إن ما جرى من اشتباك سياسي في القدس المحتلة وهبة أهلنا في القدس؛ جاء نتيجة الممارسات المتكررة للاحتلال الصهيوني ضد المدينة المقدسة من تهويد وحصار واعتقالات وفرض الإقامات الجبرية وتغيير المناهج والسطو على الممتلكات الخاصة والعامة في المدينة وبلداتها وتهريب الأراضي والممتلكات الوقفية ومنع إقامة الصلوات في الأماكن المقدسة وفتح المداخل لقطعان المستوطنين ليعيثوا فسادًا بالبلدة وسرقة البيوت والأراضي وأخيرًا؛ منع أهالي القدس من المشاركة في الانتخابات.
إن مفاقمة التأزيم على المدينة المقدسة؛ شكل الأرضية الموضوعية لانطلاق شرارة هذا الحراك ودفع بالجماهير الغاضبة للنزول إلى الشوارع للتعبير عن رفضها لهذا القمع والتهويد والحصار المبرمج بعد أن وصل المقدسيون إلى قناعة تامة بأن سلطة أوسلو أضحت في صف المتآمرين على القدس؛ هوية وكيان، وأن هذه السلطة أسقطت من حساباتها مدينة القدس، رغم الشعارات الإعلامية التي تطلقها بأن القدس خط أحمر وأنها العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية العتيدة، وهي في واقع الحال تعاني من التهويد الفعلي على الأرض وأنها أضحت محاصرة معزولة وتنهب يوميًا ويعذب أهلها ومناضليها بأقسى درجات الفاشية والعنصرية؛ رافق ذلك فقدان ثقة المقدسيين بفصائل أوسلو وقدرتها الفعلية على تقديم خطوة عملية واحدة اتجاه خلاص المدينة وأهلها، رغم الجمل الثورية التي تطلقها هذه الفصائل عن القدس وأهميتها. وقد ظهر هذا جليَا في الشعارات التي أطلقها الشبان الغاضبون في شوارع القدس الذين شتموا سلطة أوسلو وشخوصها وطالبوا الفصائل الوطنية بالرد العملي لإسناد هذه الهبة وفرحتهم العارمة بالرد العملي الذي انطلق من قطاع غزة وقبلها إسناد حركة المقاومة العربية بضرب مفاعل ديمونا.
إن حالة التحرك العفوي للجماهير الفلسطينية في كل أنحاء فلسطين التاريخية ومحاولة الفصائل الوطنية اللحاق بالجماهير الغاضبة واسنادها بالقوة الصاروخية وتنظيم وقفات ومسيرات في معظم مدن وقرى ومخيمات الوطن المحتل وما رافقه من اسناد شعبي في معظم البلدان العربية والعالمية؛ يؤشر أن وجهة هذا الحراك ليس تنظيم الانتخابات في القدس، وإنما هو حراك يتسع ليؤدي إلي انتفاضة شاملة هدفها الحرية والاستقلال وأن الجماهير الفلسطينية المتعطشة للحرية هو المحرك الأساس لهذا الحراك، وعلينا أن لا نقع في الفهم المُقزم لهذا الحراك وإظهاره أنه بهدف إجراء الانتخابات كما يحاول أبطال التنسيق الأمني إظهاره، والذين لم يترددوا في الوقوف ضده علنًا والتنصل من كل ما يحدث في القدس والتحرك نحو رأس الشر العالمي وسلطة العدو الصهيوني لإظهار الولاء مجددًا وطلب المعونة، لوقف اتساع هذا الحراك ومحاولة خبيثة لاستخدامه كورقة تفاوض معه لإشراك القدس في الانتخابات، ومحاولة الغاؤها ليقينهم بعدم حسم الموقف لصالحهم.
لقد بات واضحًا ان حراك القدس قد كشف العديد من مواطن الخلل والتراجع والتراخي في برامج قيادات العمل الوطني وأن الجماهير المنتفضة قد تقدمت خطوة للإمام عنها وأن محاولة اللحاق بهذا الحراك واسناده خطوة للأمام؛ فأن تأتي متأخرًا خير من أن لا تأتي، وربما أدركت هذه الفصائل؛ أن ثمن التصدي والمقاومة أقل كلفة من خيارات أوسلو وطرائق التفاوض مع عدو لا يسمع إلا طرقات بساطير جنوده وأن الجماهير الفلسطينية التي عانت وتعاني من الممارسات الفاشية والعنصرية في القدس وأم الفحم ورام الله وكل أنحاء الوطن المحتل والانبطاح غير المسبوق لسلطة أوسلو التي تقف عمليًا في صف الاحتلال والمستفيدة من وجود الاحتلال كشريحة كمبرادورية؛ أتقنت السلب والنهب والثراء غير المشروع وقدمت على مذبح التنسيق الأمني كل ما هو وطني وشريف وقادت الشعب الفلسطيني؛ كيانًا وقضية نحو المزيد من التنازلات والهزيمة واستشعرت حجم التآمر العربي والدولي على القدس وفلسطين هو المحرك الأساس لهذا الحراك الذي بدا واضحا بمطالبته برحيل الاحتلال ولا خيار إلا الحرية والاستقلال.

