Menu

الحكيم علامة فارقة في النضالين القومي والفلسطيني ورمزاً بارزاً في حركة التحرر الفلسطينية والعربية

عليان عليان

الحكيم جورج حبش.jpg

(حكيم الثورة، الدكتور جورج حبش ، كنت ولا تزال حاضراً، في مسيرة الشعب الفلسطيني والأمة العربية، بأفكارك ومبادئك، وبمنظومة القيم التي زرعتها في مختلف المراحل الكفاحية، سواء في حركة القوميين العرب، أو في الثورة الفلسطينية، من خلال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين).

بعد ثلاث سنوات من عمر   نكبة عام 1948، وضع د. جورج حبش نصب عينيه وعلى رأس اهتماماته، السعي الجاد لتشكيل إطار تنظيمي قومي، ببرنامج سياسي وكفاحي للرد على اغتصاب فلسطين، من قبل العصابات الصهيونية مدعومة من الإمبرياليتين البريطانية والأمريكية. فكان لك قصب السبق في إيجاد الآلية التنظيمية التي تربط بين البعد القومي والبعد الفلسطيني، عبر تأسيس حركة القوميين العرب مع العديد من رفاقه من مختلف الأقطار العربية، حيث لعبت الحركة مبكراً دوراً هاماً، في الحفاظ على الهوية الفلسطينية من خلال تميزها عن بقية الأحزاب القومية وغيرها، ارتباطاً ببرنامج عمل الحركة، الذي جمع منذ البداية وبشكل واضح بين البعدين القومي والفلسطيني، في إطار علاقة الخاص الوطني بالقومي العربي. وفي إطار بلورة الهوية الفلسطينية الكفاحية كان قرار جورج حبش الحازم، عندما استقر في أواخر عام 1951 في عمان، باتباع أسلوب العنف المسلح ضد (إسرائيل)، ومن هنا شرع ولاسيما بعد التحاق الدكتور وديع حداد به عام 1952 بتأسيس أول نواة فدائية، قام بتسريبها إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، إلا أن قوات غلوب باشا تمكنت في حينه من وضع العراقيل أمام دخولها للأراضي المحتلة.

وما أن نجح جورج حبش ورفاقه في الحركة في إقامة حلقاتهم السرية الأولى عام 1951 حتى انصرفوا مباشرةً لمعالجة القضية الفلسطينية، ومن ثم أعلنوا في العام 1952 عن قيام منظمتهم هذه تحت اسم " هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل"، التي أصدرت نشرة اسبوعية اسمها "الثأر" وكما تشير هاتان التسميتان، فإن درجة انشغال الحركة بالهموم الفلسطينية كانت على قدر كبير من الوضوح والتركز"(1)

 لقد عمل جورج حبش ورفاقه في الحركة (حركة القوميين العرب) على تشكيل أطر فلسطينية بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة، إلا أنها شكلتها في إطار فهمها القومي للقضية الفلسطينية، الذي يتلخص بعنوان "الوحدة هي طريق تحرير فلسطين"، فلجأت إلى تشكيل لجنة من كل من: الدكتور جورج حبش والدكتور وديع حداد، وأسامة النقيب (من فلسطينيي سورية)، أحمد اليماني، وعبد الكريم حمد (من فلسطينيي لبنان)، زاهي قمحاوي (من فلسطينيي الأردن). لقد اعتبر الدكتور جورج حبش تشكيل هذه اللجنة، استجابة لواقع جديد، أكثر منها نزعة مسبقة لإقامة تنظيم قطر ي فلسطيني، وكانت ( الحركة ) مضطرة لتشكيل هذه اللجنة وتفعيل عملها  للقيام بدورها المطلوب، حتى تتمكن من الاتصال "بتشكيل  الفدائيين الفلسطينيين" في جيش الاقليم الشمالي ( الجيش السوري سابقاً) وبكلام آخر كانت  "لجنة فلسطين " لجنة" وليس تنظيماً (2). ودفع جورج حبش لاحقاً مع بقية رفاقه في اللجنة، باتجاه ً تشكيل إقليم فلسطين عام 1964 في الحركة، وإنشاء تنظيم شباب الثأر والبدء في تخزين الأسلحة في المناطق المحتلة، للبدء في مزاولة الكفاح المسلح بالتنسيق مع جمال عبد الناصر وفق شعار " أعلى من الصفر وأقل من التوريط".

