Menu

فنزويلا: حصارٌ عقوباتٌ فسادٌ وتخبطٌ

اسحق أبو الوليد

نُشر هذا المقال في العدد 23 من مجلة الهدف الإلكترونية

من المعروف عن المجتمعات في الدول النفطية التابعة الغير صناعيه، والتي تتحكم فيها الشركات الرأس مالية المتعددة الجنسية والفوق قومية باستخراج النفط وتكريره وتصنيعه وتسويقه، إن لديها قابلية أكثر من غيرها للفساد والتعايش معه، لأسبابٍ موضوعيةٍ ينتجها ويفرضها الاقتصاد الريعي المالي الذي يتم امتصاصه واعادة قذفه للتداول بطريقه استهلاكيه مبالغ فيها، ليس فقط للمواد الضرورية بل للكمالية أيضاً، في كل مرة تكتمل فيها دورة دخول وخروج هذا المال في ومن الأسواق المختلفة يتلوث بشيء من التضخم والأمراض الاقتصادية الأخرى، ويصبح أكثر قابليةً للفساد والإفساد.

 فنزويلا الدولة النفطية الأهم في أمريكا الجنوبية، حيث تم اكتشاف النفط فيها عام 1914 وكانت من أوائل الدول المصدرة له، تحتوى على أكبر احتياط نفطي في العالم واحد الدول العشرة المنتجة للغاز الطبيعي، بالإضافة إلى انتاج الحديد والفضة والذهب وغيرها من المعادن، بالإضافة لامتلاكها مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية غير مستغلة، الرئيس الفنزويلي الراحل، أوغو شافيز، كان يردد باستمرار، أن الشركات الاحتكارية بالتعاون مع الإدارات الأمريكية، " كما أطاحوا بي أطاحوا في الماضي أيضاً بكافة الرؤساء، الذين حاولوا تأميم النفط الفنزويلي ووضعه في سبيل تطوير وتصنيع بلادنا"، رغم ذلك خاض نضالاً عنيفاً وصلباً من أجل وضع النفط في خدمة الخطط الاقتصادية، التي هدفها تصنيع الاقتصاد وتطوير الزراعة من أجل وقف الاعتماد على المداخيل النفطية التي يمتص الاستيراد وقطاع الخدمات والصيانة الجزء الأكبر منها " للتمكن من إجراء التحولات البنيوية الضرورية الاجتماعية والاقتصادية التي تمهد للبناء الاشتراكي، وجعل فنزويلا قوةً إقليميةً تساهم في التأثير على اتجاه التطور في القارة والعالم، واعتبر أن الأداة لتحقيق هذا الهدف هو "الحزب الثوري" الطليعي الذي يسترشد بفكر ماركس والمحرر سيمون بوليفار والثائر سامورا الذي قاد الفلاحين للتخلص من الإقطاع وإعطاء الأرض لزارعيها ولمن يعملون فيها تحت شعار "أرض حره وإنسان حر" ، ودعا كافة اليسارين أحزاباً وأفراداً للانضمام لجهوده والمشاركة في بناء هذا الحزب الذي هدفه "بناء اشتراكية القرن الواحد والعشرين".

