعية العامة باعتبار يوم التاسع والعشرين من نوفمبر يومًا عالميًا للتضامن مع الشعب الفلسطيني لاسترجاع حقوقه المشروعة والغير قابلة للتصرف. كما شهدت العديد من العواصم الأوروبية افتتاح مكاتب إعلامية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكان للطلبة الفلسطينيين دورًا هامًا في إدارة وتسيير هذه المكاتب، كما هو الحال في باريس وبروكسل وروما ومدريد ولندن وروما وغيرها من العواصم الأوروبية.

يضاف لما سبق اعتراف دول المنظومة الاشتراكية، وخاصة الاتحاد السوفييتي، ودعم الدول المنضوية في إطار دول عدم الانحياز لتي انتزعت استقلالها من مستعمريها بالنضال مثل الجزائر وفيتنام وغيرها، والتي كان لها دورًا مميزًا في وصول م.ت.ف للأمم المتحدة عبر مجموعة من القرارات التي تم اتخاذها في حقبة السبعينات من القرن الماضي. كما عرفت سنوات السبعينات نشوء لجان تضامنية جديدة في كافة دول أوروبا الغربية، وكانت الأحزاب الشيوعية فاعلة في تأسيس ونشاط هذه اللجان وهذه المكونات الأمر الذي أعطى زخمًا جديدًا وتنوعًا فكريًا في نشاط وأداء مكونات حركة التضامن الأوروبية مع فلسطين.

في أواخر سنوات الثمانينات عرفت حركة التضامن الأوروبية انطلاقة نوعية؛ أعطتها زخمًا إضافيًا، وكان للانتفاضة الشعبية الفلسطينية عام 1987 الفضل في ذلك؛ خلال سنوات هذه الانتفاضة قامت مئات الوفود الأوروبية بزيارة الأراضي المحتلة للتعرف عن قرب على ما يجري هناك، وكان لهؤلاء المشاركين؛ دورًا هامًا عبر إعطاء شهاداتهم في العشرات من الفعاليات التضامنية التي عرفتها المدن الأوروبية، كذلك قام المئات من النشطاء والنشيطات الفلسطينيين بزيارات لدول أوروبية للحديث عن مجريات الانتفاضة وعن الأهداف من اندلاعها. كما استطاعت هذه الحركة الشعبية الانتفاضية الممتدة فيما بعد؛ إحداث تغيير مهم لصورة الفلسطيني لدى الرأي العام الأوروبي.. نعم حدث انقلاب في الصورة، حيث كانت صورة الطفل فارس عودة حاملًا حجرًا بوجه دبابة الميركافا الإسرائيلية الفضل في هذا التغيير. لم يعد الفلسطيني يحمل صورة قوليات المتغطرس، وإنما الإنسان الصغير قبل الكبير يبحث عن حريته، ويعمل لانتزاعها من محتل مدجج بالسلاح ولا يتوانى عن استخدامه بوجه المدنيين حتى لو كانوا بسن الطفولة.

عرفت سنوات التسعينات؛ بسبب اتفاق أوسلو تراجعًا ملحوظًا في أداء مكونات حركة التضامن، وحدثت بعض الانشقاقات في صفوفها لعدم إجماع مختلف المكونات على موقف موحد من الاتفاق ومضامينه؛ استمرت هذه الحالة من التراجع والانقسام حتى عام 2005 عندما توافقت مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني على نداء موحد وقعته أكثر من 190 مؤسسة غير حكومية فلسطينية من الداخل الفلسطيني كما من الخارج؛ تفاعلت مكونات حركة التضامن الأوروبية مع نداء المؤسسات الفلسطينية وحدث لقاء واسع في شمال إسبانيا في مدينة بيلباو في إقليم إلباسك في عام 2007، وبعد حوار دام لأيام بين المشاركين توصلوا لورقة مشتركة أطلق عليها إعلان بيلباو، وأكد هذا الإعلان الهام على تبني الأهداف الثلاثة التي جاءت في نداء مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لعام 2005، وهذه الأهداف هي: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 ثم تحقيق حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وفق القرار 194 للأمم المتحدة وأخيرًا تحقيق المساواة بين المواطنين العرب مع اليهود في دولة إسرائيل. في نفس الوقت تبنى إعلان بيلباو اقتراح مهم قدمته مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، والذي عرف لاحقًا بحركة ب. د . س، أي حركة المقاطعة لإسرائيل.

