في إسرائيل دوماً هناك مادة مسلية للكتابة، حيث حيوية نظامها السياسي والتغيرات الدائمة والانتخابات التي أصبحت تقليداً متسارعاً، وإن كان يعكس مشكلة للنظام السياسي، لكنه يعكس حجم تدفق الحياة السياسية هناك، وفي هذا ما يثير الغيرة والقهر؛ أن تمارس دولة محتلة كل هذه الحيوية مقابل الشعب الفلسطيني الذي تخشبت مؤسساته وتكلست إلى الحد الذي فقدت فيه أي عناصر حياة، لكن الجانب الخفي والمظلم للتقلبات في النظام السياسي الإسرائيلي هو الأهم بالنسبة للفلسطيني الذي جرت العادة أن يتابع تلك الحركة هناك، وأن يدفع غالباً من لحمه الحي ثمن تلك التقلبات، والأدهى من ذلك شكل وحجم الانزياحات القائمة والقاتمة أمام شعب ينقب عن خيط ضوء ولو خافت في إسرائيل، ولكنه يكتشف مزيداً من السواد.
الجديد هناك هو إعلان منافس نتنياهو السابق على رئاسة الليكود جدعون ساعر الانشقاق عن الحزب وخوضه الانتخابات القادمة على رأس قائمة؛ تمثل حزباً سياسياً جديداً منافساً هدفه إسقاط بنيامين نتنياهو وهو حلم ساعر القديم الذي فشل فيه قبيل الانتخابات العامة الماضية أثناء المنافسة على رئاسة حزب الليكود، وهو ما دفع نتنياهو لتهميشه والسخرية منه، وهنا ربما أخطأ نتنياهو الذي لم يحتوِ ساعر حينها ليحوله إلى منافس، قد تنجح محاولته في إسقاط رئيس الوزراء الأطول في تاريخ إسرائيل، لكن ما هو مدعاة للملاحظة بعد الاستطلاعات التي نشرت مرتين؛ المرة الأولى فور إعلان انشقاقه بحصوله على ستة عشر مقعداً، والمرة الثانية التي جرت في السادس عشر من ديسمبر وحصول قائمته في الاستطلاعات على 21 مقعداً ليصبح الحزب الثاني في كلا الاستطلاعين وهبوط بعض القوائم والأحزاب المنافسة، وخاصة أحزاب اليمين، باعتبار أن جدعون ساعر هو منافس من نفس مدرسة اليمين المتطرف، ويغرف أصوات من نلك المدرسة؛ إذ يعد ساعر من أكثر زعماء الليكود تطرفاً.
الاستطلاع الذي جرى في السادس عشر من ديسمبر وهو الأخير حتى كتابة هذا المقال كان لافتاً، حيث حصول حزب الليكود على 27 مقعداً وحزب ساعر على 21 مقعداً، وكتلة يمينا التي يقودها نفتالي بينيت على 13 مقعدًا، وكذلك أفيغدور ليبرمان على ستة مقاعد، وبمعزل عن التغيرات في الكتل الأخرى، فقد تعمدنا هنا أخذ هذا الرباعي المشكل من "حزب الليكود" – و"ثلاثة قوائم أخرى"، والمهم هنا أن زعماء القوائم الثلاث عملوا في مكتب رئاسة الحكومة لدى نتنياهو، فقد عمل بينيت وليبرمان مدراء لمكتب نتنياهو، بينما كان جدعون ساعر مستشاراً خاصاً له؛ ثلاثتهم كانوا جزءًا من حزب الليكود، وأبرز أعمدته وقادته، وهنا المسألة الهامة إذا ما جمعنا حصيلة المقاعد التي يجمعها هذا الرباعي الذي ينتمي لليكود فكراً وأيدلوجية وسياسة؛ يكون العدد 67 مقعداً، أي أن الليكود وتفريخاته بات يحصل على 67 مقعداً، وإذا ما أضيف لهم زعيم حزب "تيلم" الوزير السابق موشيه يعلون والقيادي السابق في الليكود ووزير دفاع نتنياهو يكون العدد 70 مقعداً من مقاعد الكنيست ال120.
هنا ليس اللافت هو أن التنافس أصبح بين الليكود وتفريخاته، بل بين أقصى اليمين وأقصى اليمين؛ إذ أصبح حزب الليكود في السنوات الأخيرة هو حزب استيطاني بامتياز، ليس فقط بسبب البناء الاستيطاني، بل أن مركز الحزب بات يضم نشطاء استيطان من المتطرفين، أما الذين انشقوا عن الليكود فهم أكثر تطرفاً؛ إذ ينافسونه على تمثيل المستوطنين، حيث نفتالي بينيت يعتبر نفسه الوريث الشرعي للحركة الاستيطانية وليبرمان نفسه مستوطن يسكن في مستوطنة "نوكديم" جنوب القدس .
إذن بات الليكود بالمعنى الفكري هو الوحيد المسيطر على الساحة الإسرائيلية، ليس الليكود وتفريخاته، بل الفكر اليميني الذي يمثله هذا الحزب، باعتباره امتداد الحركة القومية التي ورثت جابوتنسكي، ومع النهاية التي سار إليها حزب العمل الذي مثل الحركة العمالية وتمركز في وسط الساحة الإسرائيلية كمؤسس أولاً، ومحتكر للسلطة ثم كشريك ثانياً، وصولاً إلى حالة ذيلية لليكود ثالثاً، انتهاء بالمرحلة الرابعة؛ بإسدال الستار عليه. لا يعني هذا فقط نهاية الحزب، بل نهاية الحالة الوسطية ونهاية المنافسة التاريخية واقتصارها بين الليكود والليكود أو بين الليكود ونشطاءه السابقين.
الانتخابات القادمة ووفقاً للاستطلاعات وهي غالباً قريبة من الواقع، وإذا ظل المتنافسون والذين تجمعهم فكرة كراهية نتنياهو على نفس الموقف الحاد، وتمكنوا من حرمان نتنياهو من تشكيل الحكومة، وهذا قد يطيح به كرئيس لليكود لاحقاً ويتم استبداله برئيس جديد للحزب، وقد يندمج لاحقاً بالحكومة، هذا يعني أن التقلبات أينما سارت فإنها ستظل في إطار الحركة القومية أو في إطار فكر الحزب الذي أسسه جابوتنسكي وورثه مناحيم بيغن واسحق شامير، وربما أن الجيل الجديد من أبناء هذه المدرسة أكثر تطرفاً من جيل التأسيس بينيت – ليبرمان – ساعر؛ لذا يمكن القول أن إسرائيل انزاحت نحو وضوح التطرف بلا مواربة، هذا الأمر يستدعي قراءة مختلفة من الفلسطينيين. أما على الصعيد الإسرائيلي وانعكاساته على تركيبتها الداخلية وعلاقاتها الدولية، فهذا يحتمل قراءة أخرى؛ تدعو كل خصوم إسرائيل للتفاؤل، حين تنزاح دولة ونظامها السياسي نحو أكثر الأفكار شوفونية..!!!