 هذه الدعوة خلقت حالةً من الجدل الوطني والثوري داخل الأحزاب اليسارية وآلاف المناضلين التقدمين، الذين لأسبابٍ مختلفةٍ غادروا صفوف أحزابهم، ولكنهم لم يغادروا مواقهم النضالية وأفكارهم الثورية، على إثرها اندمجت بعض الاحزاب والحركات اليسارية في هذه العملية، واشتركت في تأسيس الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد، من هذه الأحزاب الصغيرة النخبوية، الرابطة الاشتراكية ذات التوجه الماركسي، والتي كان الرئيس ماذورو، وخورخي رودريغز رئيس الجمعية الوطنية الحالية وشقيقته ديلسي رودريغز أحد كوادرها بالإضافة لبعض كوادر الصف القيادي للحزب الاشتراكي الموحد، ومن المعروف عن "الرابطة" أنها كانت منذ تأسيسها في أواسط سبعينيات القرن الماضي على خلافٍ عميقٍ وشاملٍ مع الحزب الشيوعي الفنزويلي، الحزب الشيوعي الفنزويلي من جانبه قبل أن يعلن رفضه القاطع لمشروع "الحزب الواحد" طرح العديد من الأسئلة على الرفيق القائد الراحل صاحب المبادرة، أوغو شافيز، من أهمها، ما هو الأسلوب الذي على أساسه سيتم تشكيل الحزب؟ من هم الذين يحق لهم أن يصبحوا أعضاء في الحزب الجديد؟ وما هو موقف الحزب المقترح من الصراع الطبقي، وما هي نظريته الثورية، وأي اشتراكية يريد أن يبني، وما هو موقفه من الدور التاريخي للطبقة العاملة ودورها المركزي في الثورة الوطنية الديموقراطية وبناء الاشتراكية؟، ولأن هذه الأسئلة وغيرها بقيت دون إجاباتٍ واضحة وحاسمة، أعلن الحزب رفضه لهذا المشروع وأكد وجوده كحزبٍ شيوعيٍ هو "استجابة لضرورةٍ تاريخيةٍ من أجل تحرير الطبقة العاملة ومعها كل المجتمع وبناء المجتمع الشيوعي" هذا القرار التاريخي خلق نوعاً من التوتر بين الحزب الشيوعي والرئيس الراحل شافيز، سرعان ما تلاشى وجمعت الحزب الجديد (الاشتراكي الموحد) والحزب الشيوعي علاقات ثنائية رفاقية دافئة، عكست نفسها على مستويات عاليةٍ من التنسيق والتعاون بينهما لخوض النضالات معاً للدفاع عن الوطن ومواجهة المشاريع العدوانية الإمبريالية وخاصة الأمريكية ومؤامرات عملائهم، اليمين الرجعي الفاشي، الرئيس شافيز عمل من جانبه على تعزيز وحدة القوى الثورية التقدمية واليسارية، وأغلق كافة القنوات وألغى الوسائل التي كانت معدةً "للحوار" مع المعارضة اليمينية لأنه على قناعةٍ تامةٍ، كما قال، بأن أي "حوار مع اليمين هو لصالح اليمين وأي وفاق معه سيكون حتماً على حساب البرنامج الثوري ومواجهة الإمبريالية وعملائها، والأخطر أنه سيكون على حساب خطة بناء الاشتراكية".

 بعد رحيل أوغو شافيز، القائد الرئيس، المفجر لعملية التغير الثوري والثورة البوليفارية، شددت الإمبريالية وخاصة الأمريكية من حصارها المالي وعقوباتها الاقتصادية وحملتها الإعلامية لتضليل الراي العام وتبرير عدوانيتها التي وصلت الى حد التهديد العسكري، وتعين "رئيس وحكومة مؤقته موازيه" للحكومة الشرعية التي يتراسها الرئيس ماذورو مورو، الذي تم انتخابه من الشعب في دورتين متتاليتين، كل هذه الأعمال العدوانية الفاشلة تلازمت مع أعمال تخريبٍ وشغبٍ داخلية، وقدمت الرشوات في محاولةٍ لشق الجيش والقوات المسلحة ولإيجاد ضباطٍ للقيام بتمرد وانقلاب عسكري تمت مواجهتها، إرادة شعبية صلبة وتماسك للمؤسسات المدنية والعسكرية فاجأ المخططين في البت الأبيض، ولكن وكما اتضح لم يكن هنالك الاستعداد الكافي لخوض المواجهة بنجاح وخاصة على الجبهة الأساسية والأضعف، أي الجبهة الاقتصادية، ولم توفر الوسائل الكافية والضرورية لحماية أكبر وأهم شركة انتاجية للأمه أي شركة النفط الفنزويلية التي وصل إنتاجها إلى صفر، أي صفر عملة صعبه، مما أدى الى تضاف فرص الفساد والرشوة داخل الأجهزة وخارجها للحصول على الوقود، وأخذت نار التضخم وفوق التضخم تحرق كل شيء، ولم تعد قيمة العملة الوطنية التي وصلت إلى أدنى مستوياتها التاريخية، وصل سعر الصرف للدولار الواحد 1,890000، تؤهلها التجاري والعقاري في الأسواق الوطنية، مما فرض التعامل بالدولار الأمريكي في كافة العمليات التجارية الخاصة والحكومية، وحددت الدولة والقطاع الخاص أسعار البضائع والخدمات على أساس الدولار، أي حصلت الدولره للأسعار بشكل موضوعي وإجباري تتحمل مسؤوليته ونتائجه حكومة الرئيس ماذورو، الذي في أحد مقابلاته الصحفية بداية هذا الشهر، وصفها "بأنها كانت (الدولره) قرار شعبي حكيم" في إشارةٍ لتهربه من المسؤولية وإلقائها على كاهل الشعب، الدولره، كميكانزمٍ ذاتيٍ للأزمة، فرضت دولرة الأجور في القطاع الخاص، ولكن بشكل فوضوي وميزاجي، حيث تبدو مفيدةً على المدى القصير، ولكنها عملياً معاديةٌ لمصالح العمال والشغيلة على المدى البعيد، لأن أرباب العمل والمشغلين يعوضون عمالهم ويعالجون شؤونهم المالية على أساس السعر الحكومي للحد الادنى للأجور، والذي يصل تقريبا إلى 70 سنت أي ( 1200000 بوليفر)، أما موظفو وعمال القطاع العام الحكومي، فإن معاشهم الرسمي 70 سنتاً، وهذه هي المسألة الخلافية الأساسية بين القطبين الأساسيين لليسار الفنزويلي، الحزب الشيوعي الفنزويلي والاشتراكي الموحد الفنزويلي.

