Menu

بين الفوضى المدمرة وانتظار المجهول: لبنان إلى أين؟

سركيس أبو زيد

نُشر هذا المقال في العدد 22 من مجلة الهدف الرقمية

احتفل لبنان بصمت بمناسبة إعلان الجنرال الفرنسي غورو عام 1920 إنشاء دولة لبنان الكبير، وفي ذكرى مئويته يواجه لبنان أسئلة وجودية مصيرية من دون أجوبة واضحة.يشهد العالم اليوم مخاطر وباء كورونا،بينما لبنان يعاني بالإضافةإلى كوفيد 19 من وباء الأزمات الاقتصادية الاجتماعية المالية الخانقة؛ فضلا عن وباء الفساد المستشري في الدولة والمجتمع. أمام هذه الحالة يقف المواطن حائرا ضائعا يخاف على مستقبله ويعيش في ظروف الفوضى المدمرة من دون أفق.

دوما كان لبنان محكوم بالظروف الدولية والإقليمية والمحلية، خاصة الأطماع الإسرائيلية والتهديدات الأميركية. في هذه المقالة سوف أتوقف عند أبرز التحديات الداخلية؛ عوامل عدة تتحكم بالواقع اللبناني في المراحل المقبلة، ولا يمكن عزلها، وعلى الأرجح ستؤدي إلى خلط الأوراق والأدوار والمواقع في البلد، وأبرزها:

1-الضغط الأميركي خصوصا، والدولي والعربي عموما، على لبنان من أجل إضعاف حزب الله، ويتردد أن هذا الضغط سيشهد تصعيدا واسعا ومباشرا في المرحلة المقبلة، ويستهدف الحزب وحلفاءه وسائر أركان السلطة والقوى السياسية على خلفية رضوخها لهذا النفوذ.

2-اقتراب الاستحقاقات الدستورية المفصلية في العام 2022(الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية، وطبعا حكومةجديدة)، وهذه الاستحقاقات ستكون ورقة ضغط في أيدي الاقوياء في الداخل، يستخدمونها للمساومة على كل شيء.وخلالها قد يصبح شعار كل طرف "يا رب نفسي"، وهذا ما يدفع أطراف التفاهم إلى إعادة ترتيب الأولويات التحالفية على أسس مصلحية جديدة.

3-كثيرون يتوقعون أن يتجه لبنان، في ضوء هذه التطورات والتحولات في المنطقة، إلى مرحلة مفصلية يتغيّرفيها نظامه، أو حتى صيغته الحالية.. وفي هذه الحال، قد تستنفر العصبيات الطوائفية والمذهبية، وتصبح لها الأولوية علىالتحالفات السياسية، مما يمكن أن يخلط الأوراق رأسا على عقب.

سيناريوهات اقتصادية للعام 2021

بين الإقفال بسبب تفّشي "كورونا" والأزمة الاقتصادية مرورا بالفقر المتزايد وضعف القدرة الشرائية وتراجعالليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي في السوق السوداء، أصبح المواطن اللبناني يعيش على وقع الاحداث التي تتحكمفيها "كورونا".

أمام كل هذه المعطيات، تطرح تساؤلات عن السيناريوهات المحتملة التي سيواجهها لبنان في المرحلة المقبلة وهي ثلاثة:

** السيناريو الأول تشاؤمي، وهو عبارة عن ترابط الأحداث السلبية مع عدم تشكيل حكومة أو تأليف حكومة لاتستوفي الشروط الدولية المطلوبة، هذا السيناريو يؤدي إلى استمرار المسار الانحداري للوضع الاقتصادي، والنقدي،والمالي، والاجتماعي إلى مستويات تصبح معها السيطرة على الغضب الشعبي صعبة جدا وهو ما قد يقود إلى فوضىأمنية... 

** السيناريو الثاني التفاؤلي، إذا ما تحقق أنه سيتم تشكيل حكومة تستوفي الشروط المفروضة من قبل المجتمعالدولي، وهنا ستعمد هذه الحكومة إلى القيام بإصلاحات ضمن مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي وهو ما سيسمح بإدخالالدولارات إلى القطاع المصرفي وتحرير قسم من أموال "سيدر"، عندئذ من المتوقع أن يتم لجم التدهور الاجتماعي، وخصوصا دينامية الفقر التي تطورت سلبيا بشكل سريع تخطى التوقعات. كما سيتمكن لبنان من وضع موازنة للعام 2022 تترجم الاصلاحات والواقع المالي العام للدولة اللبنانية مع بدء التفاوض مع مقرضي الدولة.

** السيناريو الثالث وهو "ستاتيكو"، حيث سيستمر تآكل الوضع الاقتصاديوالاجتماعي مع عناية دولية كيلاتؤول الامور إلى حد فقدان السيطرة على الوضع، وهذا الأمر قد يستمر إلى فترة طويلة إلى حين تبدل في المعطياتالاقليمية والدولية.

