Menu

صفقات الأسلحة والفساد

د. صلاح زقوت

نُشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية

تعرف منظمة الشفافية الدولية للفساد، بأنه إساءة استخدام السلطة المعهود بها لتحقيق مكاسب شخصية.

من المعروف للقاصي والداني بأن صفقات الأسلحة التي تتم بين الدول؛ تترافق مع عمليات فساد كبيره جدًا، والسبب في ذلك يعود إلى المنافسة الشديدة بين الدول المصنعة والمصدرة للأسلحة، مما يجعلها تقدم الرشاوي للمسؤولين والدول، وخاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وممكن أن تكون الرشاوي عبارة عن رشاوي سياسية للأنظمة، لكي تجعل هذه الأنظمة تدور في فلكها أو لكي تغض النظر عن الممارسات القمعية والعدوانية والمنافية لحقوق الإنسان من قبل الأنظمة في ما يسمى بدول العالم الثالث، ومما يسهل عمليات الفساد في صفقات الأسلحة السرية التي تتم فيها هذه الصفقات للدواعي الأمنية والدفاعية.

يعترف بعض واضعي السياسات، بأن فشل اثنتين من أطول الحروب في القرن الحادي والعشرين فيأفغانستان والعراق؛يعود إلى حد كبير إلى الفساد، وعندما ينخرالفساد الهياكل العسكرية، تفقد قدرتها على مواجهه انعدام الأمن، كما حدث في نيجيريا مع بوكو حرام، وفى العراق مع سقوط الموصل فيأيدي داعش عام2014، كذلك يحبط الفساد مبادرات منع انتشار أسلحه الدمار الشامل عن طريق تسهيل الوصول إلى غير المصرح به من مواد ومعدات وتقنيات حساسة، فمثلًا المسئولون الفاسدون الذين احتفظوا بالمواد النووية في الاتحاد السوفييتي السابق، كانوا هم المسئولين عن خساره عدد من الكيلو غرامات من اليورانيوم المخصب، بينما سهلت ممارسات الفاسدين في مولدافيا وأرمينيا في نقل المواد المسروقة من روسيا، كذلك من أشهر حالات الفساد في تسهيل الانتشار للمواد النووية؛ شبكه عبد القادر خان التي انخرط في عملها أكثر من 30 شركي في 30 دولة مختلفة فيأنحاء العالم، وكانت الشبكة؛ تسهل عمليه نقل القدرات النووية الحساسةإلى دول تتطلع إلى اكتساب القوة النووية.

وللاطلاع على الأمر أكثر، نرى من المفيد، أن نرصد أهم الدول المصدرة والمستوردة للأسلحة، وبعض قضايا الفساد التي تم تسريبها عبر وسائل الإعلام أو من بعض الدراسات والأبحاث المتخصصة في قضايا التسلح؛ فحسب مصادر معهد استوكهولم الدولي لقضايا السلام، وفي التقرير المقدم في 9/3/2020، فإن أكبر خمسة مصدرين للأسلحة في العالم ما بين 2014_2019؛ هم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا وألمانيا والصين، وحسب الدراسات التحليلية للمعهد، فقد زادت نسبة تصدير الأسلحة في هذه السنوات بنسبة5,5% مقارنة مع السنوات الخمسة التي قبلها، وكانت الزيادة الكبيرة من حصة الولايات المتحدة وفرنسا. وفي دراسة قدمها الباحث في المعهد المذكور بيتير فيزيمان ذكر فيها، بأن 50% من صادرات السلاح الأمريكي؛ تصدر للشرق الأوسط، وتحديدًا للسعودية، وذكر بأن الطلب على التقنيات الجوية الأمريكية زاد من قبل أوروبا وأستراليا واليابان وتايوان، وذكر بأن صادرات السلاح الأمريكي والبريطاني للسعودية، لم تتأثر؛ بسبب العدوان السعودي على اليمن، وأن 73% من السلاح الذي زُودت به السعودية أتى من الولايات المتحدة، و13% أتى من بريطانيا.أما فرنسا، فقد زادت صادراتها؛ بسبب العقود التي وقعتها مع مصر وقطروالهند، وذكر بأن سبب انخفاض صادرات السلاح الروسي بنسبة 18% يعود إلى أن الهند؛ خفضت وارداتها من الأسلحة الروسية التي كانت تعتبر مستوردًا أساسيًا للسلاح الروسي، خلال فترة طويلة من الزمن، وعلى الرغم من زيادة الطلب المصري والعراقي على السلاح الروسي؛إلا أنه لم يعوض ما خسرته الصادرات الروسية للهند، وذكر في تقرير معهد استوكهولم، بأن كوريا الجنوبية؛ زادت صادراتها من السلاح بنسبة 143%، وكذلك (اسرائيل) زادت نسبة صادراتها من السلاح بنسبة 77% وهي أعلى نسبه في تاريخها.

