Menu

القومية العربية طريق الخلاص: نحو مشروع عربي مقاوم (ج 1)

غسان أبو نجم

حركة القوميين العرب

تدفعنا التغيرات السياسية على الصعيد العالمي (في المجتمعات الرأسمالية والاشتراكية) وتوجه معظم الأمم نحو الانكفاء القومي، رغم اندماجها اقتصاديًا ومن ثم سياسيًا ضمن المنظومة العالمية بشقيها الامبريالي والاشتراكي لكسر حاجز الاندماج الكلي ضمن هذه المنظومات لاعتبارات قومية، لها أسبابها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأحيانًا الأخلاقية، لتعيد بناء قوميات مرتبطة بالجغرافيا أكثر من الارتباط التاريخي لهذه الأمم؛ تدفعنا إلى ضرورة إعادة صياغة منهج قومي عربي بوصف هذه الأمة تدور في فلك المحيط الرأسمالي، ليس من أجل تحسين شروط تبعيتها لهذا المعسكر، وإنما محاولة لرسم مشروع عربي مقاوم؛ يُخرج هذه الأمة من فلك التبعية للمعسكر الرأسمالي وصياغة مشروع نهضوي خاص بها؛ يعيد بناء علاقات إنتاجية ذات صبغة عربية مستقلة البنية الإنتاجية القائمة واستغلالها نحو بناء بنية رأسمالية اقتصادية؛ تزيل التشوه البنيوي وتصيغ العلاقات الإنتاجية بطرق ووسائل ثورية؛ تضعها سياسيًا ضمن دائرة الاستقلال وإلغاء التبعية.
من المفيد أن ندرس هذه التغيرات؛ ضمن رؤية منهجية مادية بإطارها التاريخي وإلقاء الضوء على النموذج البريطاني والنموذج الروسي للإفادة نظريًا؛ من تجربة كل منهما في إحياء الفكر القومي في كلا البلدين، مع التأكيد على اختلاف كل تجربة عن الأخرى؛ من حيث المنطلقات والأهداف. ولإغناء البحث في هذا المشروع أناشد كل الغيورين والشرفاء من أبناء أمتنا للمساهمة الفاعلة من اجل صياغة مشروع قومي عربي مقاوم، حتى لا نظل نحصد الشوك في ظل عالم يطحن الضعفاء ويستغلهم حتى النخاع، ويحذف جماهير الشغيلة فيها في بحر الاستغلال والاستلاب وتنهب مقدراتها بكافة أشكال الاستعمار الكولونيالي المباشر أو عبر ربطه بالكارتلات الاحتكارية.
يبدو أن فوز دونالد ترامب القومي/الشوفيني رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية وقبله دعوات ساركوزي الفرنسي لبناء فرنسا القوية كوطن قومي فرنسي؛ يحي آثار أجدادهم الغال والتمسك بالهوية الفرنسية كعنوان يقف خلفه جمهور فرنسي عريض، وانكفاء بريطانيا نحو إحياء قوميتها العريقة ورفضها الانصهار الفعلي ضمن الاتحاد الأوروبي ورفضها تغيير عملتها ومحاولة الخروج سياسيًا من عباءة أمريكا واحتجاجات الأمة البريطانية على حكوماتها لانصياعها للإرادة الأمريكية بوصفها أمة جاهلة وشعوبها أغبياء، يبدو أن هذه التغيرات تفتح الباب من جديد لدى المواطن العربي والمثقفين العرب إلى إعادة طرح فكرة الوحدة العربية وصياغة مشروع عربي نهضوي؛ يعيد بناء أسس الوحدة العربية ضمن رؤيا واضحة وأسس بنيوية إنتاجية تؤسس لاقتصاد قوي غير مشوه؛ مستفيدين من مقدرات أمتنا ومحققين حلم جماهيرها الذي كاد أن يتلاشى أمام فشل تجارب الوحدة التي خاضها العديد من القادة العرب؛ كان أبرزها تجربة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، هذه التجربة رغم قصر عمرها وفشلها لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقًا ظلت تعيش في عقل ووجدان جماهير الأمة المتعطشة للحرية والاستقلال والوحدة.
