Menu

في الذكرى (103) لميلاد الرئيس جمال عبد الناصر نستحضر تجربته الثورية الرائدة من أجل البناء عليها

عليان عليان

خاص بوابة الهدف الاخبارية

ونحن نعيش في رحاب ذكرى ميلاد قائد ثورة 23 يوليو وقائد الأمة العربية جمال عبد الناصر، نستمع إلى الدعوات والمناشدات للقوى القومية والتقدمية باستعادة نهج الثورة – نهج خالد الذكر جمال عبد الناصر والبناء عليه، للتصدي لنهج التطبيع والاندلاق على العدو الصهيوني الذي يقوده آل سعود وغيرهم، وللتصدي لمؤامرات تصفية القضية الفلسطينية وللتصدي للمؤامرة على سوريا العروبة، ولإعادة الاعتبار لثلاثية "الحرية والاشتراكية والوحدة" كرافعة للمشروع النهضوي التحرري العربي.

نقرأ تجربة الثورة ونستفيد من دروسها، ونؤكد على راهنيتها في خطوطها العريضة وطنياً وقومياً، نقرأها من خلال وثائقها (فلسفة الثورة / الميثاق القومي / بيان 30 مارس) ونقرأها في الممارسة لنرى مدى صوابية بوصلتها على مختلف الصعد. ونتوقف في هذه العجالة، أمام الثورة، ببعديها السياسي والاجتماعي/ فثورة 23 يوليو كما قال عبد الناصر، في كتابه الأول "فلسفة الثورة" كانت ثورتين في ثورة واحدة، "ثورة سياسية، استرد الشعب فيها حكم نفسه بنفسه، من يد طاغية فرض عليه، ومن جيش معتد أقام في أرضه بدون رضاه". وثورة اجتماعية تتصارع فيها طبقاته، حتى تستقر الأمور فيها لتحقيق العدالة الاجتماعية، لأبناء الوطن الواحد. ولم يكن بوسع قيادة الثورة أن تنجز الثورة الأولى، ومن ثم تنتظر فترة طويلة لتحقيق الثورة الاجتماعية، لأن إنجاز الأولى بمعزل عن الثانية يجعل الثورة الأولى في خطر، وبهذا الصدد قال عبد الناصر بحسه الثوري العظيم: "لقد أدركت منذ البداية، أن نجاحنا، يتوقف على إدراكنا الكامل لطبيعة الظروف التي نعيش فيها، من تاريخ وطننا، كما أننا لم نكن نستطيع أن نغير هذه الظروف بجرة قلم وكذلك لم نكن نستطيع أن نؤخر عقارب الساعة، أو نقدمها ونتحكم في الزمن، وكذلك لم يكن في استطاعتنا أن نقوم على طريق التاريخ، بمهمة جندي المرور فنوقف مرور ثورة  حتى تمر أخرى، ونحول بذلك دون وقوع حادث اصطدام وإنما كان الشيء الوحيد الذي نستطيعه، هو أن نتصرف بقدر الإمكان وننجو من أن يطحننا شقا الرحى". ويضيف عبد الناصر: "كان لا بد من أن نسير، في طريق الثورتين معاً، ويوم سرنا في طريق الثورة السياسية، فخلعنا فاروق عن عرشه سرنا خطوات مماثلة، في طريق الثورة الاجتماعية ، فقررنا تحديد الملكية".

لقد رسم عبد الناصر الخطوط الواضحة منذ البداية، والموصلة إلى تحقيق أهداف الثورتين - التي كانت تحتاج إلى وقت وكفاح طويل لتحقيقها واستكمالها- حيث أدرك منذ البداية حجم التحديات التي سيواجهها من قبل القوى الرجعية في الداخل، وعلى رأسها الإقطاع ومن قبل القوى الإمبريالية والرجعية في الخارج، وعلى رأسها بريطانيا، والولايات المتحدة، والعدو الصهيوني، وقوى الرجعية العربية.

وفي إطار الخطوط سالفة الذكر، عمل عبد الناصر على استكمال ثورته السياسية من خلال ما يلي:

أولاً: تحقيق جلاء القوات البريطانية عن مصر بموجب اتفاقية الجلاء في 19أكتوبر / تشرين أول 1954 .

ثانياً: التأكيد نظرياً، وفي الممارسة على البعدين الوطني والقومي للثورة المصرية، وعلى خصوصية الدوائر الثلاث "الدائرة العربية، الدائرة الإفريقية، الدائرة الإسلامية".

