Menu

الثورة الفلسطينية ليست فقط ثورة تحرر وطني

التيتي الحبيب

نشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية

مع صفقة القرن التي أطلقتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب؛ انتهت مرحلة بالنسبة للقضية الفلسطينية لتبدأ مرحلة أخرى.

1- المرحلة المنتهية هي مرحلة طبعها أو قل فرضها الحل الدولي؛ عبر عصبة الأمم وبعدها الأمم المتحدة، وهو حل أذعنت له كل الدول بما فيه القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن بعد التحقت به حركة الإسلام السياسي الفلسطينية، كان جوهر حل الإذعان هذا هو تقسيم فلسطين إلى جزئين الأول وهو الأكبر والأهم استوطنته الصهيونية وحولته إلى كيان حدوده غير مرسمة وقابلة للتمدد، والثاني وهو يشمل أطراف هامشية اعتبر وطنًا للفلسطينيين. على قاعدة هذا التقسيم الاستعماري والاستيطاني استدرجت الثورة الفلسطينية من خلال قيادتها المتنفذة الى ماراثون من المفاوضات؛ توجت باتفاقية أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية على بقعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الحقيقة استعملت هذه الجهات كمراكز لتجميع الفلسطينيين ومراقبة تحركاتهم ونزع سلاح المقاومة ولحماية الكيان الصهيوني. لن نتجنى على رموز هذه السلطة، ولذلك نسوق تصريح نقلته قناة روسيا اليوم ل محمود عباس على إثر استقباله لأيهود اولمرت الصهيوني الفاسد، حيث أعلن عباس بأنه يتشبث بالحل السلمي وهو ضد العنف وملتزم بمحاربة الإرهاب..

بهذا التصريح يضع عباس الكفاح المسلح في خانة الإرهاب؛ محمود عباس امتنع حتى عن الادعاء بأنه يساند جميع أشكال النضال والكفاح، لم يقل ذلك، بل أكد على السلمية وعن رفض العنف ووسمه بالإرهاب؛ محمود عباس يعيد التزامه بتوظيف سلطة رام الله في التنسيق الأمني ضد المناضلين وضد النضال المسلح المشروع؛ عباس أسقط الكفاح المسلح، بل تحول إلى محاربته.

هكذا تضع سلطة عباس نفسها في الجهة المناقضة لحق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن نفسه، ضد البطش والعنف الصهيوني وفي الحق في ممارسة الكفاح المسلح، كأهم أسلوب لحرب التحرير الشعبية بفلسطين... سلطة عباس انتقلت إلى صف العدو ضد الشعب الفلسطيني... سلطة عباس هي حصان طروادة لتمرير صفقة القرن، هذا الكلام يجب أن يسمعه الفلسطينيون؛ من رفاق دربهم بالعالم العربي والمغاربي. متى كانت حرب التحرير الشعبية وكفاحها المسلح إرهابًا؟ متى تخلت حركات التحرير عن الحق في العنف الثوري؟

2. بموجب حل التقسيم تحولت السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع إلى سلطة ضد الكفاح المسلح وجهاز عقد الاتفاقات الأمنية وتنفيذ الاملاءات الصهيونية؛ تحولت "مواقع السلطة" هذه إلى مجال تنمية مصالح اقتصادية لفئات طبقية فلسطينية غنية مرتبطة المصالح مع العدو الصهيوني ومستفيدة من التمويلات الدولية بتأييد ومباركة من قادة السلطة الفلسطينية.

مع صفقة القرن اتضحت الأهداف الاستراتيجية للتقسيم وحل الدولتين؛ إنها تعني الترسيم المؤقت لتقسيم فلسطين إلى دولة للكيان الصهيوني؛ ممتدة ومتواصلة على أكثر من 84% من مساحة فلسطين التاريخية، بينما خصص للشعب الفلسطيني جيوب مبعثرة ومتحكم فيها من طرف دولة الكيان، ومساحة هذه الجيوب لا تتعدى 16% في انتظار الحل النهائي، وهو طرد الشعب الفلسطيني من تلك الهوامش وترحيله إلى الأردن أو فيافي سيناء، وطبعًا القضاء النهائي على حق العودة لفلسطينيي المهجر والشتات.

