المشهد الذى تعمد الإعلام الإسرائيلى نقله للعالم ليوضح فيه رد فعل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على التفجير الذى وقع فى مركز توزيع الكهرباء فى "منشأة ناتنز" النووية لتخصيب اليورانيوم (قرب مدينة أصفهان) كان مشهداً مثيراً حيث كان نتنياهو يحتسى "كأس الانتصار" بنشوة، قد تكون مفتعلة، وسط عدد من أعضاء مجلس الوزراء الإسرائيلى. قبل نقل هذا المشهد، الذى نقله الإعلام الدولى بدوره، كان الإعلام الإسرائيلى قد تعمد، على غير العادة، تجاوز الإلتزامات الإسرائيلية السابقة بسياسة "الغموض" وأعلن، بفرحة، أن "الموساد الإسرائيلى هو بطل هذا الانتصار" الذى روجوا لـ "أضراره البليغة"، لدرجة جعلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية (13/4/2021) تتمادى فى هذا السياق وتقول أن " إيران قد تستغرق 9 أشهر لإعادة تخصيب اليورانيوم فى المنشأة".
لم يكتف نتنياهو بذلك لكنه تسرع فى استنباط النتائج المحتملة من انتصاره ذلك، وجاهر بالقول أن إسرائيل تخطت حاجز "القوة الإقليمية الضاربة" لتصبح "قوة عالمية"، وهذا يعنى أنه يعطى لنفسه ولإسرائيل اقتناص استحقاقين أولهما أن يقر العالم ويسلم بأن "إسرائيل يجب أن تكون لها الكلمة العليا فى شئون إقليم الشرق الأوسط" متجاوزة أى إطار تشاركى من قوى إقليمية شرق أوسطية أخرى، وثانيهما أن إسرائيل باتت طرفاً مشاركاً فى القرار الدولى إلى جانب القوى الكبرى المتمتعة بالعضوية الدائمة فى مجلس الأمن، مثلها مثل ألمانيا التى تشارك تلك القوى الكبرى فى التفاوض مع إيران حول الاتفاق النووى.
تطورات مهمة تستدعى التساؤل حول جدية مزاعم بنيامين نتنياهو من خلال تقييم حجم العملية التخريبية التى ارتكبها "الموساد" فى منشأة ناتنز النووية الإيرانية، كما تستدعى التعرف على الدوافع الحقيقية من هذه العملية ، لكن الأهم هو محصلة كل هذه التطورات من منظور قدرة إسرائيل الفعلية على "منع إيران من التحول إلى قوة نووية" حسب وعود بنيامين نتنياهو وكبار رجال الحكم الإسرائيليين؟
مهم جداً فهم خلفيات وظروف تلك "العملية الاستخباراتية" الإسرائيلية التى تم حسم طبيعتها بتأكيد السلطات الإيرانية أنها نجمت عن ذرع عبوة ناسفة داخل المنشأة وتفجيرها عن بعد ، كما تم التعرف على الشخص المتهم بارتكاب هذه الجريمة حسب التليفزيون الإيرانى الذى أعلن يوم السبت الفائت أن وزارة المخابرات "حددت هوية مرتكب هذا التخريب وهو رضا كريمى" الذى أعلن عن تمكنه من الهروب خارج البلاد وجارى ملاحقته عبر الإنتربول الدولى، ما يؤكد أنها لم تكن عملية عبر "هجوم سيبرانى" حسب ما روجت وسائل الإعلام الإسرائيلية والأمريكية، التى كانت حريصة على الترويج لقدرة إسرائيل على تدمير البرنامج النووى الإيرانى، أو على الأقل تخريبه، عن بُعد.
لم تلجأ إسرائيل إلى هذه العملية بشكل اعتباطى ولكنها تمت فى ظروف داخلية وأخرى خارجية مهمة حتمت حدوثها . ففى الداخل الإسرائيلى كان بنيامين نتنياهو فى أشد الاحتياج إلى انتصار يمكنه من تحفيز الشركاء المترددين فى حسم مشاركتهم فى الحكومة التى يسعى نتنياهو إلى تشكيلها خاصة نفتالى بينيت زعيم حزب "يمينا" ، فى وقت أخذت المهلة المعطاة له لتشكيل الحكومة فى النفاد. كما أنه كان ومازال فى حاجة إلى انتصار يحميه من خطر المحاكمة الجنائية التى تطارده.
