Menu

عزمي نفّاع: "على قدر اسمه.. يضحك"

هند شريدة

عزمي نفاع

فلسطين المحتلة _ بوابة الهدف

تخيّل أن يصبح المَضْغُ تَرَفاً! وتتبدل حاجتك في ممارسة عملية فيزيائية منظمة تُشْبِعُ جوعك، وتُبقيك على قيد الحياة، تضطر على إثرها أن تتخطى عملية قضم الطعام وتقطيعه، ذاهباً الى هرسه مباشرة، ليغدو في صحنك كل فطور وغذاء وعشاء طعاماً مهروساً، تستطيع تكويره في ملعقة، وبلعه دفعة واحدة.. كالأطفال!
أصابته رصاصة في وجهه، وتسببت في تهتّك عظم فكّه العلوي مع صفّ أسنانه العلوية، استؤصل على إثرها جزء من فكّه مع الشفّة العليا، فتيقّن بعدها من عدم أهليته في تحقيق بذخ المضغ ولذّة تذوق الطعام، واضطر من ذلك الحين الى هرسه. خلّاط طعام.. هو كل ما يحتاجه الأسير الجريح عزمي نفّاع، 27 عاماً من جنين، ليمارس حاجة أساسية تبقيه على قيد الحياة: الأكل.

قبل خمس سنوات، أُصيبَ عزمي برصاصتين على حاجز زعترة، اخترقت الأولى فكّه، وخرجت من الجهة الأخرى، مُلامسةً عَصَبَ الكلام لديه، ومُبدّلة معالم وجهه. أما الثانية، فَشَلّت وتر يد كفّه اليمنى، ترتّب على إثرها شلل في تحريك السبّابة، ذاتها التي شاهَدَ فيها يوم 24 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، عندما باغته الرّصاص بدعوى قيامه بعملية دهس بالمكان.

لِنُعِدِ الشريط الى الوراء قليلاً. أما قبل؛ كان عزمي شاباً واعداً، يكشّر عن أسنانه ليضحك، فتضحك عينيه مباشرة، خفيف الظلّ، يدرس الحقوق في سنته الأخيرة في جامعة النجاح الوطنية. أمّا بعد؛ ما زال عزمي شاباً واعداً، يزمّ شفته الدنيا مع شاربه ليضحك، خفيف الظلّ، أنهى دراسة القانون داخل الأسر. ما اختلف حقاّ شكله الخارجي. هو أسير جريح، استجوبه الاحتلال بعد إصابته، وهو على فراش المشفى، لا يستطيع النطق الا بالجهاز الذي وضعه الاحتلال على أحباله الصوتية لإجهار صوته، بعد أن أجرى عملية لإزالة الرصاصتين من جسده. يعاني عزمي من مشاكل في الأكل والتنفّس، ويقضي حكماً جائراً مدّته 20 عاماً، أنهى منها خمسة وهو يتنقل بين السجون. يحتاج عزمي الى عملية لزراعة عظام الفك العلوي، وإعادة بناء الشفّة، وتركيب أسنان علوية، يماطل الاحتلال في تقديم العلاج له. ليس هذا فحسب، بل يحرمه أيضاً من خلّاط الطعام الذي يبقيه حياً!

158223171_912032609337277_5443118932124299419_n.jpg

يناضل أبا عزمي مناصراً لقضية عزمي وبقية الأسرى والأسيرات، فجلّ حديثه يتمحور حولهم جميعا، وما يعانوه في الأسر. بحزن شديد، يصف العمّ (سَهْل)، والد عزمي، ما أدركه حديثاً عن حال ابنه، قائلا: "طوال السنوات التي مضت، كنت خجولاً ومُحرجاً من أن أسأل ولدي عزمي كيف يأكل، وكيف يمضغ الطعام. أخبرني المحامي مؤخراً فقط بأن عزمي- إبان تواجده في سجن جلبوع - كان يستخدم خلاطاً لهرس الطعام، الا أنه غير متوفر حالياً في سجن (شطة)، بعد أن نُقِل الى هناك مؤخراً، في خضم اللعينة كورونا."

يعاقب الاحتلال عائلة عزمي بالتفتيش الاستثنائي والمبالغ به مرة ثانية وثالثة ورابعة، كما يتم احتجازهم وبعض العائلات المغضوب عليها لأكثر من ساعة عند الزيارة، أو إرجاعهم لحظة الوصول الى بوّابة السجن بحجة المنع الأمني، ناهيك عن منع أخي عزمي- فيصل- بزيارته طيلة المدة الماضية.

يستذكر العم (سهل) جلسة الحكم، إذ لم يكن همّ عزمي العشرين عاماً التي أطلقها الاحتلال بحقّه، بل كان يتحدث، والأغلال في رسغيه، عن استكمال دراسته في القانون. أما قصة نيله لشهادة الحقوق، فتحتاج تلك الى فصل آخر لروايته، والانحناء له احتراماً.

يستطيع عزمي لملمة وجعه الجسدي لوحده، فلا يتحدث عنه مطلقاً، وانما يستخدمه وقوداً لشحن روحه، وبناء عزمي أكثر صلابة من ذي قبل. يقضي معظم وقته بالقراءة وممارسة الرياضة في سجن (شطة). فتراه يقرأ كتب القانون وعلم الاجتماع بنَهَم، ويطالع روايات نجيب محفوظ وثمار آخرين من أقرانه في الأسر كوليد دقة وكميل أبو حنيش. يحرص عزمي كثيراً ألا يغتال الاحتلال ضحكته، بالرغم من إصابته الحرجة في مبسمه. فمن الثوابت لديه، ألا يكفّ عن الضحك بكل الأحوال. فتراه يكشّر عن أسنانه السفلية ويضحك، ويزمّ شفته الواحدة ويضحك. على قدر عزمه، يفرّج عن ياء اسمه... ويضحك!

158264760_125701666093113_3338315277310287787_n.jpg
 

المصدر: وكالة وطن للأنباء