وبعد هزيمة 1967، لعب د. حبش دوراً مركزيا ومؤسساً للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي لعبت دوراً بارزاً في الكفاح المسلح وفي العمليات الفدائية النوعية، وكان الحكيم حريصاً، أن تستند البندقية الفلسطينية إلى برنامج سياسي واضح، مستند إلى أيديولوجية الماركسية – اال لينين ية، وتبدى ذلك في التقرير السياسي والتنظيمي للجبهة (تقرير شباط): (الاستراتيجية السياسية والتنظيمية ) عام 1969.

لم يغادر حبش منظوره القومي من خلال التزامه بالماركسية اللينينية، وهناك من رأى أنه منح الماركسية خصوصيتها القومية، ارتباطاً بالواقعين الوطني الفلسطيني والقومي العربي ومن هنا كان تأكيده دائماً، أن القضية الفلسطينية قضية قومية بامتياز، وأن تحرير فلسطين لن يتم بدون شرط البعد القومي. كما أعطى الحكيم بعداً استثنائياً في التثقيف في الجانب الفكري، وكان في كل محطة من محطات الجبهة يطرح  السؤال المتعلق بالمدى الذي قطعته الجبهة في التحول نحو الماركسية اللينينية، غير مكترث للطروحات المضللة والكيدية، حول استحالة تحول حزب ينتمي للبرجوازية الصغيرة إلى الماركسية اللينينية، ناهيك أنه حرص على طرح الفكر بأسلوب مبسط دون إغفال أبسط الأمور  المتصلة، بالمادية الجدلية والمادية التاريخية وبشروط إدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وعلى قاعدة الاستفادة من تجارب حركات التحرر الوطني التي استندت إلى ذات الأيديولوجية.

لقد كان  الحكيم دور ضمير الثورة الفلسطينية ، ولم يهادن حيال أي منهج قد يضر باستمرار الثورة حتى تحقيق أهدافها ، لذا كان موقفه السياسي الرافض لبرنامج النقاط العشر الناجم عن دورة المجلس الوطني عام 1974، مثالاً يحتذى في النقاء الوطني المستند إلى إبداع نظري وسياسي في تلك الفترة، عكس حالة غير مسبوقة في قراءة الواقع الناجم عن حرب تشرين، عندما بين في أطروحته النظرية أن ميزان القوى الناجم عن حرب تشرين في ضوء القرار 242 ومع العامل السوفييتي لا يمكن أن ينجز سلطة وطنية بدون صلح أو مفاوضات أو اعتراف بالكيان الصهيوني... أو بدون حدود آمنة ومناطق مجردة من السلاح وقوات دولية". ورداً على طروحات الموقف من المرحلية والمساومات، قال الحكيم: "كلنا نعرف بطبيعة الحال على ضوء التجارب الثورية الكبرى في العالم، ثورة أكتوبر، ثورة الصين، الثورة الفيتنامية..كلنا نعرف أن موضوع المرحلية موضوع وارد وعلمي، وموضوع مشروع".

وأضاف:(وكلنا نعرف عبارات لينين وتأكيداته، حول اضطرار أي ثورة لموضوع اسمه المساومات والتراجعات، والتراجعات والمساومات بين وقت وآخر، لكن وكما يقول لينين "أن هذا الموضوع لا يؤخذ بشكل مجرد"... هنالك فارق بين مساومة ومساومة، وبالتالي كل موضوع يجب أن يؤخذ بشكل ملموس، وبالتالي هنا الإجابة النظرية شيء والإجابة النظرية في حيز التطبيق شيء آخر، وبالتالي من الضروري أن نفهم بعضنا البعض.. ومن ثم ليس من الضروري، إذا رفضت مساومة معينة، أو كان هناك تخوف مشروع جداً من فهم لمرحلة معينة، أو نتائج مرحلة معينة، أن يتهم هذا الموقف بموضوع التفكير المثالي والتفكير الرومانتيكي... أبداً لا يجوز أن يحاكم هذا الموضوع، من خلال أن نأخذ هذه القوانين الثورية وهي أن المرحلية تجوز، والمساومة تجوز، وأن نطبقها على الواقع الذي نحن بصدده في فترة محددة بشكل ملموس" (3).