أما خارجياً فإنه كان شديد الاضطراب من المعلومات الملتبسة التى ترد إليه من العاصمة النمساوية فيينا حيث تجرى محادثات دولية مكثفة بين الولايات المتحدة وشركاءها الدوليين فى "مجموعة 5+1" مع إيران لحل الأزمة النووية الأمريكية - الإيرانية. كان من أهم تلك المعلومات ما يتحدث عن تقدم كبير فى المحادثات وخاصة إعلان المبعوث الأمريكى إلى إيران روبرت مالى بأن هدف محادثات فيينا هو "العودة إلى الاتفاق النووى"، دون الدعوة إلى تقويته أو إضافة اتفاقيات جديدة ، ما يعنى أن واشنطن ضربت عرض الحائط بكل مطالب إسرائيل والحلفاء الجدد الإقليميين بضرورة تعديل الاتفاق ليشمل بنوداً تضمن ونهائياً عدم تمكين إيران، فى أية ظروف مستقبلية، من امتلاك سلاح نووى واحتواء القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية وإنهاء "المشروع لاسياسى الإقليمى لإيران" صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية علّقت على تصريح روبرت مالى بأنها "أثارت الدهشة على أعلى المستويات فى إسرائيل" وقالت أن مالى لم يذكر فى تصريحاته تلك التى أدلى بها إلى محطة "بى بى إس" الأمريكية الجمعة (9/4/2021) أن الهدف هو "منع إيران من الحصول على أسلحة نووية ، ولم يتهم الإيرانيين بأى سلوك سيئ، ولم يتحدث فى المقابلة عن أهمية المشاورات مع حلفاء أمريكا فى المنطقة". إذا أخذنا فى الاعتبار تاريخ مقابلة روبرت مالى التى أدلى فيها بتصريحاته سنجد أن العملية التخريبية الإسرائيلية تمت بعد يوم واحد تقريباً، ما يعنى أنها كانت بمثابة "رد يائس" على ما يمكن اعتباره تجاوزات أمريكية.
لكن يبقى السؤال الأهم دون إجابة وهو الهدف من تلك العملية التى لم تتجاوز حدود إعطال بعض أجهزة الطرد المركزية لتخصيب اليورانيوم.
الواقع أن كل التوقعات الإسرائيلية قد فشلت حيث جاءت ردود الفعل الإيرانية على العكس من كل التوقعات الإسرائيلية فهى لم تنجر إلى عمل عسكرى ضد إسرائيل تكون نتيجته تخريب محادثات فيينا، وإنهاء إدارة بايدن لخيار التفاوض مع إيران والرضوخ لمطالب إسرائيل باعتماد "الخيار العسكرى" لإنهاء قدرات إيران النووية. وهى، أى إيران، لم تنسحب من المفاوضات، لكنها عملت ما هو أهم اتخذت قراراً برفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60% للرد على المماحكات الأمريكية والأوروبية، فى محادثات فيينا وللاستهزاء من كل الدعاية الإسرائيلية حول تدمير منشأة ناتنز أو على الأقل وقف عملها تسعة أشهر على أقل تقدير.
جاء الرد الإيرانى حاسماً على لسان الرئيس الإيرانى حسن روحانى بالإعلان عن تشغيل أعداد كبيرة من الجيل الأرقى من أجهزة الطرد المركزى بدلاً من الأجهزة التى جرى أعطابها، والبدء فى إنتاج اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وهو ما أكدته الوكالة الدولية للطاقة الذرية السبت الفائت (17/4/2021) فى بيان لها بأن إيران بدأت انتاج سادس فلوريد اليورانيوم إلى مستوى نقاء 60% فى مفاعل ناتنز . هذا يعنى أن إيران ردت على عملية التخريب تلك برفع التخصيب من 20% إلى 60%، فى رسالة تقول أنها تستطيع التخصيب إلى 90% أى أنها خلال أسابيع قليلة يمكن أن تمتلك المواد اللازمة لإنتاج القنبلة إن أرادت، فى رسالة شديدة الوضوح للرئيس الأمريكى وإدارته الذى عليه أن يوازن بين دفع إيران إلى التمادى فى هذا الخيار وبين إعادتها إلى الاتفاق النووى الذى حدد نسبة التخصيب إلى 3.67% فقط ولمدة 15 عاماً من تاريخه عام 2015.
الرسالة واضحة للرئيس الأمريكى الذى عليه أن يحسم قراره مع إسرائيل بهذا الخصوص، أما إسرائيل فهى عجلت بوضع نفسها أمام خيار صعب لم يعد مستبعداً بعد أن أوصل الاستفزاز الإسرائيلى إيران إلى رفع تخصيب اليورانيوم إلى 60% وإنتاجه بكميات مشجعة ، فقد باتت إسرائيل أمام أحد خيارين إما الحرب الكبرى مع إيران التى مستحيل أن تتحمل تبعاتها ومستحيل أن تخوضها منفردة دون مشاركة أمريكية وإما دفع إيران إلى "الخيار الكورى الشمالى" والتحول إلى قوة أمر واقع نووية وعندها سيحصد نتنياهو الثمار شديدة المرارة لخياراته المتسرعة، ولن تكون أمامه فرصة أطول لاحتساء المزيد من النبيذ والتغنى بحلم القوة الإسرائيلية العالمية.
mohamed.alsaid.idries@gmail.com