"مفاوضات ترسيم الحدود" مع العدو وصلت الى طريق مسدود

برز تطور سلبي على صعيد موضوع ترسيم الحدود البحرية، حيث أبدت الولايات المتحدة الأميركية أسفهاللطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات بين لبنان و"إسرائيل" في شأن ترسيم حدودهما البحرية، بعد أقل من 3أشهر من انطلاقها بوساطة أميركية وبرعاية الامم المتحدة. وقال وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو: "رغم وجود بعض النيات الحسنة للجانبين، فإن الطرفين لا يزالان متباعدين جدا"، مؤكدا أن واشنطن مستعدة للتوسط في مناقشات بنّاءة. وحض الطرفين على التفاوض على أساس مطالباتهما البحرية أمام الامم المتحدة. ورحب وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس، ببيان بومبيو الذي أوضح حقيقة أن المفاوضات من أجل حل وسط يتعلق بالخلاف المعروف بين الخطوط البحرية الاسرائيلية واللبنانية، كوديعة من قبل البلدين لدى الأمم المتحدة في عام 2010.

بعد انتهاء كل طرف من قول ما لديه على مدى أربع جولات بدا التباعد كبيرا، وهذا الشرخ أدى إلى أن يقترحالوسيط الاميركي استبدال جولة 2 كانون الاول بالتواصل المباشر مع قيادة البلدين. ومرة جديدة سمع الوسيط كلاماواضحا من رئيس الجمهورية بأن الوفد اللبناني مزود بالتعليمات اللازمة، مبديا إصراره على الموقف اللبناني الذيعرض في الاجتماعات، والذي يخلص إلى إضافة نحو 1350 كلم مربعا لمساحة الـ860 كلم مربعا التي كان لبنان يطالب فيها أثناء السعي إلى اتفاق الاطار، مع العلم أن واشنطن لا تزال متمسكة بعرضها للتسوية المبنية على "خط هوف" الذي يقسم المنطقة المتنازع عليها عند الحدود البحرية الجنوبية التي تمتد على مساحة 866 كيلومترا مربعا، ويعطي لبنان نحو 500 كيلومتر مربع، مقابل نحو 360 كيلومترا مربعا لإسرائيل. وقد تقاطع خط هوف مع الخط القبرصي بنسبة 60 في المئة نزولا من التقاطع الاسرائيلي - القبرصي، وصولا إلى التقاطع اللبناني - القبرصي، وترك نسبة ما يزيد على 55 في المئة للبنان.

في اللقاء الأخير للرئيس عون مع الموفد الأميركي الوسيط في المفاوضات السفير جون ديروشيه،  أكد عون أن لبنان يريد أن تنجح مفاوضات الترسيم، وهو متمسك بسيادته على أرضه ومياهه. عون الذي اعتبر بأن الصعوبات التي برزت يمكن تذليلها من خلال بحث معّمق يرتكز على الحقوق الدولية ومواد قانون البحار، أشار إلى خيارات عدة يمكن اللجوء إليها في حال فشل المفاوضات، من بينها التحكيم الدولي. فبعد أن طرح الأميركيون العودة إلى الخطوط السابقة (أي خط هوف ) أبلغهم عون بأن لديه وثائق غربية تثبتحصة لبنان في المساحة التي يُطالب بها 2200  كيلومتر مربع، وهي وثائق تعتمد على مسح جوي بريطاني قديم. وأشارإلى أنه في حالة النزاع، فإن لبنان لا يُمانع الذهاب الى التحكيم الدولي ولو من خلال الأمم المتحدة، بينما اعتبر الأميركيونبأن التحكيم سيستغرق سنوات وسينعكس سلبا على لبنان، وأن المفاوضات هي بديل عن التحكيم، وكان من بينالاقتراحات أيضا طلب المساعدة من استشاريين دوليين من كبار الأساتذة العرب والأجانب، من خلال إعداد دراسات غيرملزمة.

بعد أن تأكد الوسيط الأميركي أن لبنان جاد في المضي قدما بالمفاوضات انطلاقا من المعايير التي أرساها الوفد،انطلقت في إسرائيل حملة تشكك في جدية لبنان وتسوق لانتهاء المفاوضات قبل أن تبدأ، ساعية إلى تحميل لبنانالمسؤولية. مصادر مطلعة تؤكد أن المفاوضات مستمرة، لكنها حكما ستتأثر بالمتغيّر الاميركي، الذي لم يُعرف بعد كيفسينعكس على ملف الترسيم... وبالنتيجة، مفاوضات الناقورة متوقفة ولن تُستأنف فعليا قبل تسلّم الإدارة الأميركية الجديدة وتركيز أوضاعها، ولبنان بات جاهزا لمفاوضات شاقة وطويلة.