صفقات الأسلحة والفساد في دول الخليج وإسرائيل

نشر الأكاديمي والباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن زولتان باراني؛ بحثًا بعنوان (شراء الأسلحة والفساد في دول الخليج)، وأشار فيه إلى وجود مشكله في كل دول الخليج، تتمثل بعدم وجود رقابة تشريعية شعبية فعّالة، يمكنها تقييد الإنفاق الدفاعي أو تنظيم معايير اقتناء الأسلحة، حيث تستخدم الأنظمة الحاكمة؛ مشتريات السلاح لتوطيد تحالفاتها مع الدول الكبرى، مما يؤدي إلى امتلاك أنظمة تسليح مختلفة، يصعب على عناصر القوات المسلحة استيعابها، كما يشير إلى عدم شفافية دول الخليج في الإبلاغ عن إجمالي إنفاقها العسكري الفعلي ونسبته في الناتج المحلي. وعلى الرغم من أن الأمين العام للأمم المتحدة، يدعو جميع الدول الأعضاء بالجمعية العامة كل عام للتبليغ بحلول 30 أبريل عن نفقاتها العسكرية، في آخر سنه ماليه، تتوافر عنها بيانات من أجل تضمينها في تقرير الأمم المتحدة السنوي بشأن الإنفاق العسكري الذي يشرف عليه مكتب الأمم المتحدة لنزع السلاح؛إلا أن كافة دول الخليج لا تقدم تلك البيانات، حيث تعتبرها من قضايا الأمن القومي.

 

ووفقًا لباراني يقدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية؛أن ثلاث دول خليجية، كانت من بين أكبر 15 دولة؛ انفاقًا عسكريًا في العالم، في عام 2019، حيث احتلت السعودية المركز الثالث في قائمة الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة والصين، بمبلغ يقدر 78,4 مليار دولار، في حين جاء الكيان الصهيوني في المركز 14 بمبلغ 22.6 مليار دولار. وفيما تبلغ نسبة الإنفاق العسكري الأمريكي 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وتبلغ النسبة في معظم الدول الأوروبية أقل من 2%، نجد أن نظائر ذلك في دول الخليج مرتفعة للغاية، حيث بلغت في عام 2019؛ عمان 11.7% والسعودية 10.1% والعراق 9.1% والكويت 4.7% و البحرين 3.9%.

ووفقًا لتقديرات واردات الأسلحة السنوية، حسب معهد استوكهولم الدولي، ففي عامي 2018 و 2019؛ استوردت السعودية 13.7% من إجمالي واردات الأسلحة عالميًا، وتأتي بعدها الهند ومصر وقطروالصين والإمارات.وبينما تعزى الأسباب التقليدية لزيادة الإنفاق العسكري السعودي بوجه عام إلى عمليات التحديث للأسلحة والمعدات والتزود بالذخائر وتعزيز قدرات الدفاع الصاروخي والانخراط في حرب اليمن وزيادة القدرات فيما يسمى بمكافحة الإرهاب، فلا يمكن تجاهل الدوافع السياسية السعودية التي تقف خلف عقد صفقات الأسلحة بأرقام مبالغ فيها، حيث ينشد النظام السعودي بذلك؛ تعزيز علاقاته مع الدول الكبرى، دون وجود احتياجات عسكرية حقيقيه، وهو ما عبر عنه الباحث الأميركي أنتوني كوردسمان قائلًا: (على الولايات المتحدة أن تتعامل بطريقة تعترف خلالها بأن الإنفاق السعودي المفرط على الأمن؛ يهدد الاستقرار السعودي المحلي، وعلى كل من قادة السعودية وشركائها أن يدركوا أن الاستقرار والتنمية السعوديين هما الأولوية الأساسية، وليس استخدام المملكة كبقرة نقدية لشراء الأسلحة أو تمويلها أو تحقيق أهداف أمنية أخرى).