عرفت حركة المقاطعة وعدم الاستثمار وفرض العقوبات ب. د. س، منذ إعلان بيلباو توسعًا كبيرًا، حيث دخل على خط النشطاء واللجان؛ مواطنون عاديون شاركوا في فعاليات نظمت هنا أو هناك ومارسوا مقاطعتهم للبضائع الإسرائيلية، واستطاعت هذا الحراك أن يقلق الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وقامت بتخصيص ميزانيات مهمة لمواجهة حركة المقاطعة، بالإضافة لاستخدامها؛ سلاحًا تقليديًا، وهو توجيه التهم لنشطاء في حركة المقاطعة بأنهم عناصر لاسامية، وقامت مكاتب لمحامين موالين لإسرائيل برفع دعاوي بتهمة اللاسامية في العديد من العواصم الأوروبية ضدهم،رغم معرفتها المسبقة بعدم نجاحهم أمام المحاكم الأوروبية، وهذا ما حدث في عدة قضايا تم البت فيها في ألمانيا وفرنسا، بالإضافة لصدور حكم من المحكمة العليا الأوروبية في لكسمبورغ، باعتبار نشاط الداعين للمقاطعة جزء من الحرية الشخصية في التعبيرعن الرأي.

لا بد من الإشارة أيضًا أن جزء من مكونات حركة التضامن الأوروبية؛ شكلت فيما بينها إطارًا تنسيقيًا عام 1986 تحت مسمى اتلتنسيقية الأوروبية للجمعيات ولجان التضامن مع فلسطين ومقره مدينة بروكسل، وهو يضم في صفوفه 44 مؤسسة أوروبية من 19 دولة أوروبية وهي: النمسا، بلجيكا، ألمانيا، ايرلندا، جمهورية التشيك، فنلندا، فرنسا، ايطاليا لكسمبورغ، بولندا، هولندا، النرويج، اسكتلندا، سلوفينيا، سلوفاكيا،إسبانيا، السويد، سويسرا،إنجلترا.كما عرفت بعض الدول الأوروبية ولادة تنسيقيات على مستوى البلد الواحد بين العديد من مكونات حركة التضامن فيها كما هو الحال في فرنسا وألمانيا، وهي خطوات متقدمة في مسار العمل المشترك بينها ويساعد في الوصول لنتائج أفضل، خاصة فيما يتعلق بمبادرات تستهدف سياسة الدولة الخارجية تجاه الموضوع الفلسطيني.

من المتوقع أن تعرف حركة التضامن الأوروبية؛ حراكًا جديدًا في السنوات القادمة، بعد خسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وهذا عبر التوجه بمبادرات منسقة تتوجه للأحزاب والحكومات الأوروبية لدفعها نحو تبني مواقف عملية تصحح المسار السابق، وربما يكون اقتراح الاعتراف بدولة فلسطين على جدول أعمال هذه المكونات في السنوات القادمة، وهنا لابد من الإشارة لدور للشتات الفلسطيني في أوروبا متكاملًا مع دور حركة التضامن الأوروبية؛ يفترض القيام به بشكل مدروس ومنسق، حيث يشكل هذا الوجود الهام جزءًا من النسيج الأوروبي، وعليه تقع مهمة نقل الرواية الفلسطينية للمحيط الأوروبي.

في النهاية فهمي وقناعتي أن التضامن الأممي مع قضيتنا الوطنية العادلة، يبقى جزء من مكونات مشروع وطني فلسطيني تحرري يشمل العامل الذاتي الفلسطيني والبعد العربي الذي لا مفر من إعادة بناءه، وكذلك التضامن الأممي القابل للتطور.