Menu

الممرات الإجبارية لمقاومةٍ فلسطينيةٍ فاعلة ضد المشروع الصهيوني

د . عابد الزريعي

سكان فلسطين.jpg

نُشر هذا المقال في العدد 22 من مجلة الهدف الرقمية

كان الراحل جورج حبش ، قد وصف اللحظةَ التي تمر بها الثورةُ الفلسطينية المعاصرة،بـ"الهزيمة" التي قضى بقية عمره باحثًا عن إجابةٍ على سؤالها: "لماذا هزمنا؟".

 ومنذ ذلك التاريخ وحتى اللحظة الراهنة، تفاقمت الأمورُ وتعددت محاولاتُ الإجابة على ذات السؤال، محاولات الخروج المتكررة لم تخرج عن اتجاهين،اإما التصويب على الانقسام من خندقين مختلفين، وإما التصويب على اتفاق أوسلو من خندقٍ واحد، مع القفز بطيعة الحال عن بديهية مفادها،أن الانقسام الحاصل هو نتاجٌ لاتفاق أوسلو، الذي هو نتاجٌ لمرحلةٍ سبقته، وهي مرحلةٍ طويلة، تمد بجذورها في تربة الثورة الفلسطينية القديمة والمعاصرة، مع اختلافٍ بين من تولى تلك الجذور بالرعاية ــ حسب المرحلة ــ ودون الحفر في تلك التربة بفأسٍ حادة وشرسة، سيكون الحديثُ عن إمكانية الخروج من المأزق، ناهيك عن اجتراح الشروط الموضوعيةلمقاومةٍ ناجعة، يفتقد الى النجاعة.وارتباطًا بذلك ومن واقع تجربة اشتباك الشعب الفلسطيني مع المشروع الصهيوني لأكثر من قرن، يمكن القول أن الشرط الموضوعيَ لمقاومةٍ فلسطينيةٍ ناجعة، يرتبط بثلاثية علاقة الوطني بالقومي،وبالموقف من القوى الإمبريالية الداعمة للكيان الصهيوني، وبالشكل الرئيس للنضال الوطني، وبالنتيجة بكل ما يترتب على هذه القضايا وما ينسل عنها من برامج تفصيلية، هذا المقال محاولة لتبيان الفكرة المطروحة، ضمن العناوين الاتية:

أولا: الرؤوس الثلاثة للحركة الصهيونية:

هناك ثلاثة سماتٍ رئيسةٍ وحاسمة،من بين سمات الحركة الصهيونية الكثيرة والمحفوظة عن ظهر قلب، أول هذه السمات أنها بنت وقدمت نفسها كحركةٍ قوميةٍ "للشعب اليهودي". بما يعنيه ذلك من أنها لابد أن تكون أداةَ تفكيكٍ وتفتيتٍ قومي، للمحيط الجغرافي العربي المحيط والمرتبط بفلسطين،بسمتهالقومية التي تجعل منه عقبة في وجه المشروع الصهيوني. وثانيها أنهااسندت رأسها وربطت صرتها بقوةٍإمبريالية كشرط حياة، وهو أمر يرتبط أيضًا بالمصالح الإمبريالية في المنطقة ذاتها، بما يعنيه ذلك من اعتماديةٍوظيفيةٍ، على قاعدة ارتباط الأهداف الخاصة بالأهداف الإمبريالية العامة، وثالثها الركون إلى القوة المسلحة كشرطٍمصير، وبقاءٍ في وسط محيط معادٍ، ومنذ بدايات المشروع الصهيوني وحتى اللحظة، لم يغير الزمنُ شيئًا في هذه السمات، بل زادها وضوحًا وبيان، فالتطبيع الجاري ليس إلا وجهًا لتحقيق قوميتها في المركز،وممارسة التفكيك والهيمنة على المحيط،والارتكانإلى الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي، لم يتغير على مدى الزمن واخر تجلياته ضمها إلى القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط، وعدوانها المتكرر في كل اتجاه،كماأنالإمعان في التسليح لم يتوقف كتأكيدٍلاعتمادها على السلاح كمصير.