ونظرًا لأن كافة دول الخليج عدا الكويت؛ تفتقد إلى مجالس نيابية منتخبة، فلا توجد رقابة على عمليات شراء الأسلحة سوى من طرف أجهزة الدولة التي تديرها العائلات الحاكمة التي ينخرط أفرادها في عمليات شراء الأسلحة؛ عبر شركات محلية يمتلكونها أو يملكها أشخاص مقربون منهم؛ فحسب الباحث الاميركي كوردسمان، فان الافتقار إلى الشفافية في برامج استيراد الأسلحة وتحديثها، يتيح مساحة واسعة أمام الفساد الداخلي المتعلق بالعمولات المرتبطة بصفقات الأسلحة، وهو ما ظهر جليًا في صفقة اليمامة التي تم خلالها بيع كميات ضخمة من الأسلحة البريطانية إلى السعودية، خلال الفترة الممتدة من 1985 _ 2006؛ بقيمة تناهز 60 مليار دولار، مقابل تسديد السعودية قيمة الصفقة بالنفط الخام، بمعدل 600 ألف برميل يوميًا، ولم يتمكن مكتب التحقيق في الاحتيال الخطير ببريطانيا من إكمال تحقيقاته في الصفقة؛ بسبب الضغوط السعودية التي وصلت إلى حد التلويح بوقف التعاون الاستخباري مع بريطانيا، بينما أشار تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي في 7/7/2007)،إلى أن الأمير بندر بن سلطان؛ تلقى عمولة تقترب من ملياري دولار لإتمام تلك الصفقة. ووفقًا للباحث باراني، فإن الأمير متعب بن عبداللهآل سعود؛ قائد الحرس الوطني السابق، قام بتحويل مليارات الدولارات من الحرس الوطني السعودي؛ من خلال تعيينه لموظفين وهميين، ودفع فيها مبالغ للشركات التي يمتلكها؛ مقابل العقود التي يجريها معها.

أما الكويت، فقد شهدت في عام 2019؛إقالة أمير البلاد لنجله، فضلًا عن وزير الدفاع، ونائب رئيس الوزراء ناصر الصباح، ووزير الداخلية خالد الصباح، من مناصبهم، للسماح بالمضي في تحقيق حول الفساد وسوء الإدارة. وفي العراق، فلقد قررت لجنة النزاهة في البرلمان؛إعادة التحقيق بعدد من صفقات السلاح المبرمة في الأعوام الماضية، وذلك عل خلفية؛إحالة ملف فساد صفقة السلاح الروسي إلى هيئة النزاهة للتحقيق مع ثماني شخصيات حكومية، وأكد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية حسن جهاد، بأنه فتح التحقيق بصفقات السلاح السابقة، بما فيها الصفقة الأوكرانية التي تبلغ قيمتها 4,2 مليار دولار، والتي وقعها وزير الدفاع السابق عبد القادر العبيدي عن الجانب العراقي، وقد ترددت مزاعم عن وجود فساد في الصفقة؛ أدت إلى فرار العبيدي إلى خارج العراق. وكذلك أوصت لجنة النزاهة في البرلمان بإحالة ملف عقود السلاح الروسي إلى التحقيق والتحقيق مع وزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي، وعلي الدباغ الناطق السابق باسم الحكومة وغيرهم، وذلك؛ بسبب المبالغة الكبيرة في أسعار الأسلحة وبالنتيجة تم إلغاء هذه الصفقات وإعادة التفاوض على صفقات جديدة.

