Menu

مرحلة التحرر الوطني والنضال المطلبي والبرلماني

اسحق أبو الوليد

خاص بوابة الهدف

ليس غريبًا أن تعج الصحافة الفلسطينية بعشرات المقالات التي تتناول موضوع "الانتخابات العامة" في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 التي مزقت جغرافيتها اتفاقيات "أوسلو"، بما يسمح َضبطها والإشراف عليها بشكل مشترك من قبل الكيان الصهيوني "وسلطة فلسطينية" تابعة في مناطق تخضع إداريًا لهذه السلطة المزعومة، والتي رُسمت معالمها وصلاحياتها من قبل العدو الصهيوني، بما يخدم احتياجاته الأمنية والتوسعية الاستيطانية، وتمنحه التفوق المطلق كطرف كان وما زال هو المقرر الرئيسي، بل يمكن القول الوحيد، ليس فقط لشكل السلطة وأدوات عملها؛ الإدارية والقانونية والعسكرية، بل ولوجودها نفسه، والتي كي تستمر لا بد لها أن تخدم الهدف الذي أوجدت من أجله صهيونيًا.

إن نضوج الظروف الموضوعية يفرض هذا الجدل، ذو الطابع الشعبي بالأساس، والذي يجب احتضانه من الطليعة الثورية وتطويره وتعميقه، كي يتناول جوهر الصراع، أي ليس فقط مسألة الانتخابات على أهميتها بسبب الترابط الجدلي بين كافة القضايا النضالية الأساسية والثانوية، لعلاج أصل الداء (الاستعمار الاستيطاني الاقتلاعي) ومحاصرة وعزل افرازاته فلسطينيًا وعربيًا، في ظروف موضوعية فريدة من نوعها، لم يمر بها أي شعب على الإطلاق، مما يفرض على الحزب الطليعي أولًا والقوى الثورية والوطنية، في حركة التحرر الوطني الفلسطينية أن تحدد دائمًا وبدقة، طبيعة المرحلة القائمة والبرنامج السياسي الثوري الذي يستجيب لمتطلباتها والقوى الاجتماعية الطبقية والسياسية التي لديها الاستعداد للانخراط في النضال من أجل تحقيقه؛ في إطار استراتيجية الدفاع عن المصالح الوطنية والقومية العليا بتصميم وكفاحية عالية غير قابلة للمساومة أو الكسر، وافشال استراتيجية العدو والطبقة المسيطرة بجر حركة التحرر الوطنية الفلسطينية وقواها الثورية إلى مربع "النضال المطلبي والبرلماني" والإبقاء عليها حبيسة في هذا المربع ومستحقاته اليومية، بما يضمن تخليها الموضوعي المتدرج عن استراتيجيتها: تحرير الوطن من الاستعمار، واغراق الحركة الجماهيرية، في وقت مبكر، بهموم حياتها اليومية، وفي العمل على توفير الحلول الفردية على حساب العمل المنظم.

كافة الشعوب التي عانت من الاستعمار الاحتلالي المباشر، كمثال من عشرات الأمثلة؛ الجزائر تحت الاستعمار الكولونيالي الفرنسي؛ فيتنام تحت الاحتلال الفرنسي والأمريكي؛ فرنسا تحت الاحتلال النازي؛ و سوريا تحت الاحتلال الفرنسي، لم يكن امام حركاتها الثورية إلا خيار النضال بأرقى أشكاله؛ الكفاح المسلح، ضد الاستعمار من أجل التحرر الوطني وضد الحكومات "الوطنية" العميلة التي ينصبها المستعمر لإدارة شؤون وقضايا يومية هو عاجز عن القيام بها، لإطالة أمد احتلاله أطول فترة ممكنة، وفي الوقت نفسه تعمل على مساعدة الجماهير الشعبية على تنظيم نفسها وتوليها مباشرة حل مشاكل العمل والحياة اليومية لسلخها وفضها عن وكلاء الاستعمار وعدم الاعتماد على حكوماته وإدارته؛ لأنه هكذا وهكذا فقط تشارك الجماهير الشعبية في النضال وتتحمل أعبائه وتساند الحركة الثورية، بدل الارتهان لها لحل هذه المشاكل الحياتية. ألم يكن هذا حال وواقع شعبنا قبل ابتلائه بسلطة سماسرة أوسلو؛ وكيل الاستعمار والاحتلال؟

