أنا الأرض
والأرض أنت
خديجة! لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل
محمود درويش
كانت النكبة محاولةً يائسةً لخلع الفلسطيني الكنعاني عن أرضه وجذوره، فأبعدته جسداً، فيما بقي فيها روحاً، بل عاشت الأرض وسكنت قلوب أبناء المهجرين وأحفادهم، وأصبحت هدفاً سامياً وحلماً بالعودة، يراود تلك الأجيال المتعاقبة، ولم يكن للنسيان مكانٌ في عقولهم، سافرت الكواشين (أوراق الطابو التي تثبت ملكية الأرض) على قوارب المهجرين، وقوافلهم، براً وبحراً، متشبثين بأمل العودة، ومفتاح البيت، وبطاقة تعريف للهوية، التي لم يغير كرت وكالة الغوث منها شيئاً، سوى تصنيفات الأمم المتحدة للفلسطينيين، التي سجلت 6 مليون لاجئ فلسطيني تقريباً هجروا عن أرضهم قسراً، وأذكر هنا حادثة المؤرخ مصطفى الدباغ حين أوشك قاربه على الغرق خلال النكبة، فرمى بمخطوطاته في البحر وظل محتفظاً بكوشانه ومفتاح المنزل، ثم عاد وكتب تلك المخطوطات أفضل مما كانت عليه وأنتج موسوعة بلادنا فلسطين؛ أهم مرجع في التاريخ الفلسطيني، حتى شفيق الحوت البيروتي ضلت يافا في مخيلته، وبقي محتفظاً بمفتاح منزله هناك، على اعتبار أن العودة قريبة ما أن تهدأ الأوضاع، حتى أصبحت فلسطين كتباً وحكاياتٍ يحكيها، وتفاصيل تعيش في داخله حتى الممات، فيما كتاب عارف العارف؛ نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود يجسد تفاصيل التهجير قبل وبعد النكبة، حيث كانت الأرض بالنسبة للفلسطيني ليست فقط الميراث، بل المحراث الذي يخرج من باطن الأرض خيرات فلسطين؛ فارتباط الفلسطيني بأرضه كارتباط السمكة ببحرها، والنجوم بفضائها، لذلك انتفض الفلسطينيون في 30 آذار 1976 انتصاراً لشهداء الأرض، وليكون يوماً مشهوداً، يعلن كل عام عن تجدد الأمل بالعودة، وتخليداً لشهداء الأرض، حين صرخ توفيق زياد "أناديكم وأشد على أياديكم" وأعلن الانتفاض في وجه المستعمر، دفاعاً عن تراب الوطن.
وقد كشفت ثورة الأرض نوايا دولة الاحتلال في وثيقة كينيغ آنذاك التي جاءت في سبع نقاط، الملفت فيها التحذير من خطر العرب الديموغرافي ومنع الشيوعيين من السيطرة على البلديات، والأهم هو عزل اليهود الشرقيين العاملين في الوسط العربي لتعود النعرة الأشكنازية إلى الواجهة، وبذلك جاء يوم الأرض ليخلط الأوراق من جديد داخل الكيان، وهنا أعود بالذاكرة إلى ثورة 1936م التي ثار فيها الفلاحون وألقوا بفؤوسهم، واستلوا بنادقهم، في مواجهة الاستعمار البريطاني؛ حامي المشروع الصهيوني، حتى ظلت كوفية الفلاحين رمزاً للثائرين إلى يومنا هذا، وجزء كبير من اللاجئين الفلسطينيين كانوا مزارعين، لهم أملاكهم وأراضيهم في قراهم التي هجروا منها، وعندما زرت مخيمات الشتات في لبنان عام 2002م، كانت لي جولة في مدارس مخيم عين الحلوة، والمية مية، برج البراجنة وشاتيلا، وحين كنا نسأل أي طفل عن عائلته واسمه؛ يجيب باسم العائلة وقريته المهجرة، كان شعوراً لا يوصف بأن الأمل لم يمت