وبمقدار حرصه على استراتيجية الثورة وهدف التحرير، كان حرصه الشديد على الوحدة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة  التحرير الفلسطينية، المستند إلى برنامج الإجماع الوطني، من هنا  كان قبوله بحل جبهة الرفض للحلول الاستسلامية، بعد زيارة السادات للقدس عام 1977 وتوقيعه اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، عبر وثيقة طرابلس الوحدوية عام 1978، التي توافقت الفصائل الفلسطينية فيها، على رفض القرار 242 وعلى  النضال من أجل إقامة جبهة تقدمية عربية مناهضة لجميع الحلول الاستسلامية الامبريالية الصهيونية الرجعية وأدواتها العربية في المنطقة (4).

وعلى امتداد الفترة اللاحقة بعد العدوان الصهيوني على لبنان عام 1982 وخروج المقاومة من بيروت والجنوب، تصدى الحكيم بجرأة لاندلاق القيادة المتنفذة للمنظمة على التسوية المطروحة من قبل النظام السعودي والإدارة الأمريكية ( مشروعا فاس وريجان) وبذل جهداً كبيراً لمنع الجسر بين المشروعين السالفين في دورة المجلس الوطني رقم (16)(5) . ولعب دوراً مركزياً في صياغة اتفاق عدن – الجزار عام 1983 لاستعادة المنظمة لخطها الوطني، بعد أن أقدم عرفات على زيارة القاهرة بعد الاقتتال الفلسطيني في طرابلس ولقائه مع نظام كامب ديفيد.  كما قاد د. جورج حبش، جبهة رفض جديدة " جبهة الانقاذ" بعد الدورة  (17) للمجلس الوطني الفلسطيني وما نجم عنها من تغيير خارطة تحالفات المنظمة، وتوقيع اتفاق عمان  في 11 شباط 1985، معلناً في وثيقتها التأسيسية: "أنها  تقدم مشروعا للوحدة الوطنية ، يهدف إلى استعادة  وحدة منظمة التحرير الفلسطينية، على أساس معاد للإمبريالية والصهيونية والمشاريع الاستسلامية، استشعاراً منها لأهمية الوحدة الوطنية في مرحلة التحرر الوطني  كشرط أساسي لانتصار الثورة وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، وأن الجبهة ليست بديلاً للمنظمة.., التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية- الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني-  وببرنامجها الوطني السياسي والتنظيمي ، وعلى قاعدة الالتزام بالميثاق الوطني ، وقرارات المجلس الوطني في دوراته الشرعية، التي تحمي خطها الوطني ومنجزاتها ، وتعزيز العمل الجبهوي في إطارها ، ومقاومة جميع الصيغ البديلة التي تنتقص من وحدانية  التمثيل لشعبنا سواءً بالإنابة أو  التفويض أو المشاركة أو الالحاق... والنضال لإسقاط اتفاق عمان وما نتج عنه ، باعتباره غير شرعي ، ولا يمثل إرادة الشعب الفلسطيني ، وغير ملزم لمنظمة التحرير الفلسطينية ، واعتبار كل من يوافق عليه أو يقبل به خارجاً على الموقف الوطني (6).

  وعندما وافقت قيادة فتح على وقف العمل باتفاق عمان وعلى إعطاء المجلس المركزي صلاحيات تقريرية في اتفاقي الجزائر وطرابلس، انسحبت الجبهة الشعبية من جبهة الإنقاذ، وشاركت في الدورة التوحيدية للمجلس الوطني ( الدورة 17) التي انطوت على برنامج سياسي وطني، وضع حدا للمواقف والقرارات الناجمة عن الدورة السابقة للمجلس الوطني.

وفي الدورة 18 للمجلس الوطني " دورة الانتفاضة 1988، خاضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نضالاً شاقاً لمنع الاستثمار المبكر للانتفاضة، بعد أن أدرك الحكيم أنه في حال منح الانتفاضة وقتها المطلوب "فإنها ستكون قادرة على نقل الحقوق الوطنية المشروعة من دائرة الامكانية التاريخية إلى حيز الإمكانية الواقعية".