لم يقدر لهذه الأمة أن تستنشق هواء الحرية والاستقلال الحقيقيين منذ عشرات السنين، فقد رزحت هذه البلاد تحت الحكم العثماني؛ عاشت فيها أقسى درجات الاستغلال والنهب والسلب عبر الضرائب التي بلغت عشرات الأنواع؛ تُقاسِم الفلاح المُنتج لقمة عيشه وتسرق من التجار والصناع في المدن جهدهم وريع تجارتهم، ولم يقف ظلم الحكم العسملي عند حد نهب جهد ومقدرات هذه البلاد، بل سُحب أبنائها لحروب ليس لهم مصلحة حقيقية فيها، والتي عرفت بسفر برلك، حيث اقتيد شباب هذه البلاد إلى حروب طويلة، كانوا هم وقودها وأعلن المُحتل التركي الحرب على العربية كقومية؛ عبر منهج التتريك الذي حاول تغيير عادات وتقاليد ولغة هذه الأمة لكي يسهل ضمها إلى الاقطاعية التركية البغيضة التي جلبت الويلات لأمتنا وأدخلتها في عصر ظلامي دام عشرات السنين. لسنا هنا بصدد الحديث عن الويلات التي جلبها الاحتلال التركي لبلادنا العربية رغم فظاعتها، ولكن لكي نلقي الضوء على بداية تنامي الشعور القومي العربي لدى الجماهير العربية التي ضاقت ذرعًا بالمحتل التركي وبداية إدراكها بأن هذا التركي الذي يسرق وينهب ويفرض الضرائب ويقتل خيرة شبابنا، ليس أخاً مسلمًا يستظل بمظلة الإسلام، إنما عدوًا غاشمًا ولصًا وسارقًا ومستغلًا ويجب محاربته وتطهير البلاد العربية من ويلاته لينشأ حركات تحررية عربية ضد المحتل التركي، هدفها تحرير البلاد والعباد منه ومن ويلاته وإعادة إحياء قومية هذه الأمة وعروبيتها، بعد أن حولها الاحتلال العثماني إلى محمية تركية لا تملك مائها وهوائها ولا تمتلك السيطرة على حدودها أو قرارها.
على ضوء تنامي الظلم والاستغلال الذي مارسه المحتل التركي وتنامي حالة الغضب الجماهيري ضد الاضطهاد والسلب والنهب؛ بدأ الشعور القومي العربي بالتبلور ليصبح وعيًا جماهيريًا لضرورة تحرير الأمة العربية؛ من نير الاحتلال وإعادة الهيبة لهذه الأمة وللحفاظ على مقدراتها من السطو التركي؛ فظهرت حركات تحررية نادت بالقومية العربية وضرورة تفعيل دور القوى العربية الحية وانطلقت عدة حركات بدءًا من الحجاز، حيث أعلن الشريف الحسين بن علي "الثورة العربية الكبرى" عام ١٩١٦، وقاد الملك فيصل جيشًا انطلق باتجاه دمشق عبر الساحل الفلسطيني ليلتقي بجيش اللنبي الذي تجاوز العقبة باتجاه دمشق، ولم يتمكن الملك فيصل من إقامة حكمه في سوريا؛ بسبب معارضة الفرنسيين له، فاتجه نحو العراق وأقام مملكته، هناك ليسدل الستارة على حكم الأتراك للبلاد العربية عام ١٩١٨.
حاول الشريف حسين بن علي إقامة دولة عربية واحدة تحت مسمى الدولة العربية المتحدة، لكن قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي التي دعمت حركته للتخلص من الاحتلال العثماني للوطن العربي، لم يكن لتسمح بوحدة عربية أن تقام في أرجاء هذا الوطن، فتم الإعلان عن دويلات عربية مقسمة وممزقة (كما حددتها اتفاقية سايكس بيكو) وضعت تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي ليخلق الاستعمار الكولنيالي المباشر؛ واقعًا جديدًا قائمًا على خلق دويلات ضعيفة وتابعة؛ مستبدلًا الاحتلال العثماني بالاحتلالين الفرنسي والبريطاني ليبدأ العمل من جديد ضد الاستعمار البريطاني والفرنسي. 
أود أخيرًا أن أُوضح بأن ما أوردته في هذا الجزء من المقالة هي أحداث تاريخية آثرت المرور بها بقصد الربط التاريخي بين حركة التحرر العربي المعاصرة، وبين عمقها التاريخي، في تبلور الوعي القومي العربي فقط، وليس بقصد دراسة تاريخ الأمة في هذه الحقبة، والتي تحتاج مجلدات لتناولها.