في السادس عشر من كانون ثاني الجاري، أصدر الرئيس محمود عباس ، مرسومًا بإجراء الانتخابات الفلسطينية للمجلسين التشريعي والوطني والرئاسة، على ثلاثة مراحل متتالية.
ومع صدور المرسوم، عاد الجدل حول الانتخابات إلى الواجهة مجدداً، رغم أن المرسوم كان متوقعاً، وهناك توافق مسبق بين حركتي فتح وحماس على الانتخابات، لتوحيد السلطتين وحل الأزمة السياسية الفلسطينية
والجدل كان من ثلاثة أطراف؛ الأول داعم لإجراء الانتخابات في هذا الوقت، كونها تشكل مدخلاً لإنهاء حالة الانقسام، وتجدد شرعية المؤسسة الفلسطينية، بعد أن ظهرت خطورةُ حالة الشرعية المنقوصة بشكل واضح للقيادة الفلسطينية الرسمية، حين طُرحت الرؤيةُ الأمريكية للسلام، التي أعلن عنها الرئيس السابق دونالد ترمب، وتبنت بالكامل ما تريده إسرائيل، وما فرضته على الأرض، ضاربةً عرض الحائط بالقانون الدولي، فيما تجاهلت تماماً، وجود جانبٍ فلسطيني سواء في إعداد الرؤية أو الإعلان عنها.
أما الطرف الثاني، فرافض من حيث المبدأ لفكرة تنظيم انتخابات تحت الاحتلال، على أساس أن الانتخابات بالأساس هي تعبير عن إرادةٍ حرةٍ للمواطنين، ويشارك فيها أحزابٌ وأفرادٌ لهم فرص متساوية، ويستطيعون التعبير عن برامجهم بحرية، وينتج عنها سلطةٌ تشريعيةٌ وقيادةٌ للتنفيذية، قادرتان على التشريع والحكم، بغض النظر عن الطرف الفائز في الانتخابات وتوجهاته، وهذه الشروط جميعها ينفيها وجود الاحتلال، كما أثبتت تجربة انتخابات (2006).
أما الطرف الأخير، فلا يرفض الانتخابات من حيث المبدأ، لكنه متحفظٌ على أن تسبق الانتخابات، إقامةُ الوحدة الوطنية الفلسطينية، المتحفظون دعوا إلى تنفيذ ما جاء في اجتماع الأمناء العامين للفصائل (2020)، وبنود إعلان القاهرة (2005) ووثيقة الأسرى(2006)، وذلك يجب أن يسبق تنظيم انتخابات جديدة، فقبل انتخابات المجلس الوطني (حيث أمكن) هناك حاجة أولًا لإعادة بناء منظمة التحرير، كهيكلٍ ومؤسسة ونظامٍ داخلي، وإعادة الاعتبار لها والتأكيد على شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني، بعد أن تم تهميشها لنحو ربع قرن لصالح السلطة، من قبل القيادة الفلسطينية الرسمية، وكذلك من قبل أطراف دولية وازنة على رأسها الولايات المتحدة.
وفي الواقع، إن المواقف من مرسوم الانتخابات، والجدل حوله، يعكس تعقيدات الحالة الفلسطينية. فمن جهة يمكن إيجاد وجاهة في كل موقف من المواقف، ومن جهة أخرى يمكن تفنيد كل منها، لذا لا بد من التأكيد على أن القرار الذي يتخذه أيُ حزب أو حركةٍ على الساحة حول الانتخابات هو قرار سياسي، وليس مبدئي، أي أنه مبنيٌ على قراءةٍ سياسيةٍ مرتبطة باللحظة وتشابكاتها مع ماضيها ومستقبلها القريبين، بعبارةٍ أكثر دقة هو تكتيك سياسي، لا يحتمل أبدًا تصنيف المختلفين حوله ضمن ثنائيةِ وطنيٍ ولا وطني.
شخصيًا؛ اتفق مع أصحاب الرأي المبدئي بعدم جدوى الانتخابات في ظل الاحتلال، ومع كل مبرراتهم، لكن قبل أن يحدث كلُ ما حدث في أوسلو، فهذا الرأي يستند إلى مبدأ، والمبادئ بحاجة إلى مراجعة دائمة، والالتزام بها نسبي ومتحرك، وهي بذلك كأي فكرةٍ مهما كانت مقدسة غير صالحة لكل زمان ومكان، بما فيها القواعد الدينية، فصلاحية الفكرة لكل زمانٍ ومكان حتى وإن كانت مقدسة هي أسطورة لا يقبلها العقل العلمي، طبعاً لا أدعو إلى نبذ المبادئ، واتباع المنهج الانتهازي، فهناك مساحة فاصلة بين الجمود والسيولة المبدئيين، يستطيع الإنسان صاحب العقل العلمي والمستند إلى أخلاق وقيم سياسية ووطنية أن يجد نفسه في هذه المساحة.