ثانيا: المتاهات الثلاثة للحركة الوطنية الفلسطينية:

السمات الثلاثة للحركة الصهيونية، لم تترك لحركةِ التحرر الفلسطينية مجالًا، لرفاهية التفكير في البحث بين البدائل، فاذا أردت أن تواجه الوحشَ الصهيوني برؤوسه الثلاثة، فعليك أن تكون قوميًا ومعاديًا للإمبريالية، وسلاحك في يدك، وهذا حكم ضرورة وليس اختيار، فهل وعت الحركةُ الوطنية الفلسطينية ذلك.؟ قد يكون السؤال مضحكًا، ولكن البحث في الأوراق سيجعل الجوابَ مبكيًا. فقد تسرب إلى صفوفقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية ومنذ البدايةوهم النضال ال قطر ي والسلمي بالاعتماد على العرائض والقصائد، وتحييد أو توسيط الامبريالية البريطانية في الصراع،إلى حد الاعتقاد أن بريطانيا، يمكن أن تمنحَ الفلسطينيين دولة، مثلما أوجدت في شرق الأردن إمارة، ولم يتم التحرر من هذا الوهم،إلا إبان ثورة 1936، التي كانت تعبيرًا عن الموقف والممارسة النضالية الشعبية أكثر من القيادة الرسمية، التي ركبت الثورة دون أن توفر لها أية مرتكزاتٍ تنظيميةٍ صلبة، يمكن أن تستندَإليها للاستمرار.وخلال مسار الثورة الفلسطينية المعاصرة كان الوهمُ يطل برأسِه بين فينةٍ وأخرى، إلى أن تبدى بشكلٍ جلٍي مع تبني البرنامج المرحلي، في ظل ميزان قوى لا يسمح بإنجازه. الأمر الذي ترتب عليه خلال مسارٍ طويل ثلاثة نتائج خطرة، تتمثل في الميل التدريجي التراكمي باتجاه إبراز الوطني، وبطريقةٍ انفعاليةٍ في كثير من الأحيان،وتبهيت القومي،إلى أن عبر الوطني عن نفسه في اتفاق أوسلو أولًا، وتبهيت العلاقةِ بين المشروع الصهيوني والقوى الإمبريالية، لينتهيَالأمرُ باللجوء لهذه القوى، من أجل تحقيق الحقوق الوطنية التي اختصرت في دولةٍ على حدود 1967 ثانيًا، وتغليب العمل السياسي على النضال الكفاحي خاصةً الكفاح المسلح إلى أن تم الوصول إلى إنكار دوره،واعتباره من منتجات زمنٍ مضى ثالثًا.

ثالثا: ثلاثة ممراتٍإجبارية لمقاومةٍ ناجعة:

بديهيٌ القول أنبناءَ مقاومةٍ فلسطينية ناجعة وفاعلة، يستدعي بالضرورة المضي عبر الممرات الثلاثة المحددة، في الارتباط القومي، ومعاداة الامبريالية، والكفاح المسلح، لكن هذا التحديد العام لايقود إلى أية نتيجة، مالم يرتسم على حدودٍ واضحة وتفصيلية على الأسس الآتية.

