Menu

الإخوان المسلمون دورهم الفكري والسياسي وتعبيراته المختلفة

فلسطين بين سايكس بيكو وصفقة القرن (ج15)

حاتم استانبولي

خاص بوابة الهدف

في البداية أود أن أؤكد أن نقد فكر ودور الإخوان المسلمين لا يعني نقد الدين الإسلامي كدين أو فكر، بل هو نقد لفكر الجماعة الإخوانية ودورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وسيكون تحت عنوانين فكري وسياسي.

فكريًا:

من حيث الجوهر لا تختلف الجماعة الإخوانية عن الوهابية؛ من حيث إنها حركة سلفية تريد أن تعيد بناء المجتمع على أسس ومنطلقات أعلن عنها إمامهم السيد حسن البنا الذي عبر عنها في رسائله التي أكد فيها على رؤية الجماعة الفكرية والسياسية ودورها الديني وموقعها في الحياة السياسية؛ من حيث ولائها لولي الأمر أو تعارضها معه. وفي البداية رفعت حركة الإخوان المسلمين شعارات دعوية تعبوية أكدوا فيها أن مهمتهم الرئيسية هي الوصول لحكم إسلامي رشيد، في إشارة إلى نفي الصفة الإسلامية عن المجتمعات القائمة، واعتبار أن المجتمعات الإسلامية تغاضت في سلوكها عن تطبيق التعاليم الإسلامية، بالرغم من أنها خضعت لأكثر من أربعمائة عام تحت الخلافة الاسلامية العثمانية وقوانينها وأعرافها الإسلامية.

جاء تأسيس الجماعة في ظروف تراجع وانهيار الخلافة العثمانية الذي أحدث فراغًا في الدور المرجعي الذي أحدثة انسحاب الدور الديني للخلافة العثمانية ليفتح الطريق لتهيئة الظروف لنشوء الجماعة وإعلان انطلاق حركتها التي اتخذت من مصر مكانًا ومقرًا لها.

الفكرة الجوهرية لجماعة - الإخوان المسلمون - هي استعادة الحكم الإسلامي، هذه الفكرة التي على أساسها وضع الإمام حسن البنا فكره الذي وضحه في رسائله التي أسهب فيها حول أفكاره ومواصفات عضو الجماعة ودورها والموقف من النظم  والعلاقة معهم، وبذات الوقت حدد مواصفات المسلم ووضع له أصولًا لفهم الإسلام سميت بالأصول العشرون.

خضع فكر الجماعة إلى اتجاهين رئيسيين يعبران عن قطبي الجماعة الإمام حسن البنا وسيد قطب، هذان الاتجاهان المكملان لبعضهما؛ من حيث تعريف الجماعة ودورها الديني والسياسي، وبالرغم من أن سيد قطب التحق متأخرًا بالجماعة ما بعد اغتيال الإمام حسن البنا، إلا أنه أصبح من المؤثرين القلائل في فكر الجماعة ومرجعًا لها وللعديد من التنظيمات الجهادية بدءً بالتكفير والهجرة في مصر إلى القاعدة وداعش والنصرة وأحرار الشام وهيئتها.

المدقق في رسائل حسن البنا يدرك أن الإمام وضع ناظمًا ومعيارًا سلوكيًا لأعضاء الجماعة ووضعهم في تصادم مع المجتمع (الضال) الذي شرح بإسهاب عن ضلاله وخروجه عن الإسلام وتعاليمه والأصول العشرون التي هي في الجوهر معيارًا لدور جماعة الإخوان السياسي والفكري، وكثف فكرها في شعارها الذي يعكس مفهوم الإسلام من أنه دين ودولة وسيف وقرآن، لكنه أكد على أن مفهوم الدولة في الإسلام، ليس مفهومًا حصريًا، بل يحمل شمولية الفكرة الإسلامية، حيث أشار في رسائله أن  الحدود الوطنية في المفهوم الإسلامي جوهرها مفهوم شمولية الإسلام، وبناء على هذا أخذ تنظيم جماعة الإخوان صفته الشمولية العالمية. كل من الإمام حسن البنا وسيد قطب حددا أن الإخوان المسلمين وفكرهم هو الناظم لحصرية الفكر الإسلامي، والمعيار هو مدى جدية سلوكهم في استعادة الحكم الاسلامي وهم الحَكَم والحاكِم  لمُحاكمة مدى إسلامية الأفراد والحُكام والنظم.

