Menu

هل تذهب المصالحة الخليجية مع الريح؟

رضي الموسوي

خاص بوابة الهدف

شكل يوم الرابع من يناير (كانون الثاني) 2021 مفاجأة سارة لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي، بإعلان وزير الخارجية الكويتي عن فتح الاجواء والحدود البرية والبحرية والجوية بين السعودية و قطر ، وذلك قبل يوم واحد من انعقاد القمة الحادية والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي. أعقب هذا إعلان صدر في الدوحة يؤكد حضور أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قمة العلا بالسعودية. أثار إعلان فتح الحدود السعودية القطرية تفاعلات غير مسبوقة في دول الخليج وعلى جميع المستويات الرسمية، وارتياحا كبيرا في الأوساط الشعبية، خصوصا في الدول المعنية بالأزمة: قطر، من جهة، وكل من السعودية، الإمارات والبحرين، إضافة إلى مصر، من جهة أخرى، فضلا عن الكويت التي قامت بدور كبير في الوساطة منذ تفجرها. فماذا جرى في ربع الساعة الأخير من فصول الأزمة الخليجية؟ وهل من مخرج حقيقي لأزمة دامت سنتين ونصف السنة حفرت عميقا في الجسد الخليجي وقطعت الأرحام والصلات بين العائلات الممتدة بين تلك العواصم، ووضعت منظومة مجلس التعاون في مهب الريح بعد تعطل أعمال الأمانة العامة وتجميد أغلب المشاريع التي كان يفترض لها أن تنجز ويتصحح مسار هذه المنظومة؟ قبل كل ذلك، لماذا تفجرت الأزمة يوم الخامس من يونيو (حزيران) 2017؟

جذور الأزمة

حديثا، تعود الخلافات بين الدوحة وثلاث عواصم خليجية هي الرياض، أبو ظبي والمنامة، إلى عقود طويلة، لكن الأكثر حدة هي الخلافات بين الدوحة والمنامة، عندما أصرت قطر في العام 1990 على الذهاب إلى محكمة العدل الدولية للتحكيم في الخلاف البحريني القطري على جزر حوار "وفشت الديبل" اللذان يعتبران ضمن حدود البحرين البحرية، وذلك أثناء قمة مجلس التعاون الخليجي، في وقت كانت فيه القوات العراقية تحتل الكويت، وكانت طلائع القوات الأمريكية والتحالف الدولي تصل تباعا للمنطقة تحضيرا لشن هجوم مضاد على الجيش العراقي وطرده من الكويت. وحفاظا على الموقف الخليجي الموحد لمواجهة تداعيات الازمة المستجدة في تلك القمة، وافقت البحرين على الذهاب للمحكمة الدولية، والتي أصدرت بدورها حكما مطلع الألفية الثالثة يفيد بأحقية البحرين وملكيتها لجزر حوار، بينما منحت فشت الديبل إلى قطر، وبذلك خسرت البحرين جزءا مهما من مياهها الاقليمية و مصدرا مهما للصيد البحري، فضلا عما في باطن البحر من ثروات طبيعية. بعد سنوات قليلة من هذا الحكم أعلنت قطر عن اكتشاف حقل غاز عملاق، يعتبر من أكبر حقول الغاز في العالم، وتشترك فيه مع إيران، واستمرت العلاقات باردة بين العاصمتين، لكن شيء ما كان يعتمل تحت الطاولة.

مع تفجر "الربيع العربي"، عادت الخلافات من جديد وتباينت المواقف بين قطر وبعض العواصم الخليجية ومصر، خصوصا بعد سيطرة جماعة الاخوان المسلمين على مجلس الشعب المصري ثم السيطرة على مؤسسة الرئاسة، والبدء في ضخ آلاف من العناصر الاخوانية في مؤسسات الدولة بهدف تسييرها وفق ما يريده المنتصرون. بعد حركة 30 يونيو 2013، تسلم الجيش المصري زمام الأمور وتبعته تغييرات كثيرة افضت في نهاية المطاف إلى تسلم اللواء عبد الفتاح السيسي منصب الرئاسة حتى الوقت الراهن. هذا التطور الذي شهدته الساحة المصرية خلق واقعا تحالفات جديدة على المستوى العربي، فاصطفت الإمارات والسعودية و مصر في مواجهة الإخوان المسلمين الذين تم تصنيفهم في البلدين الخليجيين جماعة إرهابية، وهو ذات القرار الذي اتخذته مصر لتبدأ مرحلة جديدة من الخلاف على المستوى العربي ساحاتها الدول التي شهدت تحركات مثل سوريا وليبيا تونس واليمن وإلى حد ما المغرب والجزائر والأردن.