أما فيما يتعلق (بإسرائيل)، فقد كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، عن الفساد داخل المنظومة العسكرية والسياسية والأمنية؛ عبر تصدير المعدات العسكرية للخارج، من قبل جنرالات؛ منحتهم مناصبهم استثمار ذلك، مما أدى لنشوب أزمة سياسية مستمرة. كما كشف تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،أن إسرائيل ضمن أكثر الدول التي تمرر صفقاتها على الصعيد الدولي؛ من خلال دفع رشاوي لموظفين ومسؤولين في دول مختلفة، دون رقيب أو حسيب لها. وتقف خلف تفاقم الفساد العسكري والسياسي في إسرائيل؛ عدد من شركات السلاح الخاصة والمرتزقة، وعددها 22 شركة، ومن أبرزها؛ مؤسسة الصناعات الجوية، ومؤسسة الصناعات العسكرية الإسرائيلية، وهيئة تطوير الوسائل القتالية _ رفائيل، وشركة أحواض السفن الإسرائيلية،  وشركةسولتام، وشركة تاديران، وشركة بيت شيمش. وتتكتم الحكومة الإسرائيلية والمسؤولين في الجيش عن الإفصاح عن صفقات الأسلحة لاستفادتهم؛إما عبر إقامة علاقات وطيدة مع دول إفريقية وعربية وأوروبية، فضلًا عن الأرباح الهائلة التي تجنيها ومستثمروها، ويمنع القانون نشر أسماء العاملين في مجال التصدير الأمني؛ علمًا أن الحديث يدورعن شخصيات وأسماء معروفة في كل بيت في "إسرائيل" وبينهم ضباط كبار في الجيش أو متقاعدون ومسؤولون سياسيون سابقون وحاليون – بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو -، ولكن الغالبية من كبار الجنرالات في الجيش، وتعترف العديد من التقارير الإسرائيلية، بأن الرشاوي والفساد هي طرق أساسية في إتمام صفقات السلاح، خاصة في الدول الإفريقية، ودول أوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية، وعلى مر السنوات تمت إدانة العشرات من تجار السلاح الاسرائيليين لقيامهم بتنفيذ صفقات غير شرعية ومشبوهة.وتصدر إسرائيل السلاح لأكثر من 130 دولة، ومن ضمنها دولًا لا يوجد لإسرائيل علاقات معلنة معها أو حتى معلومات بشأنها؛ خشية التسبب بالحرج، وبالتالي منها دول يحظر تزويدها بالسلاح من قبل مجلس الأمن.

بشكل عام،إن علاقات إسرائيل مع دول كثيره في العالم؛ تتمحور في الغالب حول التصدير الأمني، وأصبحت اليوم المداخيل الإسرائيلية؛ من بيع السلاح والخبرات الأمنية وتدريب القوات الأجنبية؛ بندًا رئيسيًا في ميزانية الأمن الإسرائيلية.

وفي ظل تداعيات أزمة كورونا وانخفاض أسعار النفط؛ يتوقع أن ينخفض الإنفاق العسكري في دول الخليج، مع اتباع المزيد من الاجراءات التقشفية، بغرض تجنب الإفلاس، حيث حذر صندوق النقد في تقرير أصدره في بداية 2020 من احتمالية اختفاء ثروات دول الخليج، خلال 15 عامًا، حيث قال:أنه يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي؛إجراء تغييرات مالية جذرية لتجنب تبخر ثرواتها البالغة تريليوني دولار.

إن الخوض في موضوع صفقات السلاح والفساد المرافق لها موضوع كبير ومعقد ومحاط بالسرية من جميع الأطراف، ولكننا حاولنا أن نسلط الضوء على هذا الموضوع، وخاصة فيما يتعلق بمنطقتنا العربية؛ انطلاقًا من حرصنا على أمتنا العربية ومقدراتها التي تهدر بشكل يفوق التصور ويهدد بإفلاس الدول الخليجية الغنية في فترة قريبة،إذا لم يتم إيقاف هذا الهدر والفساد في هذه الدول وغيرها من الدول العربية بالطبع. وكذلك تم التركيز على الدور الإسرائيلي في عمليات الفساد،على الصعيد العالمي والداخلي، وعلى دوره في تصدير الأسلحة والخبرات الأمنية وتدريب الجيوش من منطلق: اعرف عدوك.