 نعم، خلال الانتفاضة الكبرى عام 1987، شهدت الحركة الشعبية الفلسطينية أفضل وأرقى أشكال النضال المنظم؛ الاقتصادية والسياسية بتمويل ذاتي، مما عكس نفسه على شكل العلاقات الاجتماعية، وأطاحت بمفاهيم وعادات بالية، مثل: الأنانية والمتاجرة بالزواج ووضعت الديانات في خدمة المجتمع والناس، مما بث الرعب، ليس فقط في المؤسسة الاستعمارية الاحتلالية الصهيونية، بل أيضًا في صفوف "الطبقة" البرجوازية الفلسطينية وأكثر فئاتها تبعية للاقتصاد الصهيوني وللمراكز الاقتصادية الاقليمية والدولية، التي انخرطت مع الكيان الصهيوني في عملية تطويقها واجهاضها وايجاد البديل عنها: حكم ذاتي يلبي مصالحها الطبقية على حساب المصلحة الوطنية العليا، تحت سقف وعباءة الاحتلال، يتمتع ببعض ميزات "الدولة"، ولكنه دستوريًا وسياسيًا أقل من دولة، تحت مسمى "سلطة" وإمساك الكيان الصهيوني بمفاتيح خفض ورفع سقفها وصلاحياتها حسب ضروراته وخاصة الأمنية؛ في هذا الإطار والسياق جاءت دعوة محمود عباس ، لإجراء "الانتخابات العامة"، للمجلس التشريعي، ورئيس (دولة) فلسطين واستكمال انتخاب أعضاء المجلس الوطني، حيث أمكن ذلك في مناطق اللجوء والشتات، والتي دون شك لقيت ردود فعل في معظمها متناغمة ومتساوقة، عدا البيان الرسمي الذي أصدرته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي وضعت شروط وآليه إجرائها، وأنها إذا ما تمسكت بها وأصرت على تحقيق شروطها، يعني أنها لن تشارك في هذه المهزلة؛ لأن قيادة اليمين لن تتراجع عن أجندتها ومخططها. 

أصحاب هذه الدعوة فلسطينيًا؛ قيادة حركة (فتح) وحلفائها (طحالب م ت ف)، وكل من رحب بها وأيدها في كل من التيار الاصلاحي الدحلاني والبراغماتي في حركة حماس ، وإن يتباينوا في أهدافهم؛ إلا أنهم يتقاطعون في أهمها؛ "تجديد شرعيات المؤسسات والافراد" التي هي في الجوهر تجديد "لشرعيتهم" مجتمعين وتعميق احتكارهم وخطفهم لمركز القرار "الوطني"، بغض النظر عن الثمن المطلوب دفعه. في الواقع ليس ما يقلق محمود عباس وحاشيته عدم شرعيته كرئيس وإلا لكان قد أصدر "مرسومه" قبل عشر سنوات على الأقل لتلبية حاجة وطنية فلسطينية، ولكن لأنه يعلم أن من يمنح "الشرعية" لمؤسسات سلطته، ليس "الشعب" الفلسطيني، بل الكيان الصهيوني، وكل حاضنيه وداعميه، من خلال الاتفاقيات الموقعة معهم، وخاصة اتفاقيات الإطار الأوسلوية التي هي الأساس وعلى أرضيتها تتم كافة التشريعات ومجمل العملية الانتخابية والسياسية، لذا تصبح الدعوة للانتخابات "وتفعيل الحياه الديمقراطية" لترتيب الجبهة الداخلية ورأب تصدعاتها والاستعداد لتلبية استحقاقات تنازلية جديدة تتطلبها المرحلة "البايدانية"، والتي ستشهد محاولات "وجهود صادقه لتحقيق السلام المفقود" كما تتعشم قيادات اليمين الفلسطيني بشقيه، والذين يريدون اغتنام الفرصة وعدم اضاعتها من جديد، بناء على تعليمات وأوامر حاضناتهم العربية والإقليمية.