تصاعد الخلاف بين قطر والدول الأربع وبلغ مراحل متقدمة تموضعت في شكل سحب العواصم الخليجية سفرائها من الدوحة وتزايد حالة التوتر على خلفية الصراع الإعلامي الذي يعتبر واجهة للخلاف المستشري في الساحات الساخنة التي أشرنا إليها، إضافة إلى الساحة الفلسطينية، وخصوصا قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس القريبة من الاخوان المسلمين. ومع اشتداد الصراع الأمريكي الإيراني، وخروج أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني في عهد ترامب واعتبار إيران خصما ثم عدوا لتتماهى المواقف الأمريكية مع المواقف الصهيونية إزاء إيران، تمت إعادة تشكيل معادلة الصراع والاصطفافات في المنطقة.

بقرار قطع العلاقات وإغلاق الأجواء والحدود البرية والبحرية من قبل السعودية والإمارات والبحرين، في وجه قطر، توجهت الأخيرة إلى تركيا وإيران لتعويض النقص الناجم عن توقف المواد المستوردة من الدول الثلاث وخصوصا القادمة من الحدود البرية السعودية التي تزود قطر بأكثر من 80 بالمئة من حاجتها من المواد الغذائية أغلبها من السعودية نفسها والبقية من دول مجلس التعاون الخليجي، فيما كانت قطر تنتج 1 بالمئة من احتياجاتها الغذائية، وفق ما أفادت العديد من المصادر، مع أن حجم التبادل التجاري بين قطر ودول مجلس التعاون لا يتجاوز 11 بالمئة من حجم تجارة الإمارة، حيث لا يزيد عن قيمة 10.4 مليار دولار، منها 7 مليارات دولار مع الامارات، ونحو 2 مليار دولار مع السعودية و700 مليون دولار مع البحرين. وهو تبادل تمكنت الدوحة من التعويض عن أغلبه بمضاعفة تجارتها مع الكويت وعمان، وزادتها بشكل كبير مع تركيا وإيران، فضلا عن انشائها العديد من المصانع الغذائية التي رفعت نسبة الاعتماد على الذات.

لقد فزعت الدوحة من هذه الأرقام صبيحة الخامس من يونيو (حزيران)، لكنها فوجئت أيضا بثلاثة عشر مطلب نقلها الوسيط الكويتي، وعلى رأسها إغلاق الذراع الإعلامي الأبرز في المنطقة العربية، قناة الجزيرة، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية، وقطع علاقات قطر مع جماعة الإخوان المسلمين، وامتناع قطر عن تجنيس مواطنين من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، وتسليم قطر كل الأشخاص المطلوبين للدول الأربع بتهم إرهابية، وتقديمها معلومات تفصيلية عن كل وجوه المعارضة، من مواطني الدول الأربع الذين تلقوا دعما منها.. وغير ذلك من المطالب التي وجدتها الدوحة تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية ومساسا بسيادة الدولة القطرية فرفضتها جملة وتفصيلا واستمرت الأزمة ثلاث سنوات ونصف السنة عانى فيها المواطن الخليجي نزيفا لم يعهده من قبل، سواء إزاء المستوى العالي من الفجور في الخصومة وتفشي خطاب الكراهية المقيت وشطب رأي الآخر والازدراء به وتمترس الذباب الالكتروني كل في موقعه وتبعيته حسب التمويل والدعم وازدياد مستوى الاستقطاب والتجييش. كل هذا قاد إلى انهيار منظومة القيم وانحطاطها، فتكسرت الخطوط الحمراء حتى في المستوى الاخلاقي، الامر الذي جعل هذه الاجواء المسمومة محل تنذر وخوف يسري في جسد المواطن الخليجي الذي لم يعهد مثل هذه المآلات.