ومازالت الأجيال تتوارث عشق الأرض، حتى لو لم يولدوا فيها، أباؤهم وأجدادهم ورّثوهم هذا العشق لوطنهم وشعبه؛ الممتد جذوره إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد، حيث ترك فيها الكنعانيون أوابدهم، ومخطوطاتهم التي رسخت الارتباط بالأرض منذ الأزل، حتى اليوم، حين تشتم رائحة برتقال يافا، وزيتون عكا، وعنب الخليل وحيفا، وتوت غزة؛ تشي الأرض بمالكها الحقيقي، رغم كل ما أخفته وزارة المستعمرات البريطانية من وثائق ملكية للفلسطينيين وأراضيهم قبل النكبة، إلا أن وثائق الباب العالي في إسطنبول، تركيا ، التي تعود للدولة العثمانية التي حكمت فلسطين منذ 1517م؛ أعلنت عن ملايين الوثائق حول الملكيات والعائلات الفلسطينية، وكانت مروسة بشعار السلطاني، للدولة العلية العثمانية، وبعدها صدرت أوراق الطابو مروسة بحكومة فلسطين؛ شهادة تسجيل، تحمل شعار الحكومة (اسدين)، وفيها يظهر القضاء: القرية أو المدينة، الدونمات والأمتار، والقسيمة، وصاحب الملكية، وتفاصيل أخرى، وكثيراً من هذه الشهادات موجودة لدى اللاجئين في قطاع غزة والذين شكلوا 70% من سكان غزة، وهجروا من قرى محاذية أو من مدن كبرى على الساحل الفلسطيني استقروا في القطاع.
وقد حاولت إسرائيل بعد احتلال عام 1948م سن قوانين تصادر بها الكم الأكبر من الأراضي الفلسطينية، منها قانون أملاك الغائبين 1950م، الذي ينقل بموجب هذا القانون أملاك المهجرين الفلسطينيين إلى دولة الاحتلال، وقانون (كيرين كاييمت) 1953م، ويعطي الحق للصندوق القومي اليهودي صلاحيات تخفيض في الضرائب لشراء أراضي لصالح اليهود في فلسطين، وقانون شراء الأراضي الصادر في نفس العام يقضي بامتلاك اراض في 349 قرية وبلدة فلسطينية هُجّر أهلُها منها، وقانون أساس أراضي إسرائيل الصادر عام 1960م، الذي يقضي بأن الأراضي التي استولت عليها دولة الاحتلال تقع تحت ملكية سلطة التطوير أو الصندوق القومي اليهودي، لا يمكن نقل ملكيتها أو بيعها والصندوق يطلب تخصيص الأراضي التي تملكها لليهود فقط، فيما قانون دائرة أراضي إسرائيل؛ يقوم بطرد مقتحمي الأراضي، حسب تعبير دولة الاحتلال الصادر عام 1981م، ويستهدف البدو العرب في النقب.
فيما جاء تعديل لقانون دائرة أراضي إسرائيل عام 1960م، يفرض خصخصة واسعة للأراضي بما فيها أراضي اللاجئين الفلسطينيين في الداخل والخارج، ويمكن تبادل الأراضي بين الدولة والصندوق القومي اليهودي، وهي أراضٍ محفوظة بشكل حصري لاستخدام الشعب اليهودي وكان هذا عام 2009م، فيما جاء عام 2010م قانون سلطة تطوير النقب المعدل لعام 1991م، يعطي صلاحيات أوسع للمستوطنات، مستهدفاً أراضي النقب، وقانون كمينتس تعديل 109 لقانون التخطيط والبناء 1965م؛ الصادر عام 2017؛ يوسع القانون الصلاحية الإدارية للدولة في هدم البيوت والعقوبات على مخالفات التخطيط والبناء، تستهدف الفلسطينيين وتضييق الخناق عليهم في حالة تمييز عنصري تفوق حركات الاستعمار التاريخ والعالم.
