Menu

البيان الختامي لحوار الفصائل في القاهرة وضع العربة أمام الحصان

عليان عليان

خاص بوابة الهدف

كالعادة يصدر بيان ختامي عن اجتماع الفصائل، متضمناً بنوداً منمقة تشي بتقدم نحو الأمام وتهلل له الجماهير الفلسطينيةالتي تتحرق شوقاً للوحدة الوطنية، ولاستمرار النضال من أجل دحر الاحتلال والاستيطان، وإن كانت مضامين بعض البنودتنطوي على مواقف قابلة للتفسير باتجاه سلبي.

في الشكل علق المراقبون،بأن أهمية اللقاء، تكمن في اجتماع كل الفصائل على مائدة الحوار بأريحية كاملة، وعدم تخلل الحوار حالة من العصبية، ناهيك عن عدم تشنج العلاقات بين طرفي الانقسام عشية وأثناء الحوار، والتصريحات المتبادلة حول التنازلات المتبادلة لمصلحة القضية، هذا من جانب ومن جانب آخر من حيث الشكل، رأى البعض أن اللقاء بحد ذاته والوصول إلى بيان ختامي،وجه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الموقف الفلسطيني بات موحداً.

وفي الشكل: تجاهل المراقبون، أن راعي اللقاء رغم واجب الضيافة والتسهيلات التي قدمها  لفصائل الحوار على أرضه،منحاز لنهج السلام المزعوم، في ضوء التزامه الصارم بنهج كامب ديفيد، ومنحاز جداً لنهج التطبيع العربي الرسمي بعيداً عن مفردات مبادرة قمة بيروت عام 2002، كما تجاهل هؤلاء المراقبينبأن الضمانات التي قدمها هذا الراعيوغيره من دول الإقليم  لمختلف الفصائل، بشأن الالتزام بنتائج الانتخابات، إنما تصب في توظيف نتائجها، باتجاه المضي في المفاوضات البائسة التي ألحقت أكبر الضرر بقضية شعبنا ووحدة قواه الوطنية.لكن (الشكل) في قضية مثل القضية الفلسطينية، رغم  النفخ فيه  من قبل البعض في الساحة الفلسطينية، وإعطائه هذه الأهمية الكبيرة، لا يفيد شعبنا ولا يفيد قضيتنافي ضوء الأخطار التصفوية المحدقة بها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 وحتى صفقة القرن 2020، فالمجتمع الدولي يقيم أي بيان فلسطيني، من زاوية الاستمرار في التمسك بحل الدولتين وفق مرجعية أوسلو، ونبذ المقاومة، دون الإشارة من قريب أو بعيد إلى حق العودة للاجئين الفلسطينيين، ناهيك أن المؤتمر الدولي الذي ينادي به رئيس السلطة الفلسطينية، لم ولن  يتغير من المنظور الأمريكي الكيسنجري منذ عام 1974، الذي يرى فيه منصة احتفالية شكلية وغطاء للمفاوضات الثنائية المباشرة.

عصف سياسي في الحوار الشامل قبل إقرار البيان الختامي

ما يهمنا هنا هو مضمون البيان الختامي، الصادر عن الحوار الفلسطيني الشامل بتاريخ 9-2- 2021، الذي يفترض فيه أن يعكس مشروع الحركة الوطنية الفلسطينية بأطيافها المتعددة، إن على صعيد الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير على قاعدة إعادة بنائها في سياق وطني وديمقراطي، ومشاركة الجميع في مؤسساتها وسفاراتها، وإن على صعيد البرنامج الوطني الجامع وفق عنوان المقاومة المركزي.

وهنا نشير إلى أن العصف الفكري والسياسي، الذي كان للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دوراً أساسياً فيه، من خلال الورقة السياسية الغنية التي تقدمت بها للحوار، والذي أبرزت فيه المفاصل الأساسية، التي بدون معالجتها، لا يستقيم العمل الوطني الفلسطيني، خاصةً من زاوية إشارتها إلى أن المطلوب من الانتخابات هو تجديد المشروع السياسي الفلسطيني على قاعدة تفعيل نهج المقاومة والقطع مع نهج المفاوضات بمسمياته المتعددة، وليس منح الشرعية مجدداً لنهج المفاوضات الأوسلوي في ملاقاة استرضائية للرئيس الأمريكي جوزف بايدن ومشروع الحزب الديمقراطي الأمريكي، الذي لم ولن يخرج عن تحقيق المصالح الإسرائيلية.

