في التطبيع مزايا إيجابية، ربما كان أولها هو فصل عُرى مفردات الرواية الملتبسة بين عين الشعوب وعقول الأنظمة.
من أجل أنسنة القاتل، عليك بالضرورة أن تُشيطن الضحيةَ، تلك أُولى خطوات الذهاب إلى تكريس واقع الجريمة بوصفه إنجازاً حضارياً، ولتكريس ذلك لا بد من بث خُطب ونداءات وخطوات تشبه حالةَ المصالحة بين السكين والرقبة، بغية منع القضاء من الذهاب في مجراه، أو على أقل تقدير تسويف جوهر الإجابة على سؤال الدم والظلم والتزييف، وبخصوص فلسطين، فإن هذا يشكل مقدمات جيدة لـ "عملية السلام"، وهي في مآلها الجوهري عملية اقتلاع نهائي.
هذا يعني إشادة بناء ثقافي مختلف، ثقافة مغايرة منخورة؛ تنطلق من أُسِّ وقائع مزيفة، بناء بلا نوافذ اختيارية مصيرية، وتحكمها أقفاصُ القوة ذات الألوان المختلفة، هو ضربٌ من الذهاب إلى حافة التاريخ في قلب الهاوية، لخلق وقائع تاريخية تجعل من الصعب على الحقيقة أن تُطلَّ برأسها خارج الحفرة!
يعلم كل عربي، بل وكل إنسان، بأن القضية ليست قضية نزاع، أو حتى مجرد صراع بين كيانين "دولتين"، بغض النظر عن ماهية وفحوى هذا الكيان أو ذاك، بل يعلم كل من على وجه الأرض، بمن فيهم اليهود ببسطائهم ودهاقنتهم، بأن الدولة والكيان الفلسطيني وُلد مع بداية البشرية وبأنه مستمر، وبأنه أيضاً لن يزول أبداً. من نافل القول أيضاً أن التاريخ بما فيه المزيف كلياً أو جزئياً؛ يُقر باسم وطبيعة هذه البقعة من الأرض.
وأمام هذا، لا مخرج إذن إلَّا بالتعاطف مع القاتل وتخفيض مستوى وحشيَّة توصيف الضحية، بل والإساءة إليها وشيطنتها ما أمكن، ومن هنا يبدأ الكهنةُ في المحفل السري رحلةَ "تطبيع القاتل" أي جعله طبيعياً، وصناعة صورته مجدداً، وهنا، لا أوافق على مصطلح "التطبيع"، أما جعله طبيعياً "تطبيع" – بلا ال التعريف فهو ما يُوصِّف الحقيقة في أعماقها، إنه يعني جعل ما ليس طبيعياً كائناً طبيعياً. إن الأمر هنا يشبه حنكة خَلْقَ فرانكشتاين الذي سوف يقتل صانعَه حتماً، وإنْ بعد حين!
افتراءاتُ الفِقْه التاريخي تتطلبُ ليس مجردَ الترويج للملَفَّق، بل جعله إيحائياً يذهب نحو وهج الحقائقيَّة، هو تماماً كمثل القاتل والضحية السابق؛ جهد يؤول إلى نسف التاريخ لتحل مكانه تصورات سردية، أسوة بنسف أخلاق القتيل ليتم تسهيل فهم دوافع المجرم المضطر وربما المسكين، هي رحلةٌ تنم عن منهجية تُراعي سمة الإنسانية المخدوعة المضلَّلة بهيمنة القوة الإعلامية.
في خطوات سابقة، فشل ترويج صور الأطفال القتلى - الشهداء بتعريفنا الوطني - على أنها تخص الأخر - اليهودي المسكين- وأن البندقية التي تطلق الرصاص ذات ماركة "إرهابية " فلسطينية، كما فشلت بدورها محاولات طمس لوحات التاريخ؛ بفعل الزخم العالمي المدوَّن بكل اللغات لصالح الرؤية والحق ورسوخ التاريخ والحاضر الفلسطيني، كما فشلت حركة التديُّن اللفظي العالمية - منها ما هو متأسلم- بترجمة حروف التاريخ باعتبارها مسألة لاهوتية بحتة، وتخضع لإرادة يهوه، وكما هو معلوم فإن حرب الإبادة الجسدية والهوياتية؛ سُحقت بصمود الضحية الشجاعة التي لم تكتفِ خلال قرن كامل بالصراخ في وجه القاتل، بل قامت بفعل ما.
سرُّ بقاء فلسطين وشعبها ليس في تاريخها وآثارها وصداها الديني وقوة ثوارها وشهدائها وأسراها - على أهمية كل ذلك- بل في قوة الانتساب، كما وقوة العلاقة العجيبة الاستثنائية بين هذا الفلسطيني وهويته وانتمائه للأرض، تلك معجزة البقاء الفلسطينية؛ الأولى والحالية، وهي الأساس لكل قواعد البقاء القادم.