الناظم والمعيار لفكر الجماعة بالجوهر يصادر الأحقية الإلهية في المحاسبة،  - وهذا حسب الكثير من الباحثين والكتاب الإسلاميين - يتعارض مع ما جاء في النص القرآني حول يوم القيامة والحساب الإلهي الذي لا يعير أية أهمية للدور الجماعي للجماعة، وإنما يحاسب البشر كأفراد على أفعالهم،  وكل يحمل كتابه بيمينه وأن الله هو الخالق للكون وما عليه، وبحكم ذلك فهو لا يعير أية أهمية لأية حركة دينية سياسية ولا يخصصها لنشر دعواته الدينية وحَصَرها في رسل بعثوا ليبلغوا عن تعاليمه وارشاداته وترك للإنسان حرية الخيار، وعلى أساس هذا، فإن المحاسبة يوم الآخرة ستكون على أساس السلوك والأفعال الإنسانية الفردية، هذا يتناقض مع جوهر الفكرة الإخوانية وحصرية التمثيل والتفسير والمحاسبة الدنيوية على أساس تقييمهم للمجتمعات والأفراد والنظم.

سيد قطب عبر عن فكر الجماعة بشكل أوضح، خاصة بما يخص المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي (الضال)، حيث وضع الجماعة في تناقض مع المجتمع، وبهذا وضع فكره وفكر الجماعة ناظمًا ومعيارًا للمحاسبة، هذا المفهوم الذي أسس لفكر الاتجاهات التكفيرية التي خرجت من رحم الجماعة وعلى خلاف معها حول تفسير النص الديني الذي كان قد حدد الإمام البنا أن  تُعتمد اللغة العربية كأساس لتفسير النصوص القرآنية، وهنا فإن الخلاف حول تفسير النص الديني هو الذي دفع سيد قطب لتعديل فكر الجماعة عبر تفسير أوضح لأفكار الإمام البنا، وأصبح الخلاف أو الاجتهاد حول تفسير النص هو المعيار للموقف من المجتمع والنظم، وهذا المعيار أسس  لبروز الاتجاهات التي استندت لفكر وتفسير سيد قطب للخروج عن الجماعة وتأسيس تنظيمات كفرّت المجتمعات ونظمها السياسية.

فكر الجماعة إذا ما أصبح هو الناظم والمعيار، فإن الصراع على تطبيقاته الملموسة يؤدي إلى الفوضى والتطرف، ويصبح تعارضهم مع المجتمع أو الدولة أو فيما بينهم، وفي بعض الحالات والظروف قد يصل (أحيانًا) للتناقض التناحري الذي يشكل سقفًا يحكم مواقفهم أي (ناظمًا)، هذا الصراع على مفهوم تطبيق أحقية تفسير الفكرة الدينية؛ يحرف جوهر الصراع الإنساني، خاصة في الجانب الاجتماعي والاقتصادي؛ من صراع من أجل تحسين ظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحقيق قيم العدالة الإنسانية إلى صراع على صحة تطبيق النص الديني الذي يعبر عن العدالة الإلهية التي حددت مفاعيل تحقيقها يوم الحساب، وبحكم أن الخلاف لا يخرج عن التفسير اللغوي، أي صراع حول تفسير النص أو المقولة أو الكلمات وفصلها عن سياقها التاريخي، وأخذها كنص سلفي حرفي لإسقاطه على الواقع الملموس، فهو في الجوهر يصادر فيه الأحقية الإلهية في التقييم والمحاسبة في الآخرة.

