Menu

موسم المصالحة إذ يبعث من جديد

سعاده مصطفى أرشيد

في الأيام القليلة الماضية توالى على شاشات الفضائيات خطباء وقادة تيارات إسلامية من اليمن إلى غزة وما بينهما، وبما أنّ المستهدف بالسماع هو المواطن المتابع للفضائيات لا أعضاء الجماعة فحسب، فإنّ من ضرورات الخطاب أن يستعرض الخطيب الحالة العامة في الإقليم ويستذكر الشهداء وذكراهم ويعدّد فضائلهم، ويرسل التحايا إلى هذه الدولة أو تلك الحكومة، وهذا القائد أو ذاك، إلا أنّ المشترك في تلك الخطب كان بتركيز كلّ خطيب على وضعه الداخلي وهمّه الخاص، وشاهِدنا على ذلك، هو ما تحدث به رئيس مكتب حماس السياسي من إعادة الحياة إلى مشروع المصالحة والحوار الفلسطيني – الفلسطيني، مؤكداً على ضرورات الوحدة وعلى مخاطر الانقسام، والمصالحة تشمل أيضاً، الانتخابات التي ستعيد تجديد النظام الفلسطيني. يشير الخطاب إلى أنّ حركة حماس قد حصلت على ضمانات أكيدة من جهات عربية وإقليمية ودولية، بأنّ السلطة ستلتزم بإجراء الانتخابات بالتتالي: المجلس التشريعي أولاً ومن ثم الانتخابات الرئاسية فالمجلس الوطني، وذلك بأن يصدر الرئيس عباس مرسوماً بإجراء الانتخابات، ويكلّف رئيس لجنة الانتخابات بالإعداد لها بعد ستة شهور من تاريخ صدور المرسوم، مع ملاحظة أنّ لجنة الانتخابات المركزية لا تملك بيانات عن الناخبين خارج الضفة الغربية وقطاع غزة والمنتشرين في العالم على اتساعه.

يرتبط طرفا الانقسام، بمحاور إقليمية ودولية في علاقة معقدة، بحيث أصبحت تلك المحاور أساسية وشريكة في الحصة الأكبر في صناعة قرار كلّ منهما. ومن هنا نستطيع المجازفة بالقول إنّ الرغبة بالمصالحة وما يليها، هي رغبة تلك المحاور بالدرجة الأولى في تجديد النظام السياسي الفلسطيني كلّ حسب ما يرتئيه، مع هامش ضيّق للطرف الفلسطيني.

منذ العام 2007 وللفلسطيني موعد شبه سنوي مع جولة من جولات المصالحة، التي تبدأ وسط أجواء التفاؤل بوجوه باسمة وحديث طيب ولكنها لا تلبث أن تنتهي بالخلاف وتبادل التهم حول من يضع العراقيل، وأين تكمن الشرعية؟ ووو… كان للفلسطيني موعد في العام الفائت مع بازار المصالحة، ولكنه اختلف باستبدال الشخوص، فسارت الأمور بحسب طبيعتهم الشخصية، بحماسة زائدة، وسلاسة ويسر، إلى درجة دفعت أحد قادة الحوار لأن يرفع الصوت قائلا: هذه المرة مختلفة، نحن جديون، هذه المرة صدّقونا، ولكن الأمر لم يطل فما هي إلا أسابيع، إلا وظهرت نتائج الانتخابات في واشنطن، وافترض فريق انه أنهى وظيفة الحوار مع ظهور تلك النتائج، فعاد التنسيق الأمني المعلن إلى سابق إعلانه، وعادت السلطة إلى تسلم أموال المقاصة دون تحقيق كسب ولو بالشكل، ثم أعلنت الدبلوماسية الفلسطينية عن إعادة الاتصال مع الإدارة الأميركية الجديدة، من دون اشتراط يتعلق بنقل السفارة الأميركية إلى  القدس  أو تعهّد الإدارة الجديدة بوقف العمل بمشروع الإدارة الراحلة المعروف باسم «صفقة القرن»، ويبدو أنّ في رام الله من يظنّ أنّ فرصة ما لا تزال قائمة لمشروعهم القديم، وأنّ الرئيس الجديد، سيكون كنائب الرئيس في عهد الرئيس الأسبق أوباما، عندما صدر منه كلام إيجابي عن حلّ الدولتين، في حين أنّ الفريق الآخر يعاني في غزة من حصار خانق، ومن علاقة غير مستقرة مع مصر، تجهد حركة حماس في محاولة تحسينها من دون تحقيق نجاحات تذكر، وهي بأمسّ الحاجة للمال القطري، ولا تبدي رغبة في الدخول في مواجهة دم ونار مع (إسرائيل) إلا مضطرة…