إذن؛ الصراع صراع وجودي، وصراع بقاء، رغم كل محاولات الاحتلال لتزييف التاريخ وربط الروايات التاريخية باليهود ووجودهم، وهذا منذ القرنين السابع عشر والثامن عشر، وتوافق مع حملات نابليون بونابرت إلى فلسطين 1799م، ثم تسيير رحلات استكشافية من الملكية البريطانية وتأسيس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865م، في محاولة لربط كل المكتشفات الأثرية بالتوراة، وكل ذلك لتماشي الحركة الاستعمارية مع الرواية التاريخية المزيفة، ونحن كفلسطينيين ليس لدينا رواية، بل لدينا تاريخ فلسطيني ممتد لأربعة آلاف عام قبل الميلاد، بل يصل إلى أبعد من ذلك من عمق التاريخ، لحد النطوفيين ما قبل ظهور الحضارة الكنعانية، بحصونها وقلاعها وبيوتها ونقوشها وآثارها، لذلك فإن صراع الأرض لم يكن وليد الاستعمار البريطاني والإسرائيلي، بل إنه صراع تاريخي، في محاولة لسلب الفلسطينيين تاريخهم والتمهيد لاستدعاء آخر استعمار في العالم.
أما اليوم، فإننا نرى حركة الاستيطان التي انتشرت كالسرطان في الأراضي الفلسطينية، والذي زاد بنسبة 200% عما كانت عليه قبل توقيع اتفاق أوسلو، حيث بلغ عدد المستوطنين في شرقي القدس 450 ألف مستوطن، وقد التهم هذا السرطان أكثر من 45% من أراضي الضفة الغربية، ولم تنجح كل المحاولات الدولية والاتفاقيات الموقعة برعاية أممية، بوقف المشاريع الإسرائيلية وحملات التوسع الاستعماري الإحلاليّ الاستيطاني، ورغم محاولات الـBDS لمقاطعة إسرائيل وتضييق الخناق دولياً، إلا أن الاستيطان ظل مستمراً، وقد شكلت هذه النقطة حجرة عثرة في وقف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لسنوات، لكن لم يتغير الحال؛ بسبب الدعم المستمر للإدارة الامريكية لهذا التكتل الاستيطاني الذي أرق كل مناحي الحياة الفلسطينية وحاصر سكانها.
وهنا ندرك أهمية الأرض ومحاولات الاحتلال كسب الوقت لتحقيق توسع سكاني للمستوطنين، لم تحققه خلال حروب عامي 1948م و1967م، وحين نقول احتلال عام 1967م، رغم إنه سيطر على الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن بالشكل العسكري، لا الاستيطان الاستعماري المدني مثلما هو حاصل الآن، في محاولة لخلق واقع جديد وشرعنته وفرضه على أي طاولة مفاوضات قد تذعن لها إسرائيل، رغم كل إدانات دول عدم الانحياز والاتحاد الأوربي والدول العربية (ما قبل التطبيع) لهذه العملية الاستيطانية المستمرة التي تشكل محور تفجر الوضع في المنطقة.
وأستطيع القول؛ أن كل ذلك لن يغير من الأحقية الفلسطينية والملكية التاريخية للأرض، لكنها تزيد من عمر الاحتلال أمام واقع سياسي دولي متراجع، لم تعد فيه القضية الفلسطينية أولوية، ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى صمودهم على هذه الأرض، رغم كل المنغصات الاحتلالية، بل وواقع الانقسام الذي أرق الحياة الفلسطينية، وأدى إلى تراجع في محورية القضية، ودفع بدول عربية أن تصل محطة التطبيع مع إسرائيل لتشرعن أعمالها العدائية والاستيطانية، في ظل نظام سياسي فلسطيني للأسف لم يحفظ حتى مقومات صمود شعبه، لكن رغم كل ذلك الفلسطيني جسد إرادة البقاء، لأنه لا يريد أن يكرر هاجس التهجير عام 1948م، ويفضل الموت في أرضه، على أن يرحل عنها، وقد كانت الحروب التي شنت على غزة في السنوات الأخيرة؛ خير دليل على هذا الصمود وهذا البقاء والتجذر، والتحام الدم الفلسطيني بالأرض وهذا ما تبقى لنا.