ثالثاً: وفي إطار التحالف، مع الدول المستقلة في العالم الثالث والساعية للتحرر والانعتاق من التبعية، كان عبد الناصر أحد أبرز أقطاب مؤتمر باندونغ في 18 إبريل / نيسان 1955 إلى جانب عمالقة ذلك العصر "جوزف بروز تيتو – يوغوسلافيا / جواهر لال نهرو – الهند وغيرهما "اللذين أبدعوا في خلق منظومة" الحياد الإيجاب "، التي شكلت في المحصلة محطة مركزية ورئيسية لمناهضة الاستعمار.

رابعاً: عقد صفة الأسلحة التشيكية " السلاح السوفييتي " في 27 سبتمبر / أيلول 1955 وبداية الانفتاح التحالفي مع الاتحاد السوفييتي – صديق الشعوب ونصير قضاياها العادلة بعد أن رفض الأمريكان تزويده بالسلاح.

خامساً: قراره التاريخي بتأميم قناة السويس في السادس والعشرين من شهر يوليو تموز 1956، وتصدي الشعب المصري تحت قيادته للعدوان الثلاثي الغاشم، الذي شاركت فيه كل من بريطانيا وفرنسا ( وإسرائيل)، حيث انتهت الحرب بهزيمة نكراء لأطراف العدوان ما أدى إلى خروج بريطانيا من التاريخ، كإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وخروج مؤسس دولة الكيان الصهيوني ورئيس وزرائه آنذاك ديفيد بن غوريون من التاريخ أيضاً بإعلانه اعتزال العمل السياسي وتوجهه إلى منطقة سد بوكر في النقب، ليمضي بقية حياته هناك بعد أن قال قولته المشهورة: "لقد ظهر في مصر فرعون جديد ولا قبل لي به ولا أستطيع مواجهته".

سادساً: استجابة عبد الناصر، لنبض وتطلعات الشعب السوري وضباطه القوميين في الوحدة، بتوقيعه إعلان الوحدة المصرية السورية، في 22 شباط / فبراير من عام 1958، وكانت أول تجربة وحدوية عربية في التاريخ الحديث.

سابعاً: شكلت مصر بقيادة عبد الناصر، إقليم قاعدة لحركة التحرر العربية، وفي أفريقيا حيث قدمت كل أشكال الدعم للثورة الجزائرية وللثورة في شمال اليمن وجنوبه، وأسقطت الأحلاف الاستعمارية وخاصةً حلف بغداد، ودعمت الثورة العراقية عام 1958، وكذلك الثورة في لبنان، ووقفت إلى جانب حركات التحرر الوطني في أفريقيا بقيادة باتريس لوممبا وأحمد سيكيتوري وغيرهما من القادة الوطنيين الأفارقة.

ثامناً: ورغم خطه السياسي الواضح، في معاداة الرجعية العربية إلى جانب الاستعمار، إلا أنه سعى إلى إحداث اختراقات في تلك الدول من خلال صيغة القمم العربية، التي تم تثميرها قبل عام 1967، في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وفي أخذ قرارات لصالح سوريا كبناء سد الوحدة، بعد قرار العدو الصهيوني بتحويل مياه نهر الأردن، كما تم تثميرها بعد عام 1967، من خلال قرارات قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث "لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف".

أما على صعيد الثورة الاجتماعية: فيمكن القول وبكل ثقة وجرأة أن ثورة يوليو المجيدة بقيادة عبد الناصر، قطعت شوطاً كبيراً على تحقيق أهدافها في العدالة الاجتماعية، والحد من الفوارق الطبقية، وفي تحقيق الديمقراطية الاجتماعية، ممثلة بدخل حقيقي متحقق عبر التعليم المجاني بكل مراحله، وعبر الصحة المجانية، وغيرها من الخدمات الاجتماعية وعبر إصلاح زراعي متقدم حول ملايين الفلاحين الفقراء من أقنان إلى ملاك. وما كان لهذه الديمقراطية الاجتماعية، أن تتحقق، بدون تأميم المصالح الرأسمالية الكبرى  وبدون قوانين يوليو الاشتراكية، التي وجدت طريقها للتطبيق، في مطلع ستينات القرن الماضي، والتي انعكست بالإيجاب على الإنتاج وعدالة التوزيع، بعد أن أرسى التصنيع الثقيل والتنمية المستقلة الأساس المادي للاشتراكية العربية، أو لطريق التطور اللا رأسمالي. وما كان للثورة الاجتماعية، أن تقطع شوطاً في تحقيق أهدافها بدون خلق الأساس المادي لها، الكفيل بتوفير الخيرات المادية، وتوزيعها بشكل عادل، وهذا الأساس المادي وفرته قيادة عبد الناصر من خلال التصنيع الثقيل، ومن خلال قرارها التاريخي ببناء السد العالي بتمويل ودعم هائل من الاتحاد السوفييتي، ذلك السد الذي أنقذ مصر من المجاعة، ومكن من استصلاح مليوني فدان، ناهيك عن توفير فائض من الكهرباء اللازمة للصناعة ولجميع الاستخدامات في البلاد. هذا الاستعراض السريع لثورة 23 يوليو، ببعديها السياسي والاجتماعي لا يجوز أن تغفلنا عن الإشارة إلى الهنات، والثغرات التي قادت إلى هزيمة 1967 وأبرزها:

1-أن اتحاد قوى الشعب العامل "الاتحاد الاشتراكي العربي" كان صيغة فضفاضة غير جذرية، تسللت من خلالها قوى الثورة المضادة ورموزها لضرب التجربة، بمعنى أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن حزباً طليعياً لقيادة البلاد.

2- كانت هنالك مراكز قوى في الجيش وبقية أجهزة الدولة، لعبت دوراً خطيراً في الإساءة للتجربة الثورية في مصر، ولم تكن على قدر المسؤولية في مواجهة التحديات، لا سيما الخارجية منها، وفي الذاكرة دور عبد الحكيم عامر في إفشال تجربة الوحدة، ودوره ودور شمس بدران في نكسة 1967. وعندما حصلت نكسة 1967، كان الرد عليها بتجذير الثورة سياسياً واجتماعياً من خلال بيان (30 ) مارس، الذي أكد على ما يلي: إعادة بناء القوات المسلحة / تحقيق الصمود الاقتصادي/ تصفية مراكز القوى من خلال محاكمات علنية، لاعتبارات أخلاقية ومعنوية / العمل على كل الجبهات العربية والدولية، والاتصال المباشر مع الأصدقاء في الدول الاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي الذي أكد لمصر في ظروف النكسة، صداقته المخلصة، وتعاونه الصادق، ووقوفه الصلب في جبهة الثورة العالمية المعادية للاستعمار.

لقد تضمن بيان (30) برنامج عمل متكامل على صعيد الإنتاج وتغيير قيادات الإنتاج والقيادات العسكرية، وتغيير في السلك الدبلوماسي والمحافظين، وفي رؤساء المدن، وفي إعطاء دور للشباب المتعلم، وكذلك على صعيد تجذير تجربة الاتحاد الاشتراكي، وإعادة بنائه بالانتخاب الحر من القاعدة إلى القمة، وبحيث يظهر في وسطه تنظيم سياسي طليعي قادر على قيادة العمل السياسي لمصلحة الجماهير الشعبية.

لقد بذل خالد الذكر جهوداً مضنية، لإعادة بناء القوات المسلحة من أجل إزالة آثار العدوان وتمكن من إنجاز هذه المهمة الصعبة، من خلال الدعم العسكري السوفييتي غير المحدود، حيث خاض الجيش المصري حرب الاستنزاف التي حقق فيها انتصارات كبيرة على العدو الصهيوني.

 وعمل عبد الناصر على إنجاز خطط ومناورات العبور، لاجتياز خط بارليف بالتعاون مع الخبراء السوفييت، عبر خطط "جرانيت 1، 2 "وتمكن قبل ذلك من بناء حائط الصواريخ لحماية العمق المصري، من ضربات الطيران الإسرائيلي.

كما بذل عبد الناصر جهوداً مضنية، لإعادة عجلة الإنتاج لما كانت عليه قبل عام 1967 وأبدى انحيازاً كبيراً، للعمال والفلاحين في الممارسة، وفي النظرية، من خلال برنامج التنظيم الطليعي، في إطار الاتحاد الاشتراكي، لكن الموت عاجله، قبل أن ينجز المهمات التي حددها وأبرزها مهمة إزالة آثار العدوان، في الوقت الذي كانت مصر، والأمة العربية وحركة التحرر العربية، أحوج ما تكون لقيادته.

لقد كان عبد الناصر المطلوب رقم (1) للإمبريالية الأمريكية وكان قائد الأمة العربية بلا منازع، وسر عداء الإمبريالية له يكمن في سيره في طريق التنمية المستقلة، المرتبط بنهجه القومي الأصيل، الذي جعل من مصر إقليم قاعدة لمواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين وإقليم قاعدة لحركة التحرر العربية.