وهكذا انتهى فصل الربيع القصير، إلى أن تمّ أحياؤه مرة أخرى قبل أيام، وبهذا تكون حماس كما فتح عادت إلى حديث الحوار وملحقاته والظروف التي دعتها إلى وقفه لا تزال قائمة.

يبدو أنّ طرفي الانقسام يحتاجان إلى هذه الجولة من جديد، وربما أكثر من المرات السابقة، فهي فرصة مريحة لكليهما وانتظار غير مزعج لمراقبة ومعرفة إلى أين تسير الأمور في الإقليم وبالعالم على حدّ سواء، وبناء على ذلك يقرّران إما السير في دروب المصالحة أو العودة إلى تبادل الاتهامات، فإدارة بايدن لم يبق لها إلا القليل لتسلم زمام الحكم، وحليف حماس وراعيها وهو صديق الرئيس وأمير وطنه الثاني الشيخ تميم بن حمد، الذي يبدي استعجالاً لاسترداد دوره القيادي في الخليج والعالم العربي، بعد سنوات من عزلة ومقاطعته وصولاً إلى إغلاق الحدود البرية بين قطر والسعودية، وهو الدور الذي خسره لصالح محمد بن زايد ومحمد بن سلمان طيلة السنوات الأربع الماضية، فالشيخ تميم سيكون ولا بدّ المفتاح الذهبي للعلاقة مع الإدارة الديمقراطية، وهو الأمر الذي دعا محمد بن سلمان للمبالغة في حسن استقباله في قمة العلا منذ يومين.

ما تقدّم، أغفل حقيقة هي الأهمّ والأخطر، المصالحة والانتخابات وإعادة اللحمة بين الضفة الغربية وغزة، هي قرار تملكه أولاً وقبل أيّ أحد آخر حكومة الاحتلال، المسيطرة على الأرض، وهي من تملك أن توافق أو لا توافق بناء على حساباتها أولاً، ثم تلبية لرغبة حلفائها وشركائها ثانياً، وهي لا تلقي بالاً لما يقرّره مكتب حماس السياسي أو لجنة فتح المركزية، وذلك إنْ أخذنا بنظرة واقعية مستندة إلى ميزان القوى الراهن.

في هذا ما يشير بشكل جلي إلى غياب الرؤى الاستراتيجية وانعدام وجود سياسات بعيدة المدى، فالعمل السياسي والوطني يتمّ بنظام المياومة، وإلى أن يتخذ الرئيس قراره ويصدر مراسيمه، وإلى أن تنقضي الشهور الستة بعد ذلك فإنّ مياه السياسة ستجري في وديانها، هذا وإنْ كنت لا أستطيع أن أجازف بالقول إنّ هذه الانتخابات لن تجري، وهي إنْ جرت فستقتصر على الجولة الأولى، أيّ انتخابات المجلس التشريعي، ولن تفعل إلا أن تعيد إنتاج البضاعة ذاتها، ولكني أستطيع المجازفة بالقول إنها ستكون الانتخابات الوحيدة…