 قبل انتخابات الجمعية الوطنية (البرلمان) بوقتٍ قليل، تم اجتماع ثنائي بين قيادات الحزبين، عرضت خلاله قيادة الحزب الاشتراكي الموحد على الحزب الشيوعي " الاشتراكي في قائمةٍ موحدةٍ ضمن قائمة القطب الوطني الكبير، وأنهم على استعداد تلبية مطالب الحزب الانتخابية كما هو يرتئيها"، قيادة الشيوعي من جانبها طرحت على قيادة الاشتراكي أنهم "غير قلقين على عدد نوابهم في البرلمان وأن المطالب الانتخابية تأتي في الدرجة الثانية" وأن ما يهمهم ويقلقهم هو السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة، وأجور العمال والموظفين التي عمليا تقترب من الصفر، فإذا ما تم الاتفاق على رسم سياسةٍ اقتصاديةٍ تخدم الجماهير الشعبية وليس راس المال الذي يستمر في مراكمة أرباحه الهائلة على حساب الطبقة العاملة، ممكن أن التحدث بموضع الانتخابات".

 الاشتراكيون من طرفهم أكدوا "أن هذا الموضوع مهم، ولكن يفضلون نقاشه بعد إجراء الانتخابات" وانتهى الاجتماع دون اتفاق، مما دفع الحزب الشيوعي على إثر هذا الفشل، إلى تشكيل "البديل الثوري الشعبي"، والذي ضم منظماتٍ اجتماعيةً وسياسيةً ويساريةً خرجت من "القطب" لتنضم إلى "البديل الثوري"، مما اغضب الرئيس ماذورو الذي أكال التهم ظلماً للشيوعي، واصفاً إياه "بالتخلف والجمود العقائدي والطفيلي والانتهازي"، وأخيراً وصفه بأنه "أداة الإمبريالية"، هذا الهجوم الغير مسبوق وغير مبرر فاجأ العديد من القوى والأحزاب الحليفة "للاشتراكي الموحد" والتي تدعم الحكومة البوليفارية والرئيس الشرعي للبلاد نيكولاس ماذور، وما زاد من "الاستغراب" السلوك اللا ديموقراطي من قبل المجلس الانتخابي ووسائل الاعلام الرسمية والخاصة، الذي حجبوا عن "البديل الثوري" حقه في الدعاية الانتخابية والسياسية، بل ومحاولة تشويه برنامجه الانتخابي والسياسي، وهذا يؤشر إلى أن كلا الطرفين، الحكومة واليمين الرجعي، ينظرون بقلقٍ إلى هذه الخطوة التي أقدم عليها الحزب الشيوعي، ويقدرون نتائجها "السلبية عليهم" على المدى الاستراتيجي، وخاصة أنهم يمرون في مرحلة تفاهم ووفاق "وطني" تنسجم والأوضاع الجديدة في البيت الأبيض.