العلاقة مع إيران

تدخل العلاقة الخليجية الإيرانية مرحلة جديدة مع دخول جو بايدن البيت الأبيض، ليس لاختلاف جوهري في العلاقة الامريكية الخليجية، التي يعود تاريخها إلى قرابة سبعة عقود، بل في النظرة للاتفاق النووي. فالرئيس الديمقراطي الجديد جو بايدن، يرى أهمية في العودة الى الاتفاق الذي ابرم في عهد الرئيس باراك أوباما وتم شطبه في عهد ترامب وبتحريض منه، ما أزّم العلاقة بين واشنطن وطهران وقاد إلى المزيد من العقوبات على إيران، مست بشكل رئيسي الشعب الإيراني، الذي زاد فقره وبطالته وانهارت عملته الوطنية. لا شك أن بايدن لن "يشيل الزير من البير"، كما يقول المثل، لكنه يرى الأمور بطريقة مختلفة. فالعودة للاتفاق بالنسبة له تعني احتواء إيران ولجمها من الشروع في تصنيع السلاح النووي. وهذا ما أكدت عليه تفاصيل الاتفاق الذي تم التوقيع عليه في 2015. ومع قرار مقاطعة الدول الخليجية ومعها مصر لقطر، بدأت إيران تجني بعض ثمار هذه المقاطعة، ولو إنها ثمار لا تسمن، فزادت التجارة بين الدوحة وطهران ليصل حجم التبادل التجاري إلى 365 مليون دولار، منها 335 مليون صادرات ايرانية و30 مليون دولار صادرات قطرية، وفق رئيس غرفة التجارة الإيرانية-القطرية عدنان موسى بور في نهاية مايو (أيار) 2020. وتشمل الصادرات الإيرانية الفواكه والخضر والأسماك والسجاد والاسمنت ومواد واحجار البناء والزفت والأعمدة الحديدية والمواد الغذائية والحلويات والفستق وأنواع الحبوب، فيما تشمل واردات إيران من قطر الأجهزة الكهربائية والغاز المسال. يضاف للعائدات الإيرانية ما تدفعه قطر مقابل استخدام المجال الجوي الإيراني، حيث يدخل على الخزينة في طهران أكثر من 100 مليون دولار سنويا، وهذه المبالغ يمكن ان تتوقف مع انجاز المصالحة الخليجية، كما كان جاريد كوشنر وبومبيو يسعيان لها لإحكام الحصار على إيران. وفي هذا السياق، يبلغ التبادل التجاري بين إيران والإمارات 11.2 مليار دولار، منها 8.7 مليار دولار صادرات إماراتية لإيران و2.5 مليار دولار صادرات ايرانية للإمارات، ما يؤشر إلى أولوية المال والتجارة على المواقف السياسية حتى وأن كانت متشنجة.

تؤكد دول المقاطعة على اعتبار علاقة قطر مع إيران مرفوضة وتطالب بقطعها لإطباق الحصار على طهران وإجبارها على تقديم تنازلات في اليمن وسوريا ولبنان والعراق، بينما تراها الدوحة قضية سيادة وطنية لا ينبغي لأحد التدخل فيها. وترى دول المقاطعة أيضا في إيران عدوا بدلا من الكيان الصهيوني الذي جرى التطبيع معه من قبل دولتين خليجيتين على الأقل هما الإمارات والبحرين، في الوقت الذي ترى دول المقاطعة أن طهران لا تتوقف عن دعم جماعة انصار الله الحوثية وتتهم الجماعة بخوض حرب بالوكالة عن إيران استمرت ست سنوات تعقّد خلالها الوضع وتأخر الحل إلى وقت غير معلوم، بينما يتزايد اعداد الضحايا وتُدمر البنى التحتية بما فيها المستشفيات والمدارس والطرق، وتفشت الأمراض المعدية وزادت معدلات الفقر لتصل الى 80 بالمئة من السكان ونهشت المجاعة اجساد اطفال اليمن. 

العلاقة مع تركيا

توترت العلاقات بين دول المقاطعة وتركيا على خلفية وقوف انقرة مع جماعة الاخوان المسلمين في البلدان العربية وخصوصا مصر، واحتضانهم كلاجئين سياسيين معارضين بعد ضرب تجربتهم في مصر ومطاردتهم في العديد من العواصم العربية، ناهيك عن إقامة تركيا قاعدة عسكرية في قطر، تعتبرها دول المقاطعة تهديدا للأمن الاقليمي. كما ترى دول المقاطعة أن لدى تركيا الاردوغانية تطلعات "عثمانية" تسعى لفرضها وإعادة سيطرتها على المنطقة العربية.

