Menu

إطلالة موجزة حول نظرية العدالة عند جون راولز

بوابة الهدف

طرحت المجلة الفلسفية في عددها الصادر في - أبريل 2019 – سؤالاً يقول، ما هو المجتمع العادل؟

واستحضرت المجلة الكتاب الأكثر تداولًا " نظرية العدالة " للمفكر والفيلسوف الأمريكي جون روالز (John Rawls)، من مواد هذا الملف الهام نختار حوارًا نقديًا لأستاذة الفلسفة السياسية Magali Bessone

وحول أهم الانتقادات لنظرية العدالة التي صاغها لنا جون روالز (John Rawls)؟

ذكرت إننا نعايش موجتين من هذه الانتقادات، أولها تتعلق بالطريقة التي ينبغي فيها تطبيق واستكمال هذه النظرية. فالمساواة في الحقوق وفي الحظوظ التي ينادي بها جون روالز (John Rawls)، لم تستهدف إلا أفرادًا مجردين، بدل أن تستهدف مجموعات اجتماعية تتعرض للتمييز بحكم تاريخها؛ مثل التمييز ضد النساء أو ما يتعرض له "الجندر" من عدم المساواة، ثم، ألا يمكن أن نرمي إلى تحقيق المساواة في القدرات الحقيقية الفعالة والحرة للأفراد مثل التنقل إلى بلد آخر في حالة الخطر، وأخيرًا، يعتبر روالز أن أي مجتمع عادل عليه أن يصحح من التفاوتات الناتجة عن ظروف خارجة عن إرادة الأفراد، مثل الأطفال الذين يولدون داخل المجموعات الاجتماعية المتضررة، والذين هم أقل حظًا لمتابعة دراساتهم العليا، لكن هل يمكن أن نتصور أن عدم المساواة التي نحن مسؤولون عنها جراء اختيارنا الشخصي في الحياة يمكن أن تكون أيضًا موضوع تعويض جماعي؟ إذا اخترت مثلا أن أصبح ممثلًا، لكن تبين أنني بالغت في تقدير مواهبي، هل من العدل أن "أدفع ثمن ذلك"؟

الموجة الثانية من هذه الانتقادات، هي انتقادات جذرية راديكالية، تنصب حول مفهوم العدالة نفسه التي نحته جون روالز، فحسب هذه الانتقادات، إن أي مجتمع عادل عليه أن يهتم ليس فقط في إعادة توزيع الخيرات بين أفراده، ولكن عليه خاصة العمل على دعم وتطوير علاقات التقدير المتساوية والاعتراف المتبادل وضمانها، هذه الاشتراطات عليها أن تشمل كل المجالات التي لم تلمسها وتهتم بها النظرية إلا قليلًا كالعمل أو العائلة، المجتمع العادل هو المجتمع الذي يجد أفراده الوسائل لتحقيق ذواتهم والاعتراف بواقع حياتهم المعيشة داخل العائلة والعمل. غير أن هذا الاعتراف يختلف من عائلة إلى أخرى، ومن مؤسسة إلى أخرى. في نفس الاتجاه العديد من المفكرين يكشفون وينتقدون القهر والتراتبية التي توجد في المجتمعات بدون رضا وقبول الأفراد والتي أغفلها جون روالز، مثل، عدم المساواة الحاصلة بين الأنواع وتلك التي توجد بين المجموعات العرقية؛ فانطلاقًا من مظاهر غياب العدالة الموجودة أصلًا، يمكن للأفراد أن يصوغوا بشكل جيد قواعد للعدالة كفيلة أن تؤثر تأثيرًا فعالًا على تحرير وضعيتهم..

يعتبر المنظور الليبرالي لجون روالز (John Rawls) غير مقنع حيال فكرة الاستحقاق، فهو يؤدي إلى تبرير عدم المساواة والفروقات في المهارات... إلا في حالة كانت في صالح المهمشين .. ألا تعتبر هذه مقاربة يسارية؟

ويرفض جون روالز (John Rawls) أسطورة "مبدأ الجدارة": فالامتيازات التي يستفيد منها الأكثر ثراء أو الطبقة المسيطرة لا يمكن التفكير فيها كـ"مكافآت طبيعية" للخصائص والسمات الفردية (مجهود، موهبة، ميزة ثقافية...الخ) وكمسوغات لحيازتها.

وتضيف، هل من الإنصاف والعدل بأن "الجديرون" لهم الأسبقية على الذين يفضلون الاحتكام لظروفهم هل هي التي ساعدتهم في تحقيق اختياراتهم أم خذلتهم بعد أن بذلوا قصارى جهدهم... بينما المواهب والمنافع نادرًا ما يكونا في تطابق كامل؛ إذن فالنقد الذي وجهه جون روالز إلى مبدأ الاستحقاق يمكن أن يغني في الحقيقة فكر اليسار الذي يحمل ويدافع بكل جدية عن قيمة المساواة.

وانطلاقاً من اللحظة التي تتجسد فيها الحقوق والحريات على أرض الواقع بشكل متساو وعادل مع جميع أفراد المجتمع، فإن كل امتيازات متبقية من كسب أو ثراء، أو حتى تلك التي تأتي من الحظ أو المهارة، هي امتيازات شرعية حسب جون روالز، ولكن بشرط أن تكون ليس في صالح كافة المجتمع فقط، بل أن تكون أكثر في صالح المتضررين والمحرومين، بهذا المعنى، يقدم جون روالز اختبارًا نقديًا.. ويجبرنا على طرح هذا التساؤل: من المستفيد حقًا من انعدام المساواة...؟