وفي المراحل اللاحقة بعد الحرب العدوانية على العراق عام 1991، سجل الحكيم موقفاً قومياً لصالح العراق، رغم الخلافات السابقة مع نظام الرئيس صدام حسين قائلاً: "عندما تصبح القوات الأمريكية في المنطقة لمحاربة العراق، فلن نكون إلا في خندق العراق". وبعد مؤتمر مدريد1991 واتفاقيات أوسلو (1993) التي جاءت لاستثمار ما آلت إليه الأمور في العراق وانهيار الاتحاد السوفياتي، لعبت الجبهة الشعبية بقيادة الحكيم، دوراً أساسياً في التصدي لهذه الاتفاقيات ومشتقاتها، ولآثارها المدمرة، وشاركت بفاعلية في الكفاح المسلح وفي انتفاضة الأقصى، حين دعا الحكيم " إلى دعم الانتفاضة بالنار رداً على استخدام العدو الصهيوني القوة المفرطة ضد جماهير الانتفاضة.

يسجل للحكيم؛ أنه ولأول مرة في تاريخ الثورة الفلسطينية منذ عام 1967، مرة يقدم أمين عام تنظيم على تقديم استقالته، فقد تخلى عن منصبه كأمين عام للجبهة في العام 2000 وقال عن سبب تخليه "إنه جاء من منطلق الديمقراطية إيماناً مني بإفساح المجال لقادة غرسوا في النضال، وقناعة مني بأن الجبهة الشعبية لديها القدرة على خلق القيادات".

وأخيراً ما يميز الحكيم:

- أن بوصلته لم تخطيء، هكذا كان الحال، عندما تماثل وتحالف والحركة التي كان على رأسها، مع الخط القومي المبدئي، لخالد الذكر جمال عبد الناصر.

- ما يميزه، عن غيره، من القادة، وضوح الرؤيا، والنهج السياسي الصائب، المستند إلى تشخيص دقيق، لمعسكري الأصدقاء والأعداء، وامتلاك، القدرة على إدارة الصراع والحسم في التفريق، بين التناقض الرئيسي والثانوي، وإخضاع الأخير لمصلحة الأول.

- ما يميزه عن غيره، أن قضية الوحدة الوطنية، لم تكن بالنسبة له، مسألة تكتيكية عابرة بل كانت هاجساً رئيسياً له، ولرفاقه في الجبهة، وأن الدم والاقتتال الفلسطيني الفلسطيني خط أحمر.

- ما يميزه، أنه أكد وعبر مدرسة الجبهة الشعبية، على البعدين الوطني والطبقي في معركة التحرر الوطني، وعلى طبيعة التحالفات بالاستناد إلى المنهج العلمي، والمادي الجدلي في إطار الاسترشاد بأيدولوجيا الاشتراكية العلمية، ورفضه الجذري والحاسم، للحلول التصفوية الاستسلامية للقضية الفلسطينية ولكل معاهدات التسوية مع العدو الصهيوني.

- ما يميزه نقاءه الثوري، وقربه من الجماهير، واندغامه بها، ونظافة كفك ويده ولسانه.

لقد كان الحكيم قائداً وطنياً وقومياً وأمميا بامتياز.

 ولكل ما تقدم من مزايا، استحق الحكيم بجدارة، أن يكون حكيم الثورة وضميرها، ورمزاً رائدا، من رموز حركة التحرر العربية.

 

المراجع:

1-انظر عيسى الشعيبي، الكيانية الفلسطينية- الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي، 1947- 1977، مركز الأبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، ص 56.

2-محمد حمال باروت، عرض وتلخيص دائرة الثقافة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ص 34.

3- انظر مداخلة د. جورج حبش، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ندوة المقاومة الفلسطينية أمام التحديات الجديدة، التي أدارها محمود درويش، مجلة شؤون فلسطينية، عدد 30، ص 15-31 – فبراير- شباط1974.

4- وثيقة الوحدة الوطنية في طرابلس في 4 ديسمبر 1977 

5- عليان عليان، قراءة في ظروف انعقاد وقرارات الدورة 16 للمجلس الوطني الفلسطيني - تحليل مضمون بعض القرارات-، جريدة الخليج، (الحلقة الثانية) عدد 1452، 2 أبريل- نيسان 1983.

6- نص الوثيقة التأسيسية لجبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني عام 1985.