Menu

بعد 13 سنة على رحيله أفكار جورج حبش ما زالت حاضرة 

معن بشور

الحكيم (113).jpg

حين أصدر مركز دراسات الوحدة العربية قبل عامين كتاب "صفحات من مسيرتي النضالية" يتضمن مذكرات الدكتور جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ ظن كثيرون أن الكتاب لن يلقى رواجاً؛ فحركة "القومية العربية" التي كان "الحكيم" من رموزها المضيئة، قد انتهت، وأن أمثال جورج حبش، قد باتوا من الماضي... لكن اقبال القراء العرب، لا سيما داخل فلسطين، حيث أصدر المركز بالتعاون مع دار الناشر (فلسطين) طبعة خاصة، أكد مقولة طالما رددها الدكتور حبش وكانت عنواناً لكتاب صدر عنه "الثوريون لا يموتون"

في ظاهر الأمور تبدو أحلام جيل جورج حبش وغيره من الوحدويين العرب، والنهضويين العرب والمقاومين العرب، قد أُحبطت جميعها، لا سيما في ظل هرولة بعض الأنظمة نحو التطبيع، وتحوّل تجزئة سايكس بيكو إلى تفتيت ذي طابع عنصري وطائفي ومذهبي، ولكن في حقيقة الأمر أن التدقيق في المشهد العربي والإقليمي والدولي يشي بصورة مناقضة... فمقاومة الاحتلال التي رأى فيها جورج حبش ورفاقه طريق الأمة الى التحرر والاستقلال، تتحول الى قوة فاعلة لا يمكن لأحد انكارها، وإن حاول كثيرون محاصرتها وإحاطتها بكل أنواع العداوات والخصوم والانقسامات. وفلسطين رغم كل ما واجهته، وتواجهه، من مخططات وسياسات لتصفية قضيتها، وإجهاض لطموحات شعبها، ما زالت حاضرة في ضمير كل شرفاء الأمة وأحرار العالم، بل حاضرة في جدول أعمال كل اجتماع أو محفل أو لقاء ينعقد على مستوى العالمي... وبعد أن كان الكفاح من أجل التحرير لا يتعدى المسيرات والخطابات المنددة بالاحتلال؛ تحول إلى كفاح مسلح وانتفاضات شعبية داخل فلسطين نفسها، بل أيضاً بين أبناء الأمة في تخوم فلسطين وأكناف بيت المقدس... فمن التظاهرات إلى الحجارة، إلى العمليات الاستشهادية، إلى الصواريخ تدك قلب كيان العدو، يتقدم النضال داخل فلسطين، ومن أجل فلسطين محطماً كل ما يحاك له من دسائس ومؤامرات ومخططات. و القدس الغالية على جورج حبش، والتي أرادها ترامب عاصمة للكيان الغاصب، تحولت إلى ساحة مواجهات يومية بين المرابطات والمرابطين في حرمها الشريف وبين قوات العدو وقطعان المستعمرين وضد محاولاتهم لتهويد مقدساتهم الإسلامية والمسيحية، وتقسيم الصلاة زمنياً ومكانياً في الأقصى المبارك وسط مقاومة شرسة من أبناء القدس وفلسطين. وغزة التي كان لرفاق الحكيم دوراً كبير في مقاومتها، وفي مقدمها الشهيد القائد غيفارا غزة- محمد الأسود؛ تحولت اليوم إلى قلعة مدججة بالمقاومة القادرة على منع جحافل العدو من التقدم أمتاراً في أرضها، بل القادرة أن تصل بصواريخ مقاوميها إلى عمق الكيان الغاصب.. والضفة الغربية المشتعلة بالانتفاضات المتواصلة، والحافلة بالعمليات الاستشهادية، والمقاومة للاستعمار الاستيطاني بالوسائل كافة، تحولت إلى مصدر ذعر للمحتل الذي أكثر ما يخشاه أن تقوم فيها انتفاضة شعبية هادرة تلاقي التحولات العالمية لصالح الحقوق الفلسطينية وتجبر المحتل على الانسحاب.

أما فلسطين المغتصبة عام 1948، فكل يوم تقدم لأمتها مفاجأة على غير مستوى، وتعلن للعالم كله أن سبعة عقود ونيف من محاولات "الأسرلة" لم تزدها إلا تمسكاً بهويتها الوطنية الفلسطينية وعروبتها، إلى درجة أنك تستطيع أن تجيب من يسألك "أين العروبة؟" فتحيله إلى عرب 1948، تماماً كما كنت تحيله إلى ثوار الجزائر قبيل الاستقلال، وإلى أحرار مصر أيام جمال عبد الناصر، وإلى المدافعين عن عروبة العراق في زمن حلف بغداد، وحتى الآن وإلى قلب العروبة النابض في دمشق، وإلى جماهير اليمن التي ما تزال تخرج بمئات الآلاف انتصاراً لأهلها في فلسطين ومحور المقاومة، وإلى كل قُطر عربي ما زال شرفاؤه يؤكدون الانتماء لأمتهم.. والأمر ذاته يبرز حين نتحدث عن فلسطينيي الشتات، المنتشرين في كل أصقاع الأرض، والذين ما زالوا متمسكين ببلادهم كما القابض على الجمر.  

أما الأمة العربية التي راهن جورج حبش ورفاقه من القوميين العرب، داخل صفوف الحركة وخارجها، على وجودها وقوتها فهي حاضرة في كل التحديات المفروضة عليها، وأخرها تحدي التطبيع، الذي باتت مناهضته في العديد من أقطار الأمة هي الوجه الآخر لمقاومة الاحتلال؛ فإذا كانت المقاومة هي مهمة أهل فلسطين ودول الطوق، فإن التطبيع قد جعل من النضال من أجل فلسطين مهمة أبناء الأمة العربية من مراكش للبحرين، والأمة الإسلامية من محيط الباسيفيك (الهادئ) إلى المحيط الأطلسي... وما الرد على محاولات الشرذمة والتفتيت وإثارة العصبيات الطائفية والمذهبية والعرقيّة التي نراها حولنا بهدف عرقلة وحدة الأمة ونهضتها إلا تأكيداً على سلامة الفكرة العروبية الجامعة التي حملها جورج حبش ورفاقه منذ سعيهم لتأسيس حركة القوميين العرب.

أما الوحدة الوطنية الفلسطينية على قاعدة المقاومة والمواجهة، فليس أفضل تعبيراً عنها من موقف الدكتور جورج حبش في مهرجان أقامه الرفاق في الحزب الشيوعي اللبناني في بيروت في سبعينيات القرن الماضي حين طلب منه الشهيد جورج حاوي، بوجود الرئيس الشهيد أبو عمار أن يُلقي كلمة الثورة الفلسطينية فقال الحكيم: "حين يكون القائد العام للثورة الفلسطينية حاضراً فهو من يلقي كلمة فلسطين وثورتها"، فأعطى بذلك نموذجاً للقائد الوطني الوحدوي مدركاً أنه من الصعب أن تكون وطنياً دون أن تكون وحدوياً، ومعلماً للأجيال كلها أنه مهما احتدمت الخلافات بين أبناء الثورة الفلسطينية، فيجب أن يدار الخلاف تحت سقف الوحدة الوطنية.

في ذكرى رحيله (26/1/2008) لا بد من تحية لروح الدكتور جورج حبش ورفاق دربه في حركة القوميين العرب وكل الحركات القومية والتقدمية، ورفاق مسيرته النضالية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكل فصائل العمل الوطني الفلسطيني.