 إن الصراع حول صحة المقولة أو النص وإسقاطه على الواقع هو ما يشكل إطارًا  لتعارضهم الداخلي وشكلًا لتناقضهم مع المجتمعات ونظمها السياسية؛ إن كانت محلية أو إقليمية أو دولية، وفي هذا يدخلون في دوامة الخلاف والتعارض والتناقض والصراع حول النص والتفسير اللغوي والظرف التاريخي. لذلك، فإن أخطر ما يواجهه الفكر الديني هو انتقائية النص وامتلاك حصري لصحة تفسيره وإخراجه من سياقه التاريخي وإسقاطه على الواقع الملموس؛ دون إدراك لمتغيرات التطور التاريخي، واعتبار فكر الجماعة وتفسيراتها للنص الديني وتطبيقاته الملموسة  هي الناظم والمعيار لتقييم الخطأ والصواب، ومحاولة اضفاء طابع القدس ية عليه، بحيث يفقد إمكانية حواره أو تطوره، وتنتقل هذه القدسية لحاملي النص الجماعة وتكتسب تفسيراتهم طابع القدسية حتى لو اختلف مع المعطيات العلمية الملموسة، وهذا ينعكس في أفعالهم الملموسة، ويصبح النقد الذي يطالهم هو نقد للذات الإلهية، وبما أن تفسير النص بالنهاية سيعبر عنه في سلوك ملموس، فإن السلوك سيتعارض مع حاجيات التطور الإنساني، ويصبح ملائمةالواقع الملموس مع تفسيرهم للنص يتعارض مع النظم الإنسانية؛ إن في جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا يعني تقويض الواقع لمصلحة تفسير النص الذي يُدخل المجتمع في دوامة الفوضى لعدم توافق تفسير النص مع المتطلبات الإنسانية إن كانت علمية أو حقوقية أو اجتماعية، هذا ما شاهدناه ونشاهده في سلوك القاعدة وداعش وأخواتها والنصرة وأحرار الشام وهيئة تحرير الشام،؛ فالتعارض حول تفسير النص الديني وتحويله إلى سلوك ملموس؛ أسس لخروج كافة التنظيمات والحركات الأكثر تطرفًا؛ من الإخوانية على قاعدة تفسير النص وتطبيقاته، ودخلوا في صراع دامي مع أنفسهم ومع مجتمعاتهم.

إن النص من الممكن أن يتحول في أية لحظة تاريخية إلى قوة مادية ملموسة إذا ما تمكنت الفئة الحاملة للنص من امتلاك هذه القوة، وأبرز مثال على ذلك هو الحركة الوهابية والإخوان المسلمون والتكفير والهجرة والقاعدة وداعش وأحرار الشام وغيرهم،  جميعهم أخرجوا النص الديني من سياقه التاريخي ووضعوه كناظم ومعيار للقوانين الإنسانية وأعطوا لأنفسهم الحق الإلهي في المحاسبة، وأخضعوا المجتمع لسلطتهم وسلطانهم واستثمروا في هذه الفكرة خارج حدودها الإقليمية، باعتبار أن الإسلام فكر شمولي) ونشروا فكرهم واستخدموه كغطاء لتبرير دعمهم للفئات الأكثر تطرفًا في الدول والمجتمعات.  

إن فكر جماعة التكفير والهجرة الذي خرج من رحم الفكر الإخواني لسيد قطب واستكمل في فكر القاعدة وتفريخاتها؛ داعش وأخواتها، هو فكر وجد بذوره في تفسير النص الديني عند الوهابية والإخوانية الذي وضع فكرهم في تصادم مع المجتمع المسلم وتناحر مع من هم خارج المجتمعات الإسلامية، بغض النظر عن شكل نظمها أو لونها السياسي أو خلفيتها المعرفية، وأي محاولة تجري لتجميل الصورة لتعيد إنتاج فكرهم على أنه فكر اعتدال (القرضاوية) هي محاولة بائسة؛ تعيد إنتاج فكر سيد قطب والسلوك الإخواني بصورة أكثر تطرفًا، كما بدى واضحًا في موقف القرضاوية وتجمع علماء السلمين الإخواني والرئيس مرسي من الصراع في سورية و ليبيا . إن أي تعارض مع الفكر النقدي لقدسية النص التفسيري المحصور بفكر الجماعة وتفريخاتهم على أنه لا يتصادم مع المجتمع الإسلامي وغيره، إنما يعبر عن مفهوم مهادن لفكرهم وقبول بأن فكرهم هو الناظم وسلوكهم هو معيار للمجتمع. هذا الموقف المهادن سيساهم في إعادة إنتاج فكرهم بأشكال وأسماء مختلفة وتعميم لسلوكهم الذي يتعارض؛ من حيث الجوهر مع متطلبات تطوير المفاهيم الدينية لتواكب التطور الإنساني ومتطلباته، وبما أن إنتاجها يأتي من خلال عزل النص عن ظرفه التاريخي؛ من حيث أسبابه والظروف المحيطة التي أوجبته، فإن تعبيراته تأخذ شكلًا عبثيًا متطرفًا خارج السياق التاريخي وتحد وتحارب أية رؤية أو محاولة لملائمة تطوير النصوص مع متطلبات التطور العلمي والمعرفي الإنساني.