مستقبل النظام في لبنان

أحیاالرئیس الفرنسي إیمانویل ماكرون مؤخرا فكرة إعادة النظر بالنظام السیاسي القائم حالیا من خلال دعوته إلى عقد جديد، وكان السید حسن نصرالله  قد عرض ھذه الفكرة في العام ٢٠١٢  من خلال مؤتمر تأسيسي من دون الدخول في أي طرح تفصیلي.

وتكشف مصادر عن تشكیل لجان فرنسیة - لبنانیة لدراسة الملفات التي یمكنعرضھا للنقاش والتطویر في النظامالسیاسي، بینمایحضرالرئیس عون لطاولة حوار في قصر بعبدا لاستمزاج آراء رؤساء الكتل النیابیةوالمرجعیاتالروحیة بعد تشكیل الحكومة ونیلھا الثقة مباشرة. وفكرة طاولة الحوار یتمتنضیجھا والتداول فیھابین مختلف المقارالسیاسیةوالحزبیة، آخذین في الاعتبارأھمیةالتوقیت وما یمكنتطویره في النظام السیاسي والدولة المدنیة التي یكثرعنھاالحدیث. مع العلم أن أي تغییر لن یتمابن ساعته ویلزمهتحضیر وفترة تحضیریةللانتقال من مرحلة إلى أخرى، ومن نظام سیاسيإلى آخر وما یستتبعه من تغییر في نظام الانتخاب ومقاربة الملفات المالیةوالاقتصادیةوالاجتماعیة، وحتى إعادة النظر في مؤسسات الدولة ووظائفھا والحاجة إلى مرافق وإدارة عامة جدیدة.

ولعل أخطر ما كشفته كارثة المرفأ عدا عناصر الدولة الفاشلة، ھو سقوط ھیكل النظام السیاسي والاقتصادي بالكامل، وبالتالي لا بد من تغییر في ھذا النظام الطائفي والإصلاح في طبیعة النظام السیاسي وفقا لما ورد في اتفاق الطائف والدستور، خاصة في بنوده الإصلاحية...وخوض الرئیسینمیشال عون ونبیه بري في الدولة المدنیةأیضالیسجدیدا، والرجلان یطالبانبھا في كل مناسبة

ومفصل.

وللتذكیر، فإن بري دائما ما یطالب ولا سیما في مھرجان ذكرى تغییب الإمام موسى الصدر كل عام، بإلغاءالطائفیةالسیاسیة عبر تشكیل اللجنة العلیا لإلغاء الطائفیةالسیاسیةوتطبیق ما لم یطبّق من اتفاق الطائف.

وترى مصادر في الحزب الاشتراكي أن المطلوب ھوتطبیق الطائف والبدء بتشكیلالھیئةالوطنیة لإلغاء الطائفةالسیاسیة وإنشاء مجلس الشیوخ وإقرار قانون إنتخابات خارج القید الطائفي وصولا إلى العلمانیة التي طرحھا كمالجنبلاط، على أن یتم ذلك بشكل تدریجي وصولا لمناقشة قانون الأحوال الشخصیةواللامركزیةالإداریة، خصوصا وأن

ھناك عملا جدیا في موضوع إستقلالیة القضاء وضمان الشیخوخة وقطع شوطا كبیرا في اللجان النیابیة المختصة. وتؤكدأن "ما نحن بحاجة إلیه الآن ھو برنامج إقتصادي - مالي لحل الأزمة ولیستغییر النظام كما یحاول أن یوحي البعض،وما طُرح فیه من أفكار. مصادر في تیار المستقبل تؤكد أن دستور الطائف ھو دستور مدني، ونحن طبعا مع تطبیقه ومع قانون إنتخابي

خارج القید الطائفي على أساس المحافظات كما ورد في الطائف، وطبعا ھذایرتبط مع إنشاء مجلس الشیوخ الوارد فيالدستور. وتشیر إلى أن الكلام عن الدولة المدنیةیبقى كلاما عاما وربما البعض یقصدتحدیدا قانون الأحوال الشخصیةالذي قد یخلق مشكلة عند البحث به خصوصا لدى المؤسسات الدینیة. 

أما القوات اللبنانیة وامثالها يعطون اولوية لسلاح المقاومة قبل البحث باي نظام جديد.المطلوب حوار جدي وحقیقيبیناللبنانیین، وظروف وحیثیاتھذا الحوار غیر متوافرة في ظل اولويات متناقضة بين القوى السياسية. باختصار ، الازمة في لبنان مفتوحة على كل المجالات وظروف التسوية او الحل غير ناضجة.ويبقى الغائب الاكبر كتلة وطنية شعبية فاعلة هي الرهان والخلاص.