1 ــالارتباط القومي: تتبدى أولُ الشروط الموضوعية لمقاومةٍ ناجعةٍ وشاملة، في الارتباط الحاسم مع المقاومة القومية للمشروع الصهيوني بالمعنى الاستراتيجي، وإن كان الصراعُ يدور على المستوى القطري بالمعنى التكتيكي،خاصةً وأن اللحظة هي لحظة المواجهة القومية لهذا لمشروع، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى،وذلك على الرغم من واقع التمزق والاختراق القائم على الصعيد القومي، والذي قد يعزز ظاهريًا وجهة النظر المدافعة عن فكرة الانغلاق القطري،ذلك أن التموضعَ الصهيوني المنجزَ في أكثر من بلدٍ عربي، جعل من المعركة ضد التطبيع، معركةً قائمة بالنسبة لكل فصائل حركة التحرر العربية ضد المشروع ذاته، ويأخذ الأمرُ طابعًا مصيريًا بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية،إذا وضعنا في الاعتبار أنه في حال تمكن العدو الصهيوني من استكمال عملية الالتفاف والتموضع في المحيط الاستراتيجي لفلسطين، فسيتم محاصرة الحركة الوطنية الفلسطينية وخنقها،قد يقال أن من طبع لم يسبق له وشارك في الصراع،وبالتالي فإن خروجه لن يؤثر ولن يغير شيئًا، مثل هذا الطرح تفنده حقائقُ التاريخ،فهؤلاء كانوا يومًا جزءًا من المقاطعة العربية لإسرائيل،والتي منعتها من التمدد وحاصرتها داخل الجغرافيا الفلسطينية، خروج هؤلاء يعني تمدد الكيان ومراكمة أوراق قوةٍ لصالحه، وبالنتيجة مزيداً من الحصار للحركة الوطنية الفلسطينية، على ضوء ذلك فإن المسألةَ القومية، باتت وكما كانت في الأصل مسألةَ مصيرٍمماثل، لا مجال للهروب منه، وذلك يستدعي الانتباه أولًا إلى أن الصمودَوتصعيدَ المنسوب النضالي الفلسطيني، على قاعدة وضوحٍ في الموقف والرؤية السياسية، يشكل عاملَ انهاضٍ لكل فصائل حركة التحرر العربية في مواجهة قوى التطبيع. وثانيًا إلى أن المعركةَ ضد التطبيع على الساحة العربية هي معركة مواجهة مع المشروع الصهيوني ومعركة فرزٍ قوى، يترتب عليها عزل القوى الرجعية المنخرطة في التطبيعومواجهتها، ولايمكن للحركة الوطنية الفلسطينية إلا أن تكون جزءًا من هذه المعركة.

2 ــ أشكال النضال: الملفت للنظر أن الحركةَ الوطنية الفلسطينية باتت تمارس لعبة الاختباء خلف المصطلحات، كلما طرحت مسألة أشكال النضال، فيقال المقاومة الشعبية وكافة أشكال النضال ... الخ. هناك من يحاججُ ويقول حتى أصحاب الكفاح المسلح في غزة لا يمارسونه، ويخرجون من هدنةٍ ليدخلوا في غيرها.. الخ، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضًا، أن هناك معادلة قوةٍ باتت غزة طرفًا فيها، وهي تشكل قوةَردعٍ فلسطينية وقاعدةٍ محررة ـــشبيهة بتجاربَ عديدِ حركات التحرر ـــ يجب عدمُ التفريط فيها أو تبديدها بل تنميتها، الكفاح المسلح لحركة تحررٍ وطنيٍ ليست مشروطهبمئات المسيرات في السماء والاف الصواريخ والمدفعية التي تطلق النار صباح مساء.. الخ،ولكن يمكن مواصلة القتال بوسائل ومستوياتٍ أخرى، وفي مواقع أخرى، وبأشكال عديدة ومتنوعة، وحتى نبسطَ الأمرَ أكثر. ماذا نسمي ما يقوم به المستوطنون من قلع أشجارٍ وحرقٍ وعملياتٍ تخريبٍ يومية.؟ أليست شكلًا من أشكال العمل المسلح.؟ ألم تكن الممارساتُ النضاليةُ لحركات التحرر في بداياتها بهذا الشكل.؟ ألم تكن طلائع العمل المسلح من غزة في الخمسينات بهذا الشكل.؟ لذلك ما يقوم به المستوطنون ليس هياجًا كما يوصف، وإنما هناك من يديره ويشرف عليه من مستويات عليا من دولة الكيان، لذلك فإن الاعتقاد بإمكانية مواجهة الكيان الصهيوني المسلح بالنضال الشعبي السلمي، ومن على منصات المؤسسات الدوليةليس أكثر من وهم،إن حسمَ المسألةِ باتجاه مواجهة العدو الصهيوني بذات النسق، يستدعي أولًا الحفاظَ على قطاع غزة وحمايته، كأرضٍ فلسطينيةٍ محررة، بما يعنيه ذلك من الحفاظ على قدراتها العسكرية وتنميتها وعدم إهدارها، وتوفير الدعم الاقتصادي والحياتي الاجتماعي، كأحد وسائل الحفاظ والحماية، وثانيًا بناء مجموعات مسلحة قادرة على مواجهة المستوطنين في الضفة الغربية وقتالهم على ذات المستوى وبذات النسق، بما يمنع شعورهم بالراحة والاطمئنان. وثالثًا بناء مجموعات حرب مدنٍ صغيرةٍ ومرنة، قادرة على إدارة الاشتباك المسلح داخل الكيان الصهيوني، ويمكن الاستفادة من تجربة أمريكيا اللاتينية في حرب المدن في هذا المضمار، ورابعًا الاستمرار في المقاومة الشعبية وتطويرها، وفي هذا السياق إعادة مسيرات العودة مع الاستفادة من دروس التجربة السابقة.