 لماذا ترحيل البند المتعلق بالمجلس الوطني ومنظمة التحرير إلى آذار(مارس) القادم؟

لكن هذا العصف الفكري، الذي تمكنت  "الجبهة الشعبية" بشكل رئيسي ومعها بعض الفصائل، من فرضه على مجريات الحوار، في الوقت الذي تحدثت فيه بعض الفصائل بخجل دونما ملامسة القضايا الرئيسية، حرصاً منها على عدم إغضاب السلطة...هذا العصف لم يجرِ تثميره في مفردات البيان الختامي، وإن كان تم  ترحيله إلى شهر آذار (مارس) القادم تحت البند رقم (1)الذي ينص "على أنه سيتم عقد اجتماع الفصائل الفلسطينية في القاهرة خلال شهر مارس القادم، بحضور رئاسة المجلس الوطني ولجنة الانتخابات المركزية، للتوافق على الأسس والآليات التي سيتم من خلالها استكمال تشكيل المجلس الوطني الجديد، بهدف تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وتعزيز البرنامج الوطني المقاوم انطلاقا من كوننا حركة تحرر وطني."

والسؤال هنا: ما الذي يضمن أن يصل الاجتماع في مارس (آذار) القادم إلى النتائج المرجوة بشأن تشكيل مجلس وطني جديد يشكل أساساً لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية وديمقراطية،وتشارك فيه جميع القوى الوطنية والاسلامية؟ وما الذي يضمن أن توافق قيادة فتح والسلطة على برنامج إجماع وطني يقطع مع نهج المفاوضات الأوسلوي وحل الدولتين؟ وما الذي يضمن أن توافق قيادة السلطة وحركة فتح على أن يكون رئيس دولة فلسطين منتخباً من عموم الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات؟وما الذي يضمن إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير لأن تكون مسؤولة عن السلطة وليس تابعاً لها؟ ثم أن الحديث عن وثيقة الأسرى على أهميتها كأساس لا يكفي، في ضوء العديد من المتغيرات اللاحقة، وفي ضوء تغول نهج التنسيق الأمني، واستسهال التراجع عما يتم التوافق عليه.

باختصار شديد نقول: في حال عدم إنجاز ما تقدم، تكون قيادة السلطة نجحت في تكتيك تمرير موضوع الانتخابات في شقيه "الانتخابات الرئاسية وانتخابات المجلس التشريعي" بعيداً عن الأساس السياسي والتنظيمياللازم لإعادة بناء منظمة التحرير على أسس ديمقراطية،والضامن لبلورة برنامج الإجماع الوطني، ونكون والحال هذه كمن يضع العربة أمام الحصان، بل وأكثر من ذلك، سنكون أمام انزلاق العربة وترك الحصان وحيداً.

 البيان الختامي أعطى الأولوية لانتخابات المجلس التشريعي

لقد كان بالإمكان مناقشة بند "المجلس الوطني ومنظمة التحرير" بشكل مفصل في الحوار، وعدم ترحيله، والوصول إلى نتائج حاسمة بشأنه، وعدم التذرع بعامل الوقت  إذ أن تأجيله أعطى الأولوية عملياً لبند الانتخابات،بدون وضع الأساس السياسي المطلوب لها، ما يجعل الفصائل تقع في فخ مشروع السلطة، الهادف على وجه التحديد إلى تجديد مشروعها السياسي القديم – الجديد، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن البيان الختامي في كافة بنوده، باستثناء البند الأول يركز فقط على الانتخابات التشريعية في الضفة والقطاع على نحو:

