الأرض؛ هاجس الوجود وعنوان الهوية ودافع العمل وسبيل الحياة الحرة؛ فكيف لو كانت تحت الاحتلال مقيدة ومغتصبة؟
هنا يصير للأرض رديف واحد الحرية ولا شيء غير الحرية؛ الملتصقة دوماً باسم الشهيد والمناضل والأسير؛ فلولا الأسر لما عرفنا معنى الحرية التي ندرك من خلالها مفهوم الأرض.
دعوني أخرج هذه المرة من التسميات المزخرفة والعبارات الرنانة في وصف الأسير، لأدخل في بعد الأرض بترجمة الأسير نفسه؛ الشاهد الأقرب لقضيتها، لأنه على احتكاك مباشر مع محتلها ولنقل إنه العينة الحية التي باستطاعتها أن تحلل مجريات الحدث الحالي ليكون خطة عمل؛ طريق تحرير ونهج مقاومة مشتعل، وهو الدليل الأصدق على رواية الحق؛ فثمة من يشكك إلى الآن بمعادلة صاحب الأرض والمُحتل، ولعلّ تلك السجون التي تضج بآلاف المعتقلين الفلسطينيين (وقد بلغ عددهم مليون) خير دليل على مظلومية شعبنا الفلسطيني وعلى حقه الكامل في الحرية.
إن الأسير كان وما زال جسر العبور بين مطالب الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال وبين ميناء التحرير الكامل للأرض؛ فكلّ كلمة تخرج من لسان أسير واحد تقيم عامودًا من أعمدة المقاومة وتلهب مناضلي الخارج على السير قدمًا في درب الحرية.
وعند قراءة تاريخ القضية الفلسطينية؛ نعي محاولات الاحتلال دفع الفلسطينيين للرضوخ والاستسلام، عبر مختلف الوسائل والإمكانيات المتاحة، ولعل أهمها كان محاولة كسر نفسية من وقعوا في الأسر ليصير الأسير مشروع محاكاة لعزيمة شعبنا؛ يبث من خلاله بذور اليأس لتثبط من إرادة الشعب بالحرية والتحرر، ودائمًا ما كان يخرج الفلسطيني من صفة التوقع؛ ثائرًا مجابهًا صامدًا ليعطي في تعبيره معنًا آخر للأسر.
لم تكن الهوية وحدها سرّ الاستثناء، إنما دافع الإنسان نفسه ليكون له قضية؛ عادلة سامية، يبذل كل غالٍ ورخيص في سبيلها؛ لأجل هذا كان للأسير مع المحتل نفسه معركتين لا واحدة، ولأجل هذا؛ نجح بأن يؤسس حياة كاملة داخل سجون الاحتلال؛ تعلّمنا من خلالها كيف بإمكان الأسير أن يبني نموذجًا خاصًا للحرية رغم قضبان السجان؛ نموذجًا يرسم لنا معالم الدولة المنشودة التي لن تكون إلا بممارسة وسائل وأساليب النضال ودفع الثمن دماء وآلام وتقييد حرية لها، كما نموذجًا في النضال من أجل توفير سبل العيش الحر الكريم، رغم بطش الجلاد ووحشيته الدموية الراغبة بالقضاء على اسم فلسطين؛ فكيف لو كان ابنها؟
لقد نجح الأسير بالوصول إلى العالم الخارجي واجتاز صوته عذاب وقهر الزنزانة، لينشئ فكرًا وأدبًا وينقل تجارب حية؛ فالكاتب والروائي كميل أبو حنيش تميز على هذا الصعيد.
وختامًا، وجدت نفسي مرغمةً على ذكر الأسير منصور الشحاتيت (الذي قضى17 عامًا في السجن)؛ الأسير الذي قايضوا ذاكرته بوطن، هنا نعجز عن حمل الأسماء.. التسميات.. الصفات، وحتى المعاني باتت بمفهومها الكامل لا تلبس إلا تعبير الأرض والمُحتل، ولا تشي إلا بفظاعة ممارسات الاحتلال وطرق ووسائل تعذيبهم.. لكن طوبى لك؛ فالأرض تحملك ذاكرة لا تموت.. طوبى لنا ول فلسطين بك؛ شهادة حق يخجل منها سجانك.. ونرددك نحن عالياً؛ هكذا هم أبناء فلسطين؛ هكذا هم أصحاب الحق والأرض.

