كاتب صحفي فلسطيني/ بريطانيا
الخطر الذي برز يوماً ما من وجود الفلسطينيين في النظام السياسي، يبدو أن بنيامين نتنياهو ومؤسسة الدولة وبمساعدة منصور عباس تمكن من معالجته بأفضل مما تحلم المؤسسة الإسرائيلية، فقد تبدى هذا الخطر خلال انتخابات العام الماضي 2020 عندما حصل العرب على خمسة عشر عضو كنيست، وقد تمكنوا آنذاك من وضع فيتو على إقامة حكومة اليمين اليهودية التي عبرت عن الرأي العام اليهودي في الدولة عندما أوصوا على بني غانتس لرئاسة الحكومة هذا قبل أن ينضم غانتس إلى نتنياهو؛ يومها أدرك نتنياهو والمؤسسة حجم الخطر ليضع نصب عينيه تحطيم هذه الكتلة وتفتيتها.
تمكن نتنياهو من خلال الخاصرة الرخوة "الإسلامية" وزعيمها منصور عباس وبات الفلسطينيون منقسمون ومشتتون؛ بعضهم يريد إسقاط نتنياهو الذي خطط لإفشاء الجريمة في أوساط الفلسطينيين بالداخل متعمداً ورفع يد الشرطة عن البلدات والمدن العربية وجفف الميزانيات مستهدفاً الوجود العربي الفلسطيني وقواه السياسية، والبعض الآخر لا زال يعقد صفقات؛ بقاء نتنياهو مقابل امتيازات شخصية أو حزبية كلها على حساب نضال ما يزيد عن سبعة عقود من الوجود الفلسطيني تحت الحكم العسكري الإسرائيلي.
المسألة الأبعد التي تحققت كانت بصفقة وصفتها كتلة التغيير في الكنيست بالفساد السياسي، حيث قامت الصفقة على تصويت منصور عباس إلى جانب حزب الليكود في الكنيست ولجانها ونواب رئيسها مقابل تسمية عباس أحد نواب رئيسها الثلاثة، والأهم المصادقة على لجنة تم اقتراحها في اللحظة الأخيرة، وهي إقامة "لجنة خاصة تعنى بشئون العرب" ويكون منصور عباس رئيسها.
اللجنة لا تعني فقط رشوة منصور عباس لينحاز لتوجهات ومصالح حزب الليكود كما وصفها حزب ميرتس، بل تطوراً شديد الخطورة ينسف كل نضالات الفلسطينيين هناك، والتي تجسدت بالكفاح ضد الحكم العسكري، والشهداء الذين ارتقوا من كفر قاسم وصولاً لشهداء حيفا في هبة الأقصى، وكل عذابات السجون والملاحقات، لأنها تعيد الأمر إلى مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي بتعيين قائم على الشئون العربية، وإذا كان هذا القائم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي؛ يهودي إسرائيلي، فهو الآن شخصية عربية، وذلك ما قالته صحيفة الاتحاد الحيفاوية في عددها الذي صدر في الرابع والعشرين من أبريل، حيث كتبت أن "اللجنة تذكر بمضمونها أيام الحكم العسكري ومخلفاته وأحزاب المعراخ العربية التي يستحضرها منصور عباس من جديد".
في ذروة الأحداث وهجوم الشرطة والجيش والمستوطنين على القدس وقف منصور عباس إلى جانب أحزاب المستوطنين ورئيس الحكومة الذي رفض إجراء انتخابات في القدس وأمر بقمع المتظاهرين، هكذا سيكتب التاريخ يوماً، لكن الأمر لم يكن شأناً عابراً بقدر ما يتعلق برغبة إسرائيل بإعادة الفلسطينيين لما يشبه الغيتو الذي أقامته الدولة الحاكمة في خمسينيات وستينيات القرن.
بعد إقامة السلطة الفلسطينية؛ جاء أحد أعضاء الكنيست من الفلسطينيين حاملاً للرئيس ياسر عرفات مشروعاً للمطالبة بإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في إسرائيل؛ غضب عرفات ولم يسمح له بعرض مشروعه طالباً بحدة ألا يكرر هذا الأمر نهائياً؛ أراد عرفات ووفقاً للمصالح العليا والاستراتيجية للشعب الفلسطيني أن يكون الفلسطينيون هناك جزءًا من النظام السياسي الإسرائيلي، سيكونون أكثر تأثيراً على الحكومات وعلى القرار السياسي أراد لهم الاندماج والبقاء لا الانفصال وتشكيل جسم خاص بهم من الآن يمس منصور عباس بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني بالموافقة على هيئات عربية.
الهجوم الذي تعرض له عباس ليس فقط من قبل القائمة المشتركة التي تمثل الجسم الآخر للفلسطينيين، بل من ميرتس وحزب العمل أيضاً يعكس حجم الخطأ الذي ارتكبه عباس لأن تشكيل لجنة خاصة يعني سلخها عن الاهتمام بشئون البلدات والقرى العربية من باقي لجان الكنيست التي ستصبح يهودية خالصة لا علاقة لها بالعرب الفلسطينيين وشئونهم وقضاياهم وموازناتهم ولا الصحة ولا التعليم ولا البلديات، أي ما يشبه الدولة اليهودية والحكم الذاتي للفلسطينيين أو عصر الحكم العسكري ولجنته الخاصة، وتلك اللجنة تتلاءم مع الروح اليمينية الجديدة التي تهب على إسرائيل منذ عقدين، والتي باتت تسيطر على المشهد العام فيها.
وسط هذا الاضطراب في النظام السياسي يحاول عباس التقاط ما يتساقط من هنا وهناك؛ بقدر ما يسمح به اليمين، ولم يأخذ العبرة من تجربة بني غانتس الذي استخدمه نتنياهو وعصره مثل ليمونة وألقى به، حيث بات واضحاً أن الجميع: ساعر؛ بينيت؛ غانتس؛ حزب العمل.. جميعهم استفادوا من التجربة والتي لا تحمل بعداً قومياً عنصرياً بالنسبة لهم، لكن عباس العربي يقع في نفس الشرك، حيث أراد نتنياهو أن يقدم رشوة لقائد القائمة الموحدة لا ليضمنه معه، لأنهم لا يريدونه، بل ليضمن ألا تتم رشوته من قبل التحالف المناهض له، ولكن عقدة المنشار؛ حزب الصهيونية الدينية لن يقبل عباس داعماً للحكومة حتى من الخارج، وتلك رواية قد تجر نحو الانتخابات الخامسة؛ يكون عباس قد خرج حتى بلا خفى حنين..!