قيادة اليمين الفلسطيني التي تتحين الفرص وتتقن فن التقاطعات، ولكي تستمر في ادعائها أنها تمثل الشعب الفلسطيني بكل أطيافه؛ تطرح مبادرات للاستهلاك المحلي وتبدي مرونة تكتيكية سياسيه لا تمس جوهر الاتفاقيات التي وقعتها مع العدو، ولا تنتهك نهجها وقواعد اللعبة المتفق عليها، ولا تؤثر على علاقاتها الاقليمية والدولية،؛ لأنها كما ذكرنا موجهة أصلًا للداخل الفلسطيني، أي لمخاطبة قاعدتها الشعبية والتفاعل معها، و "مد اليد" للقوى السياسية الفلسطينية المائعة والمتقلبة في معارضتها لسياساتها ونهجها وايهامها بأنها تريد "الوحدة الوطنية معها" وأن الأيام العجاف قد ولت وحان الوقت لتنفيذ نوايا "القيادة الحكيمة" "بالتحلل" من الاتفاقيات الموقعة مع "الإسرائيليين"؛ دون أن تسميها أو تحددها وتترك للآخرين تسميتها والرقص على أنغامها بادعائهم، أنهم نجحوا "بانتزاع قرار بإلغاء اتفاقيات أوسلو"، وأنه حان الوقت "للوحدة الوطنية" والتكاتف من أجل التصدي للمؤامرات على "حقوق شعبنا الثابتة"، هذه الحقوق التي انتهكتها وتخلت عنها وباعتها في أسواق النخاسة قيادة اليمين التي لا تتردد بمطالبة القوى الوطنية وبكل وقاحه ولا أخلاقية الدفاع عنها، أي الدفاع عن ما تخلت وتنازلت هي عنه للعدو منذ عقود؛ دون أن تتوقف ولو للحظة أو "لذر الرماد في العيون" عن شرب أنخاب العلاقات الحميمة مع العدو واستمرار سريان مفعول الاتفاقيات المذلة والخيانية معه. ففي مثل هذه الأوضاع والظروف لا يمكن لأحد؛ مخلص للشعب ولقضيته الوطنية العادلة، وملتزم بالمبادئ الثورية وقوانين الصراع الطبقية والقومية مع العدو، ويرفض التجريبية والانتظارية أو أن تنزل عليه الحلول السحرية بمظلة من السماء، ويأخذ بعين الاعتبار تجارب شعبنا، على مدار عقود، والتي رغم البطولات والحماس في تقديم التضحيات وخوض هبات وثورات واضرابات فريدة من نوعها، لم يستطع تحقيق أهدافه؛ بسبب خذلان وخيانة قياداته، أن يصمت وينحني أو يتواطأ لتمرير مؤامرة أخرى وتكريس وإعادة شرعنة ألا شرعي باسم "النضال البرلماني" والنضال من الداخل؛ لأننا أصلًا لم نحرر وطننا، وليس لنا دولة أو برلمانًا، وليس لدينا حرية التشريع أو التنفيذ؛ لأننا أيها السادة نرزح تحت الغزو الاستعماري الصهيوني الامبريالي في كل فلسطين ولا وقت للعب والتبرير وهدر الوقت ولنوحد النضال وأداته الثورية؛ الجبهة الوطنية المتحدة التي تضم كافة القوى الثورية والوطنية في الجليل والمثلث وحيفا ويافا و القدس والخليل ورام الله ونابلس وغزه ومخيمات اللجوء وجماهير شعبنا في الشتات؛ إن كنا فعلًا نريد تحرير كل فلسطين، ولدينا الاستعداد الجاد لدفع ثمن تثبيت هذه الاستراتيجية الكفيلة بتجميع كل الحركات الثوري وحركات التحرر في العالم حول حقوقنا التاريخية وقضيتنا العادلة.