3 ــ الموقف من أمريكيا: أمريكيا بوصفها الداعم الإمبريالي الرئيس للكيان الصهيوني، هل هي عدو أم صديق ام وسيط، لابد من الخروج من هذه المتاهة على قاعدة وعي العلاقة بينها وبين الكيان،ذلك أن الانزلاقَ المتواصلَ في التعامل معها بوصفها وسيطًا، الأمر الذي دشنه الحوار الفلسطيني الأمريكي قبل اتفاق أوسلو بسنوات، يقود بالضرورة إلى الدخول في المساومة حول الكفاح المسلح، والانغلاق الأكثر على الذات الوطنية، وبالنتيجة التحلل من كل إمكانيات الفعل، مثلما هو حادث الآن، لذلك فإن التحررَ من وهم المراهنة على داعمي الكيان الصهيوني، يسمح بوضع القوى الإمبريالية في موقعها الصحيح، بوصفها جزء من معسكر الأعداء. انطلاقا من ذلك يمكن الانطلاق نحو بناء علاقات تضامنٍ نضالي مع قوى عديدة، وفي مختلف الساحات تشكل حزامًا تضامنيًا داعمًا للقضية الفلسطينية.

رابعا: من أجل اقتحام الميدان بثقة:

إن العبور الواثق للممرات الاجبارية الثلاثة يستدعي أسئلةً وإجاباتٍ من مستوى اخر. يستدعي أولًا تحديدَ الوضع والوضعية التي أنت عليها، بكل ما يتعلق بذلك من ممكنات القوة والضعف، وثانيًاتحديد الرؤية والغاية التي تصبو إليها، بكل ما يتعلق بذلك من تحديد أهدافٍ تريد تحقيقها ويمكن أن تحققها بالفعل وليس بالقوة، وثالثًا تحديد من يقف معك ويناصرك ومن يقف ضدك وعليك، ومن يقف في المساحة الرمادية، ورابعًا تحديد التكتيكات المعتمدة وخامسًا أن تصوغ خطةَ العمل الواجب الاشتغال على هديها.

خاتمة

إن الارتباط القومي والشكل النضالي والموقف من الإمبريالية ليست شكلًا من أشكال الرفاهية الفكرية للنضال الوطني الفلسطيني، بقدر ماهي قضية حياةٍ ومصير، ترتبط به الشروطُ الموضوعية لمقاومةٍ فاعلةٍ وناجعة.