لكن العلاقات التجارية بين دول المجلس وتركيا لاتزال تشكل رابطا مفرملا لتدهور العلاقات أكثر مما هي عليه. فقد بلغ التبادل التجاري بين الجانبين 18.1 مليار دولار في العام 2018، وفق المركز الاحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، مقابل 21.9 مليار دولار في العام الذي سبقه، بتراجع قدره 17.4بالمئة. وتبلغ قيمة الصادرات الخليجية لتركيا 9.3 مليار دولار، بينما تبلغ وارداتها 8.8 مليار دولار لنفس العام 2018، وتعتبر الإمارات أكبر شريك تجاري لتركيا بالنسبة لإجمالي الصادرات السلعية بنسبة 46.9 بالمئة صادرات دول التعاون. كما أن الإمارات تعتبر أكبر شريك تجاري لتركيا في دول مجلس التعاون بالنسبة للواردات السلعية وبنسبة بلغت 39.2 بالمئة.

ما هو معلوم أن كلا الجانبين، التركي والخليجي يسيران بحذر في صياغة علاقاتهما المشوشة بسبب المواقف السياسية المتضاربة والدور التركي في بعض الدول العربية مثل سوريا وليبيا واليمن وتونس. وقد صدرت في هذا الصدد تصريحات متبادلة بين الجانبين هدفها ترطيب الاجواء، رغم ما خلفته قضية تصفية الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشقجي من توترات كبيرة بين الرياض وانقرة.

آفاق المصالحة

في ظل هذه الأجواء المشحونة، تسارعت الاحداث وصدر "إعلان العلا" عن القمة الحادية والاربعين لمجلس التعاون الخليجي، وسبقها تصريح رسمي كويتي يفيد بفتح الأجواء والحدود البرية والبحرية السعودية أمام قطر، ثم صدر عن القمة تأكيدات بإعلان المصالحة الخليجية مفاده إعادة العلاقات الدبلوماسية كاملة بين قطر ودول المقاطعة الأربع، فطغت قضية المصالحة على باقي القضايا التي ناقشتها القمة الخليجية. لكن العموميات التي اتسم بها إعلان المصالحة تركت الشيطان يلعب في التفاصيل، صحيح أن الاجواء السعودية قد فُتحت لكن ما أن عادت الوفود إلى بلدانها حتى قفزت شياطين كثيرة. فقد صرح مسؤول بالخارجية القطرية (احمد بن سعيد الرميحي) ردا على تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، قال الرميحي "أن المحاولات الهامشية لتعكير صفو الأجواء الايجابية للمصالحة الخليجية متوقعة"، وأسف الرميحي لتصريحات قرقاش. وعلى مستوى العلاقة بين البحرين وقطر، لا يبدو أنها تحلحلت، بل على العكس، فقد زادت تأزما مما هي عليه، وزاد عدد الصيادين البحرينيين الذين اعتقلتهم قطر في المياه الخليجية، ما حدا بسلطنة عمان القيام بوساطة سريعة تم بموجبها الافراج عنهم، وبقي نحو 50 قارب صيد بحريني تحتجزهم قطر، حسب تصريحات المسؤولين البحرينيين.

المصالحة الخليجية متعثرة حتى اللحظة، باستثناء فتح بعض الأجواء والحدود البرية، ما يؤشر على أنها مصالحة تفتقر للشفافية، الغائبة أصلا عن مواطني دول مجلس التعاون الخليجي الذين لا يعرفون الكثير من التفاصيل عن أصل المشكلة وجوهرها، كما أنهم لا يعرفون الكثير عن تفاصيل المصالحة والحل. وهذا مازق آخر. فعندما يتم تغييب رأي المواطن في القضايا المهمة والمصيرية، كما هو حال الأزمة الخليجية وخطوات التطبيع المتسارعة مع الكيان الصهيوني الذي ترفضه الشعوب وتلهث وراءه بعض الحكومات الخليجية، تكون جهود هذه المصالحات عرضة للانهيار مع تغريدة أول جيش الكتروني ضدها.