Menu

أزمات الإقليم في طريقها للحلّ… أم لا؟!

جمال زهران

خاص بوابة الهدف

من دون شك، يُعتبر الإقليم بمستوييه (العربي والشرق أوسطي)، من أكثر أقاليم العالم سخونة، وأكثر المناطق التي تشهد صراعاً دولياً على مدار التاريخ، بدرجة أكبر من أيّ من المناطق الأخرى، وتلك هي حقيقة لا تقبل جدلاً، ولا ترقى إلى الشك. وقد تكون العوامل الجغرافيّة هي الأكثر حسماً في جعل هذه المنطقة الأكثر تعرّضاً لتنافس دولي للسيطرة عليها بمنظور(الجيواستراتيجي).

ووفقاً لنظرية (ماكيندر) وتقسيمه لأقاليم العالم، فإنّ المنطقة العربية والشرق الأوسط، هو بمثابة القلب من الجسد العالمي كله، ومن ثم يمثل قنطرة أو جسر التواصل بين الشرق والغرب. ولذلك أكد (ماكيندر)، على أنّ من يسيطر على هذا الإقليم، يستطيع السيطرة أو التحكم في العالم كله، مع ضمان مصالح الدول الكبرى الراغبة في السيطرة. أيّ أنّ من يسيطر على القلب، يستطيع التحكم في ضخ الدم في شرايين العالم كله.

ومنذ انتهاء الحرب الثانية عام 1945، وقد مرَّ بالنظام الدولي، العديد من السمات بين الهدوء والاستقرار والحرب، وبين سيطرة أحادية وثنائية وتعددية، وكان الإقليم العربي والشرق أوسطي هو مسرح الصراع الدولي، واستمرّ إلى أنّ تفكك الاتحاد السوفياتي بنهاية عام 1991، لتنفرد الولايات المتحدة الأميركية بهذا النظام الدولي لمدة عقدين متتاليين، حتى تفجّرت الثورات العربية بإرادة ذاتية ودعم خارجي، بدأت في تونس ومصر، بجدية ثم تحركت كرة الثلج في بعض مناطق ودول الإقليم وعلى فترات متتالية، خلال عقد من الزمان (عشر سنوات – 2011  2021).وكان من جراء السيطرة الأميركية على الإقليم خلال التسعينيات من القرن العشرين، وخلال السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين، (1991 – 2011)، أن ازداد الإقليم تبعية لها، واستسلاماً لرأسماليتها المتوحشة. واستمرّت الولايات المتحدة تمارس القهر على غالبية دول الإقليم. وفي المقابل تولد وازداد قوة بمرور الوقت، محور المقاومة ضدّ أميركا والكيان الصهيوني والرجعية العربية، امتداداً لفكر المشروع الناصري ومبادئه. وأضحى أمامنا في الإقليم قوس المقاومة (لبنان – سورية – العراق – إيران).

وبغزو أميركا للعراق واحتلاله في عام 2003، وتدمير الجيش العراقي وتفكيك الدولة ونهب مقدراتها وفي المقدمة البترول، وإقامة نظام عميل للغرب بالقوة، وإشعال الفتنة بين طوائف الشعب العراقي بين (سُنة وشيعة وكرد إلخ… ).ولم يهدأ بال الغرب عند هذا الحدّ، بل حاولت قوى الاستعمار الأميركي المدعوم غربياً والمدعوم من الرجعية العربية (السعودية ودول الخليج) بالتمويل، تمّ البدء في تنفيذ المؤامرة في تدمير سورية وإسقاط نظامها، ولم يفلحوا حتى الآن. لتنتقل المؤامرة إلى ليبيا ، وتمّ تدميرها وإسقاط نظام معمر القذافي، وكذلك في اليمن وإسقاط نظام علي صالح، ثم السعي نحو تفكيك لبنان وإشعال الفتنة فيه، ليصبح المشهد أكثر ميلاً إلى تعرّض الإقليم لأزمات هيكلية منذ الاحتلال الأميركي للعراق، وحتى الثورات العربية وما بعدها من تداعيات، ومحاولة تنفيذ المشروع الأميركي الصهيوني لتفكيك الإقليم وإعادة بنائه بمساعدة ودعم الرجعية العربية. لذلك شهد الإقليم أزمات عنيفة الدرجة، والتأثير، ولا زالت مستمرة حتى الآن.

وفي مقدمة الأزمات، الأزمة السورية، والأزمة اليمنية، والأزمة الليبية، وتلك هي أزمات ثلاث كبرى. بينما الأزمات الأقلّ درجة توجد في العراق وفي لبنان، كما أنّ الاستقرار لا يزال بعيداً عن تونس ومصر، و السودان والجزائر، والبحرين، ومن ثم فإن الإقليم لا يزال مشتعلاً!

والسؤال هنا: هل هناك فرصة لحلّ أزمات الإقليم سواء على المستوى العربي أو الشرق أوسطي، في ظلّ إدارة «بايدن» الديمقراطي، بعد إزاحة «ترامب» الجمهوري المتغطرس، والذي كان يشجع على استمرار الأزمات من دون حلّ؟

في تقديري، أنه في ظلّ قراءة خطاب بايدن أثناء الحملة الانتخابية والتشابك مع ترامب، وبالمقارنة مع بدايات القرارات التي اتخذها بايدن، حتى الآن، يمكن القول إنّ الإقليم ربما يدخل مرحلة انفراجة أزماته، وإشاعة درجة كبيرة من درجات الاستقرار، مقارنة بالحقبة الأولى التي صاحبت الثورات العربية والمؤامرات، في الفترة من 2011-2021. وقد كشفت هذه الأزمات عن أوزان وقدرات النظم التي تعرّضت لمؤامرات خارجية كبرى، في مقدمتها سورية، في درء هذه المؤامرات بما حال دون سقوط نظامها، الأمر الذي دعا المتآمرين إلى التراجع.

ويكشف الخطاب الرسمي لإدارة بايدن على لسانه أو مساعديه، رغم محدوديته، عن ميول هذه الإدارة إلى تصحيح أخطاء وقعت فيها إدارة أوباما الديمقراطية، والانقلاب على سياسات ترامب المتغطرسة. ويمكن أن تكون النتائج أفضل، لو تمّ التنسيق العربي مع روسيا والصين في مواجهة إدارة «بايدن» .ولعلّ القرار الأميركي بوقف الحرب في اليمن، وبداية حلّ الأزمة الليبية في ضوء ما توصلت إليه الأطراف المتنازعة برعاية الأمم المتحدة، والأطراف الأوروبية المعنية، وبداية الانسحاب الأميركي من سورية والعراق، وتفعيل آلية حقوق الإنسان للضغط على الأنظمة الاستبدادية، قد يقود إلى تغييرات كبرى يشهدها الإقليم، وتسهم في احتواء وحلّ أزمات الإقليم، وقد تجد طريقها نحو الحلّ.