إن مبدأ عدم إجراء انتخابات تحت الاحتلال كان صائبًا، إلا أنه كُسر وحطم منذ ربع قرن، عندما قامت القيادةُ الفلسطينية الرسمية، بما هو أكثر بكثير من ذلك، لقد قبلت بسلطةٍ تحت الاحتلال، ملتزمة استراتيجياً بتنسيقٍ أمنيٍ لحماية الاحتلال من مقاومة شعبها، وتربطها بدولة الاحتلال اتفاقياتٌ اقتصاديةٌ تشرّع تبعية الاقتصاد الفلسطيني للإسرائيلي، كما قام نشاطٌ علني للأحزاب، وافتتحت مقارٌ ومكاتبُ حزبية تحت الاحتلال كذلك.
على الجانب الآخر، اتخذت حركةُ حماس حين سيطرت على غزة، خيارًا استراتيجيًا، بأن تنخرط باللعبة الدولية حول القضية الفلسطينية، فحين تحكم إقليمًا محدود المساحة والموارد، ومحاصرًا من كل الجهات؛ يعني بحكم المنطق أنك جاهزٌ لتقديم تنازلات والدخول في تسويات، فتوفير مقومات الحياة المعيشية والخدمية، وإن في حدودها الدنيا، من أهم مصادر شرعية أي سلطة، وعندما اتخذت حماس قرارًا بحكم غزة كانت تعلم أن توفير تلك المقومات بيد أطرافٍ دولية يفترض أنها معادية لحماس، أو في أفضل الأحوال في حالة خصومة معها، إلا إن عاز الذكاء قيادتها بشكل فاضح.
ما يزيد من تعقيد الحالة الفلسطينية، أن الهويةَ الفلسطينيةَ نفسها باتت مهددة، ففي السابق كان هناك مركز ثقلٍ ديموغرافي فلسطينيٍ في مخيمات اللجوء، لم يبقَ منه اليوم سوى أقل من 170 ألفًا في مخيمات لبنان، بعد أن دمرت مخيمات سوريا وشُرد أهلُها، وجُنس الفلسطينيون في الأردن، كما أن التواصل بين الضفةِ وغزة منقطعٌ بشكلٍ كامل منذ عقدين، ولشعب مشتت، يفتقد التواصل الجغرافي والديموغرافي، يبقى عنوان الوحدة السياسية الجدار الأخير للحفاظ على هويته الوطنية، ومن هنا تظهر أهميةُ إعادة الشرعية للمؤسسة السياسية التمثيلية الفلسطينية الواحدة ممثلةً بمنظمة التحرير، وهذا يرسلنا إلى الخيار الثاني، أي الوحدة أولًا، والعمل على بناء نظامٍ سياسيٍ يعبر عن الشعب الفلسطيني في كل مكان.
إن واجب سلطتي الأمر الواقع وحركتي فتح وحماس، أن تكونا على مستوى المسؤولية التاريخية، وتذهبا نحو الوحدة على مستوى المؤسسة أولًا، لكن التجربة قالت إنه لا يمكن الرهان على ذلك، لذا فإن واجب القوى الديموقراطية الفلسطينية أن تناضل في هذا الاتجاه، لكن إن فشلت في ذلك، هل يعني أن تقاطع الانتخابات وتدعو الناس لمقاطعتها؟ ليس بالضرورة، فالمشاركة رغم كل شيءٍ قد تحمل فوائدَ ومنافعَ أو على الأقل تقلل من الأضرار، ولا ينبغي غلقُ الباب في وجه هذا الاحتمال، وفي الوقت الذي يجب أن تناضلَ فيه القوى الديموقراطية لتقديم الوحدة على الانتخابات، عليها تستعد أيضًا للمشاركة فيها، لأنه وبكل وضوح؛ إن الذهاب إلى خيار إجراء انتخابات، من شأنها خلق شرعية موحدة للأمر الواقع السياسي الفلسطيني الهابط، على سوء هذا الخيار، يبقى أفضل من شرعيةٍ منقوصةٍ لمؤسساتٍ تمثيليةٍ منقسمة، خاصةً ونحن ندرك أن لا أفق لظهور تيارٍ ثالثٍ قادٍر على تغيير المعطيات وموازين القرار الفلسطيني في المستقبل المنظور.

