Menu

الحكيم  رحيل استثنائى لرجل استثنائى

أديب الخطيب

الحكيم (116).jpg

فى مثل هذا اليوم من عام 2008؛ توقف قلب الثئر الكبير القومى والوطنى الإنسان  الحكيم جورج حبش ، الذى كرس حياته لرفع المظلمة والمعاناة  عن شعبه، لم يكن ظاهرة عابرة، بل صانعًا للتاريخ، فهو الحاضر الباقى فى الذاكرة الوطنية؛  هو مدرسة الوطنية والنضال  عرف طريقه باكرُا...  فلسطين كانت البوصلة والموجه؛ ناضل دون هوادة، بلا كلل أو ملل من أجل حقوق شعبه الوطنية؛ آمن بلا حدود أن الموت من أجل الوطن مجد وحياة، كما قال رفيقه فيدل كاسترو.
رحلة نضالية كفاحية مبكرة صعبة معقدة متشابكة مشرقة ملهمة، منذ أن كان طالبًا فى كلية الطب فى الجامعة الأمريكية..   أدرك طبيعة الخطر والتهديد الوجودي للمشروع الصهيونى على فلسطين والأمة العربية، فكان من أوائل من طرق جدار الخزان ورفع شعار الثأر من العصابات الصهيونية المجرمة التى ارتكبت أبشع الجرائم؛ من قتل وحرق وتنكيل وتهجير. نعم شخُص المرض ووصف العلاج، كيف لا وهو الحكيم؟  آمن أن العلاج لا يكون إلا بإجتثات هذا الجسم الغريب السرطاني ودحره عن الوطن العربى من خلال تنظيم وحشد الجماهير فى حزب فولاذى صلب يجابه المحتل.
منذ البداية كانت الأولوية عنده فلسطين  والوحدة العربية التى كانت مكون أصيل من  مكوناته، فكان المؤسس لحركة سياسة تحررية قومية؛ قادت النضال فى أجزاء متعددة من الوطن العربى، حيث قادت النضال لتحرير اليمن الجنوبية من الاستعمار البريطانى. كان يرى ما لا نراه، فهو القومى المعتز  بثقافة الإسلام التى تشكل جوهر الثقافة العربية.. لم ينحاز لطائفة، بل كان منسجمًا مع  قوميته العربية ومسيحيته وثقافته الماركسية التقدمية، حيث جمع بين هذه المكونات  بشكل علمي عملاني خلاق دون تناقض.
الحكيم جورج حبش، كان دومًا يتقدم الصفوف ويتواجد فى خطوط المواجهة الأمامية؛ ثورى حقيقى لم يساوم أبدًا على المبادىء.. لم تثنه المؤامرات  ومحاولات التصفية والملاحقة والتضييق والاعتقال ولا حتى الإغراءات.. كان دائم القول: (لا ينبغي أن تنتهك السياسة الايدلوجيا). لم يكن منظرًا فقط، بل مؤسس شريك ومنخرط فى المسيرة الكفاحية النضالية منذ البدايات، كان خطيبًا مفوهًا؛ يسر ويأسر سامعيه عبر إنسياب عباراته وكلماته. واسع الثقافة،  لم يكن مستهلكًا للمعرفة، بل منتجًا لها من خلال اسهاماته الفكرية والأيدلوجية والتحليلية وغنى مفرداته. كتب وأنتج معظم أدبيات ووثائق  الجبهة الشعبية  وأهمها (الاستراتيجية السياسة والتنظيمية ) التى كتبها فى أغوار الأردن وقدمها للمؤتمر الوطنى الثانى عام 1969، وكتاب (مهمات المرحلة ) الصادرة عن المؤتمر الوطنى الثالث فى لبنان عام 1972؛ إرث فكرىي نضالي ملهم ومرشد. كان الحكيم جورج حبش يتمتع بأخلاق إنسانية راقية؛ متواضع لا يحب الظهور، كان يبتعد عن المشهدية  حتى فى اجتماعاته كان يتفادى  الجلوس على رأس الطاولة، وكان يتحدث بعد غيره؛ يتحلى بكاريزما من طراز خاص  استثنائية تجمع بين التواضع وتفولذ المو قف. كان يعمل بصمت بعيدًا عن الأضواء والمقابلات، لكنه كان رجل المهمات الصعبة، كما كان يتحلى بعذوبة اللسان وطيبة القلب.. لم يعرف الكسل والتراجع وكان مفعمًا بالحيوية والطاقة الإيجابية المحفزة الملهمة. قائد من طراز فريد صلب مبدئي متصالحًا مع ذاته لم تهزه أو تغير قناعاته التغيرات الكبرى؛ دوليًا وعربيًا واقليميًا.
كانت تربطه علاقة خاصة وفريدة مع الجماهير؛ انخرط وسطها مدافعًًا عنها، لم تفصله عنها أىة موانع أو سدود. رفض الانقسام وحارب سياسة التنازلات المجانية فى مراحل ومحطات مختلفة، لكنه كان حكيمًا فى معارضته، فلم يكن دمويًا أو انفصاليًا، بل من داخل البيت الجامع (منظمة التحرير الفلسطينية) مسترشدًا بقانون الوحدة والصراع. 
اجزم أنه أعطى لليسار زخمًا وحضورًا فاعلُا ووازنُا؛ نسج الكثير من العلاقات مع قوى التحرر العربية والعالمية.
كان مخلصًا لمبادئه حتى النهاية ورفض اى حلول تلتف على حق العودة؛ فرفض العودة من بوابة ومعبر أوسلو. 
كان استثنائيًا عندما تنازل عن منصبه القيادى الرسمي؛ معطيًا مساحة للتجديد وضخ الدماء فى شرايين الحزب.
غادرنا الحكيم بجسده وترك فينا الإيمان المطلق بالفكرة والانحياز الكامل لقضية شعبنا... سيبقى الحكيم البوصلة والضمير الحي وسيبقى الحاضر والمؤثر بما ترك تخلده صفحات التاريخ.