Menu

القومية العربية طريق الخلاص: نحو مشروع عربي مقاوم (ج 2)

غسان أبو نجم

سكان فلسطين.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

كان عام ١٩١٨عامًا مفصليًا في تاريخ الأمة العربية، ليس لخلاص هذه الأمة من المحتل التركي، بل لوقوع الوطن العربي تحت نير أعتى احتلال كولونيالي عرفه التاريخ البشري من جهة، وبداية تحقيق الحلم الصهيوني في إقامة وطن لهم في فلسطين بناءً على وعد قطعه وزير خارجية بريطانيا بلفور لروتشيلد الصهيوني الذي سمي الوعد باسمه (وعد بلفور) في العام ١٩١٧.

لقد عمل الاستعمار البريطاني وبالشراكة مع الاستعمار الفرنسي على دحر تركيا الرجل المريض من المنطقة العربية لتحتلها احتلالًا مباشرًا وفرض الوصاية عليها وإقامة سلطة انتداب عبر مبعوثين ساميين يشرفون على إدارة هذه البلاد، وأدت النتائج التي تمخضت عن الحرب العالمية الأولى إلى إعادة اقتسام العالم بعد انتصار الحلفاء وظهور قوى رأسمالية جديدة وذات نفوذ بريطانيا/أمريكا/فرنسا، وظهور معسكر جديد هو المعسكر الاشتراكي بعد نجاح الثورة البلشفية وتشكل الاتحاد السوفييتي ومن حوله دول المنظومة الاشتراكية ألمانيا الشرقية/رومانيا/تشكوسلوفاكيا/ بولندا وباقي بلدان المعسكر الاشتراكي، مما أعاد تمحور العالم من جديد واضحت دول العالم أماكن تجاذب لكلا المعسكرين؛ فكان الوطن العربي تحت الاحتلال الكولونيالي البريطاني/الفرنسي اللتان اقتسمتا الوطن العربي فكانت لبنان/سوريا/تونس/الجزائر/المغرب تحت الاحتلال الفرنسي، وأضحت العراق/دول الخليج الناشئة/الأردن/فلسطين/السودان/ مصر تحت الاحتلال البريطاني محولين، بذلك الوطن العربي دولًا مجزئة تابعة للاحتلالين وأصبحت مقدرات وثروات وطننا العربي تحت سيطرتهما.

  أمام هذا الواقع الجديد ودخول الرأسمالية العالمية مرحلتها العليا (الإمبريالية) وتوسع انتشار الفكر الاشتراكي على الصعيد العالمي ازدادت وتائر الصراع العالمي بين المعسكرين، مما فرض حالة من التكتل الاقتصادي/السياسي عالميًا بين المعسكرين وبشكل متوازي بدأت حركات التحرر من الاستعمار تتوسع وتنتشر وكان في معظمها بدعم وتأييد من الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا كقوى مناهضة للاستعمار الامبريالي العالمي.

بدأ الاحتلال الكولونيالي البريطاني والفرنسي ببسط سيطرته على كافة أجزاء الوطن العربي وساعده في ذلك طبقة الإقطاع المحلي التي وجدت في الاحتلال الجديد مخلصًا لها من نير الاستعمار التركي، حيث قدم قادة الاستعمار الجديد تسهيلات جهويه لممثلي الإقطاع في الريف العربي، مقابل تقديم تسهيلات للمندوب السامي في إحكام السيطرة على البلاد والعباد ومنع أي توجه وطني مناهض للاحتلال من جهة، والتسويق للاحتلال بوصفه الحليف المخلص من نير الاحتلال التركي من جهة أخرى، وقد لعب الإقطاع العربي في هذه الحقبة دورًا سياسيًا هامًا في إرساء الاحتلال وإطالة عمره، بل لعب الإقطاعيون دور الشرطي المحلي والمخبر الصادق والمروج الأمين للاحتلال وسياساته٠ولكن أينما وجد احتلال هناك ثورة، هكذا هي صيرورة التاريخ وأحد أبسط قواعد الصراع؛ فالاصطفاف الذي شهده معسكر الاحتلال مع الإقطاع المحلي (ملاكي الأراضي) في الريف مع طبقة برجوازية مدينية ناشئة في رحم الإقطاع (تجار المدن/فئة المرابين/ملاكي العقارات) التقت مصالحها وفرضت عليها الضرورة ذلك قابلها جماهير الفلاحين الفقراء في الريف والعمال البسطاء وشريحة من المثقفين والمهنين المهرة (أطباء/محامين) في المدينة.