... عقب ذلك كله، ومن أجل أن تخرج الصهيونية مع حلفائها وأذنابها من مأزق "الشرعية" كان لا بد من تجميل صورة اليهودي- المحروقة حتى الآن - وتشويه صورة الفلسطيني - والعربي كمعادل موضوعي لا مثيل له في سابق الصراعات؛ من حيث اتساعه وشساعة العمل عليه، ولذلك كان لا بد من جهد هائل تقوم به الأنظمة التوابعيَّة، المحسوبة شكلاً على "العرب" بُغية سحق صورة المظلوم, فهذا المظلوم يجب أن يتحول إلى نموذج سلبي (مجرم؛ حشاش؛ لا يؤتمن؛ غدّار...)، بالتالي يسهل تبرير وطمس معالم قتله!
هذا الأمر عملت عليه الأنظمة الذيليَّة العربية بتكليف رسمي من صانعها - صانعها هو ذاته صانع "إسرائيل" - وتجسَّدَ بذلك الترابط العضوي بين النظام العربي عموماً - باستثناءات- وبين النظام الصهيوني، ولهذا نشطت الأنظمة منذ زمن طويل؛ بترويج "الفلسطيني الشيطان" كصورة نمطيَّة سلبية، لكن ذلك بدوره فشل، يا للغرابة!
فشل ذلك لم يكن عبر جهد سياسي أو ثقافي من قبل الفلسطيني، بل كان وما زال عبر تلقائية العيش اليومي المشترك، ذلك أن أي مواطن عربي رأى كيف يساهم الفرد الفلسطيني بإيجابية في بناء بلده، وكيف يرسم الفلسطيني العادي والمتميز صورته التلقائية الإيجابية في الذهن الشعبي، حيث يغدو بجهدٍ مُضْنٍ عالماً أو طبيباً أو مهندساً أو نجاراً متميزاً بأدائه وحرفيته، ويضع لبنات أسس العمارة والتطور في هذا البلد العربي أو ذاك الذي هو ذاته من تسعى أنظمته لحفر صورة الشيطان الفلسطيني في عقول شعوبها!
من ناحية أخرى، فإن تجميل الصهيوني - اليهودي تحت عناوين إنسانية تارة - اليهودي المسكين - ودينية تارة أخرى - أهل الكتاب- سُحق بدوره بعجلات ماكينة اللصوصية والإجرام والإرهاب المستمر، ومع تخلخل الكيان الاصطناعي - أخلاقياً- من الداخل، وتوقعات الانهيار العالمي بصيغته الإمبريالية الحالية، كان لا بد من استنفار وقاحة العملاء من رؤوس وقاعدات الأنظمة، من هنا كان الهجوم على الفلسطيني المباشر من خلال عناصر مخابرات أنظمة الخليج مؤخراً، ومن هنا أيضاً تم طرح ما سُمي بالديانة الجديدة الإبراهيمية التي يساهم فيها خبثاء شيوخ المتأسلمين لسحق الإسلام في جوهره ومن داخله، وخلق بروتستانتية متأسلمة تنحو نحو البروتستانتية المسيحية التي صنعتها عقول معذِّبي وقتلة المسيح؛ إنه التماثل بين العصور الوسطى والآنية المفرطة في سويَّة الوقاحة والتزييف.
لكن، ماذا عن الشعوب؟
تدرك الشعوب تبعية وذيلية أنظمتنا التطبيعية، وتدرك عمالتها البنيوية منذ ما قبل تشييخها على البقاع، وهي في العموم مكروهة ومفضوحة، بل ومضحكة حيناً، وهي لم تكن ذات ثقة يوماً لتكون الآن، ولهذا فإن ثمرات التطبيع لن تكون سوى نباتات زائفة على ضريح الصهيونية، ولن تنقذ الكيان في النهاية من تلاشيه وانهياره - لا نقول بأن ذلك سوف يحدث بعد أسبوع - وهو أمر بات يقر به مفكرو اليهود والصهاينة ذاتهم، لهذا فإن جهود الأنظمة التطبيعية ليست سوى فيلماً هزلياً محروقاً حتماً، ولذلك أيضاً، فإن على الفلسطينيين جميعاً تعميق علاقتهم بالشعوب التي تمتلك الحقائق لا الأنظمة التابعة لجوقة الخرافات، وبث قيمهم وأفكارهم الثورية، لا مجرد مقاومة، بمعنى آخر، فإن على الفلسطينيين أن يكونوا ثواراً، لا مجرد مقاومين.
إن حرب التطبيع والتشويه ضد فلسطين وشعبها والشعوب العربية المساندة- وهي الأغلبية المطلقة- لا تعدو كونها حرباً سيكولوجية بالدرجة الأولى؛ تهدف إلى تحقيق تحطيم نفسي واختراق سيكولوجي، أما الفلسطينيون الذين يردون بشتم الشعوب فهم جنود في الخطة، إما أنهم جنود ساذجون أو متواطئون!
لا يشبه هذا "التطبيع" الجاري حالياً - مؤخراً مع المغرب - إلا إعلان زواج كان سرياً، كل الشعب يعلمه منذ عقود، ولا تشبه خشبات إنقاذ الأنظمة لذاتها سوى الركوب على ورقة شجر متيبسة وسط بحر من الحقيقة والحتمية، وهم ساقطون بحكم سيرورة التاريخ، سواءً أطبعوا أم لم يفعلوا، ذلك أنها أنظمة تعيش خارج اللحظة التاريخية، وهي كمن يسير في وسط مدينة حديثة بعربة خشبية يجرها حمار.