التدقيق في جوهر الفكرة التي أخذت عدة مسميات تجدها واحدة، وبالتالي فإن الفكرة الداعشية وأخواتها موجودة في جوهر فكرهم القائم على تكفير المجتمع، تحت عنوان تسميته بالمجتمع الجاهلي عند سيد قطب، ومهمة استعادة الحكم الإسلامي عند الإمام حسن البنا الذي يفهم منه أن ما هو سائد ليس إسلاميًا، وحصر مفهوم الإسلام وتطبيقاته بفكر الجماعة وسلوكها. فكر الجماعة وضعهم في تعارض وتناقض في بعض المراحل مع المذاهب والمدارس الإسلامية الأخرى واعتبر الخلاف على تفسير النصوص الدينية والأحداث التاريخية التي حصلت أثناء الخلافات الإسلامية ما بعد موت الرسول؛ أساسًا لمحاكمة موقفهم من المذاهب والمدارس الإسلامية، والأبرز في هذا الخلاف، كان على أساس سياسي من طبيعة نظم الحكم الإسلامية ما بعد الخليفة عثمان بن عفان، هذا الصراع الذي أخذ طابعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا؛ أسس لخلاف مذهبي بين تيارين رئيسيين في الإسلام. المذاهب والتيارات الأخرى في الإسلام؛ خضعت لذات المعايير في تفسير النص الديني واعتماد حصرية تفسيره، ولكنها كانت تعتمد على ناظم داخلي يتيح الحوار والتطور وملائمة النص مع متطلبات اللحظة السياسية القائمة والتفاعل مع متطلبات التطور الإنساني إلى حد ما، لكنها بقيت في الجوهر تحمل ذات المعايير التقييمية لتفسير النص الديني وحصرية امتلاكه وتوظيفه سياسيًا في إطار المذهب أو التيار أو بموقفه من المذاهب والتيارات الأخرى.

إن كل المحاولات التي جرت من أجل إعادة قراءة فكر الإخوان انحصرت في مدى ملائمة الظروف لإبراز الوجه الأمامي الحسنوي الدعوي أو الظروف المؤاتية لإبراز الوجه القطبي القضائي للإخوان، وهذا اعتمد على أساس الموقف من ولي الأمر  والتوظيف السياسي للفكر الإخواني المتعلق في الموقف من التيارات والأفكار والأحزاب والنظم التي تديرها قوى خارج المنظومة الفكرية للإخوان المسلمين، في حين شكل الإخوان لجنة لإعادة قراءة فكرهم التي نشرت في كتاب (دعاة لا قضاة) لحسن الهضيبي المرشد العام للجماعة ما بعد حسن البنا، في نقد بعض أفكار سيد قطب ومحاولات الشيخ القرضاوي إعادة الطابع الدعوي لفكرهم، إلا إنهم عادوا إلى سيد قطب في المواقف السياسية من عمليات عسكرية إرهابية في سورية عامي 1979 و1980، وأبرزها مجزرة كتيبة المدفعية في حلب 1979، وما تلاها من أحداث مست وحدة المجتمع السوري وأسستن لصراع لاحق؛ طال وحدة المجتمع والدولة، وناهيك عن دورهم في أحداث ( الربيع العربي) في عودة لدورهم الواضح على أنهم قضاة لا دعاة.

الفارق في السلوك بين الوهابية والإخوان من جهة، وبقية المذاهب والتيارات الدينية من جهة أخرى؛ برزت بشكل أوضح في التوظيف السياسي للنص الديني في الموقف من قضايا التحرر الوطني ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن، وهذا ما سأتناوله في البند السياسي في الجزء 16، من هذه السلسلة.