لقد كانت حدة الصراع الطبقي واضحة المعالم، حيث عاشت الجماهير العربية استغلالًا مركبًا؛ استغلال الإقطاع اقتصاديًا، والاستغلال بكل أنواعه من المحتل الأجنبي، هذا الواقع سرّع بوتيرة ظهور حركات وطنية تحررية رفعت شعار التخلص من الاحتلال الأجنبي ونير الاقطاع معًا. شهدت الحقبة ما بين ١٩١٨_١٩٤٨ ظهور العديد من حركات التحرر العربية المناهضة للاستعمار الأجنبي وحلفاؤه الاقطاعيين وبعض القادة الساسيين ذوي الأصول القبلية/العشائرية والبرجوازية الناشئة في المدن. وما ميز هذه الحركات أنها كانت عفويه غلب عليها الطابع الفردي وسيطر عليها التوجه الديني، بمعنى إنها لم تكن تمتلك أيدلوجيا عقائدية ونظرية ثورية تواجه بها المحتل، إضافة إلى ضعف القدرات المادية والخبرة العسكرية وافتقارها للرؤية السياسية (ثورة العشرين في العراق ١٩٢٠، وثورة عام ١٩٤١ ضد الاستعمار البريطاني، كذلك ثورة عام ١٩٢٥ في سوريا ضد الاستعمار الفرنسي، وثورة عام ١٩٣٦ في فلسطين، وثورة عام ١٩١٩ في مصر ضد المحتل البريطاني)، وهذه السمات العامة ميزت معظم حركات التحرر المحلية الناشئة من شمال الوطن العربي إلى جنوبه، سوى بعض الأحزاب والحركات المنظمة، والتي امتلكت نظرية ثورية عقائدية كالأحزاب الشيوعية التي بدأت نشاطها بدعم وتوجيه من الاتحاد السوفيتي.

 خلاصة القول أن هذه الحركات التحررية الناشئة لم تكن تمتلك توجهًا عروبيًا واضحًا، وإنما غلب على معظمها التوجه الديني أو التوجه الأممي اللذان لم ينجحا في بلورة مشروع فكري عربي يسعى إلى إعادة توحيد الأمة العربية، رغم الدور النضالي الذي لعبته هذه الحركات في مقارعة الاحتلال البربطاني/الفرنسي، ولكن شكلت الأرضية الخصبة لظهور تيارات وحركات ذات توجه عروبي مقاوم، بدأت بالظهور والتبلور على امتداد الوطن العربي وأسهم في سرعة ظهورها احتلال فلسطين إبان حرب عام ١٩٤٨ من قبل العصابات الصهيونية المدعومة من الاستعمار البريطاني.

كان عام ١٩٤٨ عامًا مفصليًا في تاريخ الأمة العربية، بل والعالم أجمع، حيث أدى الاحتلال الصهيوني لفلسطين وتهجير سكانها الأصليين غلى الدول العربية المحيطة بدعم بريطاني وإمبريالي عالمي إلى إعادة رسم خريطة العالم العربي من جديد من جهة، ونشوء فكر سياسي قومي عروبي مناهض للاحتلال الصهيوني من جهة أخرى. لقد أنجزت بريطانيا الوعد الذي قطعه وزير خارجيتها بلفور لروتشيلد الصهيوني بإقامة دولة لليهود في فلسطين حين أعلنت حربًا علنية مفتوحة على فلسطين؛ عبر دعمها للعصابات الصهيونية التي توافدت على فلسطين كما أسلفت سابقًا هذه العصابات الصهيونية المسلحة بدأت باقتحام المدن والبلدات الفلسطينية؛ مرتكبة أبشع الجرائم ضد شعبنا الفلسطيني (دير ياسين/الطنطورة/أبو شوشه وغيرها الكثير)، وتشيع الرعب في صفوف الشعب الفلسطيني الذي أصبح معزولًا ومحاصرًا من القوات البريطانية من جهة التي سهلت تسليح وتدريب وتسهيل حركة العصابات الصهيونية ووقفت ضد أي محاولة للمقاومة الفلسطينية وحاصرت المدن والقرى الفلسطينية لتسهل عملية الاحلال القسري للعصابات الصهيونية، بدل السكان الأصليين وسهلت عمليات الهجرة الجماعية للجماهير الفلسطينية؛ عبر الطرد القسري وعبر إشاعة حالة من الرعب من مجازر جماعية ارتكبها الصهاينة من جهة أخرى.

لقد استخدمت العصابات الصهيونية الحرب النفسية واعتمدت على الدعم اللوجستي البريطاني، إضافة إلى الدعم السياسي العالمي الذي وفر حالة الاحلال لعصابات مستقدمة بدل شعب آمن في بلاده فلسطين؛ رافقه حالة من التواطؤ والخذلان العربي الرسمي وضعف وعي وتعبئة جماهيرية وغياب الأحزاب السياسية المنظمة والقائدة للجماهير العربية.

 إن الاحتلال لفلسطين التاريخية لم يبدأ عام ١٩٤٨، بل بدأ منذ قدوم أول مٌغتصب صهيوني إليها، منذ الاحتلال التركي ودخول العصابات الصهيونية في عهد الاستعمار البريطاني، وما كان عام ١٩٤٨ سوى عام الانقضاض الرسمي العلني على أرض فلسطين وتهجير شعبها واقتطاع جزء هام من فلسطين التاريخية لعصابات صهيونية لتقيم دولة عصابات بدعم عالمي وخضوع عربي رسمي، وليفقد الوطن العربي جزء هام من أراضيه؛ شكل فقدانه البداية الحقيقية لتشكل الوعي العربي وبداية ظهور تيارات فكرية وسياسية ذات طابع عروبي لتشكل المقدمات النظرية لظهور الفكر القومي العربي.