3- اما بالنسبة للمرحلة التي تبدأ فهي مرحلة وقف هذه الردة التاريخية وإغلاق كل تداعياتها وتدشين عهد جديد يعيد الحق إلى أهله، أي حق الشعب الفلسطيني في التحرر الوطني بمضامين جديدة تفرضها خصوصيات المرحلة التاريخية. لم يعد التحرر الوطني يعني أو يشمل المضمون الذي كان له في بداية القرن العشرين أو إلى حدود ستينيات القرن الماضي. فمن جهة مضمونه كتحرر وطني، فإنه يعني تحرير فلسطين كل فلسطين وإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية خارج السيطرة الصهيو - امريكية ومن القبضة الرجعية للأنظمة العربية أو الجهوية، والتي لها امتدادات داخل مكونات الشعب الفلسطيني، هذا الحل يجعل من الوجود الصهيوني على تراب فلسطين عدوًا مباشرًا؛ يستحيل التعايش معه أو جواره أو عقد اتفاقات ولو مؤقتة معه؛ ما بالك الاعتراف به وقبول اقتسام فلسطين معه.

يتطلب هذا الحل التخلص من قرارات ذات الصلة بالتقسيم وإلغاء اتفاق اوسلو، ويتطلب أيضًا أن تعيد الثورة الفلسطينية تقييم استراتيجيتها والتخلص من حل التقسيم ودعاته داخل صفوفها، لكي يسترجع الشعب الفلسطيني المبادرة وإعادة صياغة الاستراتيجية الجديدة لتحرره الوطني؛ نعتبر أنه بات من الواجب مراجعة مضمون التحرر الوطني اليوم الذي يستدعي ربطه بالتحرر الاجتماعي. لقد تغيرت التشكيلة الاجتماعية للشعب الفلسطيني ومعها التركيبة الطبقية لقيادة الثورة، وأهم تغيير هو وجود طبقة عاملة فلسطينية، تشكل مركز الثقل في التركيبة الطبقية للشعب الفلسطيني. من جهة أخرى عرفت قيادة الثورة تغييرًا جوهريًا؛ تجلى في استحواذ فئات اجتماعية اغتنت من مواقعها في السلطة، ولم تعد معنية بالثورة وتضحياتها؛ لم تعد رموز السلطة معنية بمصير الشعب الفلسطيني، إلا بقدر ما يضمن لها من ريع وامتيازات. إن الثورة الفلسطينية أصبحت تعيش ما عاشته العديد من الأنظمة العربية التي فاوضت على استقلال بلدانها وتولت مسؤولية بناء دولة الاستقلال الممنوح المرتهنة إلى القوى الاستعمارية التي احتلت هذه البلدان، مثل ما حصل في المغرب وتونس و... إنها أنظمة الكومبرادور؛ مصالحها مرتبطة عضويًا بمصالح الأجنبي.

نعتبر أن الثورة الفلسطينية تقع تحت طائلة هذا القانون، وهو اجهاض الثورة التحررية كلما كانت بقيادة البرجوازية الصغيرة أو المتوسطة أو ما كنا نسميه بالبرجوازية الوطنية، ففي عصر الامبريالية والاستعمار؛ كفت البرجوازية عن أن تكون قوة ثورية يمكنها قيادة الثورات التحررية والاجتماعية، هذا القانون نفسه تؤكده الثورة الفلسطينية؛ إذ أصبحت القيادة البرجوازية الفلسطينية؛ عقبة تمنع تحقيق أهداف الثورة التحررية الفلسطينية.

إن الرياح تهب اليوم نحو توجيه القضية الفلسطينية إلى الوجهة الصحيحة؛ حق تقرير الشعب الفلسطيني لمصيره على أرض فلسطين كل فلسطين، وتحريرها من الامبريالية والاستيطان الصهيوني. القضية الفلسطينية ستتقوى بالتخلص من سلطة الكمبرادور الفلسطيني القابل للتقسيم وللتطبيع مع العدو الصهيوني؛ القضية الفلسطينية ستتقوى إذا استجمع اليسار الماركسي همته وتخلى عن أوهام الدولتين وناضل من أجل الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة. مع صفقة القرن وصلت قيادة البرجوازية للثورة الفلسطينية إلى الطريق المسدود، ولم يعد من إمكانية للخروج من هذا المأزق التاريخي، إلا تولي الطبقة العاملة وحزبها السياسي المستقل مهمة حرب التحرير الشعبية؛ من أجل التحرر الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية الواحدة الديمقراطية، وهذا اختيار سبق لليسار الثوري الفلسطيني أن تطرق إليه وحدده واشتغل عليه، وهو اليوم توجه يسترجع بريقه.