التأكيد على دعم لجنة الانتخابات المركزية والعمل على تذليل أية معوقات تواجهها کيتتمكن من القيام بمهامها على أكمل وجه/تشكيل محكمة قضايا الانتخابات/ دور الشرطة في تأمين مقار الانتخابات/ضمان توفير الحرية كاملة للدعاية السياسية لكل الفصائل والقوى/ضمان حيادية الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعدم تدخلها في الانتخابات او الدعاية الانتخابية لأي طرف سياسي/التعهد بتوفير فرص متكافئة في أجهزة الاعلام الرسمية دون تمييز لجميع القوائم الانتخابية.فهذه البنود في السياق الإجرائي الانتخابي للمجلس التشريعي،إذا نظرت إليها بشكل مجرد فإنها صالحة في معظمها في كل زمان ومكان، لأي  كيان سياسيلا يعيش مرحلة تحرر وطني، وإن كان بالإمكان التوقف عند بعض مضامينها وخاصة البندين (6)  و (9)؛  فالبند (6) الذي  نص على(الافراج الفوري عن كل المعتقلين على خلفية فصائلية أو لأسباب تتعلق بحرية الرأي، وضمان حق العمل السياسي والوطني للفصائل الفلسطينية كافة في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتوقف عن ملاحقة المواطنين على خلفية الانتماء السياسي او الرأي، بما يوفر بيئة ملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ويدعو المجتمعون السيد الرئيس "أبو مازن" لإصدار قرار ملزم بذلك وتشكيل لجنة رقابية وطنية لمتابعة التنفيذ."فهذا البند من واقع التجربة،هنالك شك كبير أنتلتزم قيادة السلطة به، في ضوء أنه يتناقض مع نهج التنسيق الأمني التي أعادت الالتزام به هذا ( أولاً ) و (ثانياً) لأن قيادة السلطة والناطقين باسمها كانوا يردون على الجهات التي تطالب بالإفراج عن المعتقلين من بقية الفصائل أو من مناضلين مستقلين  بالقول: "أنهم معتقلون لأسباب أمنية وليس لأسباب سياسية،أو لأسباب تتصل بحرية الرأي"...وبهذا الخصوص يمكن القول أن حماس سبق وأن رفضت الإفراج عن معتقلين من " فتح " بذريعة "أنهم أيضاً معتقلون لأسباب أمنية وليس لأسباب سياسية".

أما البند (9) الذي ينص على "التعهد بتوفير فرص متكافئة في أجهزة الاعلام الرسمية دون تمييز لجميع القوائم الانتخابية "..فهذا البند قد لا يتم إنجازه في ضوء أن قيادة السلطة لا تجرؤ على السماح لقوائم تحالفات حماس وغيرها، بالظهور العلني على شاشة التلفزيون الفلسطيني أو في إذاعة فلسطين الرسمية لطرح برامجها، خشيةً من إغضاب الكيان الصهيوني، هذا ( أولاً) و(ثانيا) لأن السلطة وفق نهجها لا تختلف عن بقية دول العالم الثالث التي تمنح الأفضلية من حيث الوقت  لحزبها الحاكم.

وأخيراً بقى أن نشير، إلى أنه جرى التعامل في البيان الختامي مع موضوع معالجة  الانقسام بشكل مسطح، وعبر تكتيك الهروب إلى الأمام؛ فالبند رقم (10) نص على "معالجة افرازات الانقسام في جوانبها الإنسانية والاجتماعية والقانونية على أسس وطنية شاملة...الخ "...إذ أن أبسط البديهيات تقول "أن معالجة آثار الانقسام" يستدعي بالضرورة معالجة الانقسام نفسه، أي "معالجة الأصل قبل معالجة النتائج"، خاصةً وأن معالجة هذا الموضوع لن يبدأ من النقطة (صفر)،بل سبقه اتفاق جرى توقيعه في بيروت في 12 أكتوبر (تشرين أول) 2017، وثلاث اتفاقيات سابقة للمصالحة، جرى توقيعها في القاهرة والدوحة وفي مخيم الشاطئ بقطاع غزة في الأعوام 2011 ، 2013 ، 2014م.